إلى وزير الصحة.. إقصاء الكفاءات جريمة في حق المرضى قبل الأطباء


بقلم
اسامه شحاتة
في لحظة فارقة تسعى فيها الدولة بكل مؤسساتها إلى بناء نظام صحي قوي وعادل، يخرج من قلب الصعيد سؤال لا يحتمل التأجيل: لماذا يتم إقصاء الكفاءات الناجحة؟ ولماذا تستبعد القيادات التي حققت إنجازات حقيقية على الأرض، بينما المرضى هم أول من يدفع الثمن؟
الصعيد ليس منطقة تعاني من نقص العقول، بل على العكس، هو خزان حقيقي للكفاءات في كل القطاعات، وعلى رأسها القطاع الصحي. أطباء ومديرون واجهوا التحديات بإمكانات محدودة، ونجحوا في تحويل المستشفيات من مبان تقليدية إلى مؤسسات تقدم خدمة طبية حقيقية تليق بالمواطن.
لكن المفارقة المؤلمة أن بعض هذه النماذج تقصى في اللحظة التي تبلغ فيها قمة عطائها.
من بين هذه النماذج، يبرز اسم الدكتور إيهاب علي حسين هيكل، استشاري جراحة العظام، ومدير مستشفى سوهاج العام منذ عام 2020، والذي يتعرض – بحسب ما يتردد – لعملية إقصاء من منصبه، رغم سجل حافل بالإنجازات التي لا يمكن إنكارها.
الرجل لم يكن مجرد مدير مكتب
بل كان في قلب المعركة خلال جائحة كورونا، تحولت مستشفى سوهاج العام إلى خط دفاع متقدم، ونجحت الإدارة في التعامل مع واحدة من أصعب الأزمات الصحية في العصر الحديث، دون انهيار أو تراجع في مستوى الخدمة.
وعلى مستوى البنية التحتية، شهدت المستشفى طفرة غير مسبوقة، حيث ارتفع عدد أسرة العناية المركزة من 6 فقط إلى 61 سرير عناية متخصصة، في إنجاز يعكس رؤية واضحة وإدارة فعالة، ويعني ببساطة إنقاذ عشرات الأرواح يوميا.
أما في ملف قوائم الانتظار، فقد حققت المستشفى المركز الثاني على مستوى الجمهورية في جراحات العظام خلال عامين متتاليين، مع مشاركة فعلية من مدير المستشفى في إجراء العمليات، إلى جانب تحقيق المركز الثالث في جراحات المخ والأعصاب.
هذه ليست أرقاما، بل حياة جديدة لآلاف المرضى ولأول مرة في الصعيد، تم افتتاح وحدة متخصصة لأمراض الكلى للأطفال، تقدم خدمات دقيقة مثل الغسيل البروتيني، واستقبلت حالات من خارج المحافظة، في مؤشر واضح على الثقة في مستوى الخدمة. كما تم إنشاء أول وحدة عناية مركزة لمرضى الحروق بسعة 6 أسرة، وهو إنجاز طال انتظاره في محافظات الصعيد.
التطوير لم يتوقف عند هذا الحد، بل شمل تجديد أقسام كاملة داخل المستشفى، من الاستقبال الذي تضاعفت طاقته الاستيعابية من 11 إلى 44 سريرًا، إلى المعامل التي تجري نحو 10 آلاف تحليل شهريًا، مرورًا بتحديث الأشعة وإضافة أجهزة متطورة تخدم آلاف الحالات.
ولأن النجاح لا يمكن تجاهله، تم تكريم الدكتور إيهاب هيكل كأفضل مدير مستشفى من قبل وزير الصحة في مطلع 2026 وهنا تتجلى المفارقة الصادمة: كيف يتحول من نموذج يحتذى به إلى اسم مطروح للإقصاء؟
السؤال هنا ليس دفاعا عن شخص، بل دفاع عن مبدأ عندما يرى الأطباء الشباب أن النجاح قد يكون نهايته الإبعاد، فما الذي سيدفعهم لبذل المزيد؟ وعندما يشعر المواطن أن من ينجح في خدمته قد يستبعد دون تفسير، فكيف يثق في المنظومة؟
إقصاء الكفاءات لا يضر المسؤول فقط، بل يضرب استقرار المؤسسات، ويهدر سنوات من العمل والبناء، ويعيدنا إلى نقطة الصفر والأخطر من ذلك أنه يبعث برسالة سلبية لكل من يفكر في الإصلاح: “لا تتعب نفسك كثيرا”.
السيد وزير الصحة..
الملف لم يعد يحتمل المجاملات أو القرارات غير المفهومة الصعيد يحتاج إلى دعم كفاءاته، لا تفريغها يحتاج إلى تثبيت الناجحين، لا استبدالهم دون أسباب واضحة.
إذا كانت هناك أخطاء، فلتُعلن بشفافية. وإذا كانت هناك إنجازات، فلتحترم أما أن يتم إقصاء الكفاءات في صمت، فهذه خسارة لا تخص فردا، بل منظومة كاملة.
الكفاءة يجب أن تحمى.. لا أن تقصى.



