اخبار محليه

عشوائيات الأخلاق.. حين تصبح الفوضى والحرية سلوكاً 

بقلم📝 نجلاء هاشم

 

لم يعد الحديث عن تراجع الأخلاق في مجتمعاتنا مجرد انطباع عابر أو شكوى من جيل إلى جيل، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه في تفاصيل حياتنا اليومية. سلوكيات كانت بالأمس مرفوضة اجتماعيًا وأخلاقيًا، أصبحت اليوم تُمرَّر تحت عناوين مختلفة، يأتي في مقدمتها «الحرية الشخصية»، وكأن الحرية تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء دون مسؤولية أو مراعاة لقيم المجتمع وحقوق الآخرين.

 

وهنا يبرز السؤال الأهم: إلى أين نحن ذاهبون؟ وكيف يمكن أن نترك أبناءنا وسط هذه الفوضى الأخلاقية دون أن نمنحهم بوصلة تميز بين الحرية والانفلات، وبين الاختلاف والتجاوز، وبين التطور والتخلي عن القيم؟

 

عندما تصبح الأخلاق «عشوائية»

 

المشكلة لا تكمن في الشباب وحدهم، فالشباب في النهاية نتاج بيئة ومجتمع وأسرة ومدرسة وإعلام ومنصات رقمية. ولذلك فإن تحميل جيل كامل مسؤولية التراجع الأخلاقي هو هروب من مواجهة المشكلة الحقيقية.

 

نحن جميعًا شركاء بدرجات مختلفة في صناعة المشهد الذي نراه اليوم.

 

فالأسرة التي تتخلى عن دورها التربوي، والمدرسة التي تركز على التعليم دون بناء الشخصية، والإعلام الذي يمنح الشهرة أحيانًا لمن لا يقدم نموذجًا يستحق أن يُحتذى، ومواقع التواصل التي تجعل بعض السلوكيات غير السوية تبدو طبيعية بسبب كثرة تكرارها؛ كلها عوامل تساهم في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

 

ولعل أخطر ما في الأمر أن الخطأ عندما يتكرر أمام أعيننا كثيرًا، قد يفقد قدرته على إثارة الدهشة والرفض، ثم يتحول تدريجيًا إلى «شيء عادي».

 

الحرية ليست غياب المسؤولية

 

لا أحد يرفض حق الإنسان في الاختيار أو التعبير عن نفسه، لكن الحرية الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية.

 

فالإنسان حر في اختياراته، لكنه ليس معزولًا عن مجتمعه، وأفعاله قد تؤثر في أسرته وأبنائه ومن حوله. ولذلك فإن استخدام «الحرية الشخصية» لتبرير كل سلوك يتجاوز القيم الأخلاقية أو يضر بالآخرين، يحتاج إلى مراجعة جادة.

 

وقد وضع القرآن الكريم قاعدة عظيمة في التعامل مع السلوك الإنساني حين قال الله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾

[النحل: 90].

 

إنها أوامر ونواهي صريحة من الله عز وجل وهي عدل، وإحسان، ورحمة، وفي المقابل رفض للفحشاء والمنكر والبغي.

 

أين ذهبت التربية؟

 

لقد تربت أجيال سابقة على أن الأخلاق ليست درسًا يُحفظ، وإنما سلوك يُمارس.

 

كان احترام الكبير قيمة، والصدق مبدأ، والأمانة مسؤولية، والحياء خلقًا، ومساعدة الآخرين واجبًا إنسانيًا، وكان الأب والأم يدركان أن تربية الأبناء لا تعني توفير الطعام والملبس والتعليم فقط، وإنما تعني أيضًا بناء إنسان يعرف كيف يتعامل مع نفسه ومع الآخرين.

 

وقد قال رسول الله ﷺ:

 

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

 

وفي حديث آخر قال ﷺ:

 

«ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق».

 

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا  

إذا كان حسن الخلق بهذه المكانة في الإسلام، فلماذا أصبح الحديث عن الأخلاق أحيانًا يبدو وكأنه حديث قديم لا يتناسب مع العصر؟

 

الحقيقة أن المجتمعات لا تتقدم بالتكنولوجيا وحدها، ولا بالعمارات الشاهقة، ولا بالشهادات العلمية، وإنما تتقدم عندما يتزامن التطور المادي مع تطور الإنسان أخلاقيًا.

 

أبناؤنا ليسوا المشكلة وحدهم

 

نحن كثيرًا ما نسأل: ماذا حدث لشباب اليوم؟

 

لكن ربما يكون السؤال الأكثر عدلًا: ماذا قدمنا نحن لشباب اليوم؟

 

هل جلسنا معهم بما يكفي؟

هل استمعنا إلى مخاوفهم وأسئلتهم؟

هل قدمنا لهم نموذجًا حقيقيًا يحتذون به؟

هل شرحنا لهم معنى الحرية والمسؤولية؟

هل علمناهم أن الاختلاف لا يعني الإساءة، وأن القوة ليست في الصوت المرتفع، وأن النجاح بلا أخلاق قد يتحول إلى خطر على صاحبه وعلى المجتمع؟

 

الشاب الذي يبحث عن قدوة سيجدها، والسؤال هو: من سيكون قدوته؟

 

إذا لم تقدم الأسرة والمجتمع نموذجًا محترمًا، فستبحث المنصات الرقمية عن هذا الدور، وقد تقدم له نماذج لا تستحق أن تكون قدوة.

 

نحن لا نحتاج إلى جيل خائف.. بل إلى جيل واعٍ

 

المطلوب ليس أن نحاصر أبناءنا أو نعيش في صراع دائم معهم، وإنما أن نمنحهم وعيًا يجعلهم قادرين على الاختيار.

 

نريد شابًا يعرف أن الانفتاح على العالم لا يعني فقدان هويته، وأن مواكبة العصر لا تعني التخلي عن الأخلاق، وأن احترام الآخرين لا يتعارض مع الاختلاف معهم.

 

والأهم أن نربي أبناءنا على أن الدين ليس مجموعة من الأوامر والنواهي فقط، وإنما منظومة من الرحمة والصدق والأمانة والعفو والإحسان.

 

قال تعالى:

 

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾

[البقرة: 83].

 

آية قصيرة، لكنها تحمل معاني أخلاقية كاملة في طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين.

 

متى ينمو المجتمع؟

 

المجتمع لا ينمو عندما يكبر عمر أفراده فقط، وإنما عندما تنضج قيمهم.

 

لا يمكن أن نبني مجتمعًا قويًا بأشخاص يمتلكون المعرفة ويفتقدون الأمانة، أو يمتلكون القدرة ويفتقدون الرحمة، أو يمتلكون الحرية ولا يعرفون المسؤولية.

 

نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة «التربية»، لا باعتبارها مسؤولية الأسرة وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة بين البيت والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلام والمجتمع كله.

 

وإذا كنا نريد مستقبلًا أفضل لأبنائنا، فعلينا أن نتوقف عن الاكتفاء بانتقادهم، وأن نبدأ بإعادة بناء البيئة التي يتعلمون منها.

 

فالأخلاق لا تُفرض بالشعارات، وإنما تُبنى بالقدوة.

 

كلمة أخيرة

 

لسنا ضد التطور، ولسنا ضد الحرية، ولسنا ضد اختلاف الأجيال. لكننا ضد أن تتحول الحرية إلى ذريعة لإلغاء المسؤولية، وأن يتحول الاختلاف إلى مبرر للتجاوز، وأن تصبح الرذيلة أمرًا مألوفًا لمجرد أن بعض الناس اعتادوا رؤيتها.

 

وكذلك الأخلاق تُبنى بالتربية والممارسة والقدوة.

 

فإذا أردنا أن نبحث عن مستقبل المجتمع، فلننظر أولًا إلى ما نزرعه في نفوس أبنائنا اليوم.

 

فالأوطان لا تُبنى بالمعمار الخرساني وحده، وإنما تُبنى بالإنسان، والإنسان لا يستقيم بغير أخلاق.

 

وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق:

 

أي مجتمع نريد أن نتركه لأبنائنا؟ وأي أبناء نريد أن نتركهم لهذا المجتمع؟

 

إن معركة الأخلاق ليست معركة ضد جيل، ولا ضد التطور، ولا ضد العصر.

 

إنها معركة من أجل الإنسان نفسه.

 

فقد تتغير الأزياء، وتتطور التكنولوجيا، وتتبدل أنماط الحياة، لكن هناك أشياء لا ينبغي أن تتغير:

 

الصدق… الأمانة… الرحمة… الاحترام… الحياء… المسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى