مقالات

بين “عصر” الاستثمارات وحصون الأمان: هل ضاعت بوصلة الوفاء العربي؟

بقلم: رامي أحمد

​في عالم السياسة، لا توجد وجبات مجانية، لكن في عالم “الأشقاء”، يفترض أن للوفاء ضريبة وللأخوة رصيداً لا ينضب. إلا أن المشهد الراهن يشير إلى مفارقة صارخة تثير التساؤلات حول طبيعة التحالفات العربية وموقف دول الخليج من الأزمة الاقتصادية المصرية، مقارنة بفيض عطائهم تجاه القوى الغربية التي لم تمنحهم سوى “الخذلان”.

​خمسة مليارات.. استثمار أم استغلال؟

​بينما تتحدث التقارير عن استثمارات خليجية (سعودية، إماراتية، قطرية) في مصر تقدر بخمسة مليارات دولار، يرى مراقبون أن هذه الأرقام تأتي بـ “القطارة” وبعد مفاوضات شاقة تعصر الاقتصاد المصري عصراً. الحقيقة المرة أن هذه الاستثمارات ليست منحاً، بل هي صفقات رابحة تجني من ورائها تلك الدول أضعاف ما دفعته، وفي وقت تحتاج فيه مصر -التي كانت يوماً السند والظهير لهؤلاء حين كانت الصحراء قاسية- لمواقف تليق بحجم “فضل مصر” التاريخي عليهم.

​مفارقة ترامب: تريليونات للغرب وصواريخ بلا غطاء

​المقارنة هنا مؤلمة؛ ففي زيارة واحدة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فُتحت الخزائن لتضخ 5.4 تريليون دولار في شرايين الاقتصاد الأمريكي. ورغم هذا السخاء الأسطوري، كان الرد الأمريكي في لحظات الحقيقة مخيباً للآمال؛ حيث تُركت الأجواء الخليجية مستباحة للمسيرات والصواريخ، وبقيت الدفاعات الجوية التي كلف مليارات الدولارات صامتة أو موجهة لحماية “الكيان” بدلاً من حماية من دفع ثمنها.

​ازدواجية المعايير.. من ليبيا إلى إيران

​لا يمكن الحديث عن الأمن القومي بمنطق الكيل بمكيالين. حين مسّ الخطر كرامة مصر في ليبيا بذبح 21 مصرياً، لم تتردد القاهرة في “دك” حصون الإرهاب في درنة، واستعادة الحق بالدم والقانون، وصولاً إلى جلب رؤوس الإرهاب مثل هشام عشماوي من قلب الأراضي الليبية.

​لذا، فإن لوم إيران على استهداف قواعد أمريكية، بينما يُغض الطرف عن حق الدول في الدفاع عن مصالحها، هو نوع من التناقض السياسي. مصر علّمت الجميع أن السيادة لا تتجزأ، وأن من يستعين بـ “الذئب” لحمايته، لا يلومنّ إلا نفسه حين يفتك هذا الذئب بقطيعه.

​”يا سارية الجبل”.. حكمة الفاروق تتجسد

​ختاماً، تحضرنا مقولة الفاروق عمر بن الخطاب: “من استرعى الذئب فقد ظلم”. يبدو أن البعض قرر استدعاء الذئاب وتسمينها بمليارات الدولارات، واليوم يبدون الدهشة حين يجدون أن هذه الذئاب لم تأكل سوى غنمهم، ولم تحرس سوى مصالحها.

​إن مصر كانت وتظل حصن الأمان الاستراتيجي للمنطقة، والتقليل من شأن دورها أو محاولة استغلال أزماتها الاقتصادية مقابل فتات الاستثمارات هو رهان خاسر، لأن التاريخ لا ينسى، والجغرافيا لا تتغير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى