اخبار محليه

المشير طنطاوي… رجلٌ حمل الوطن على كتفيه ومضى في صمت

 

بقلم: أسامة شحاتة

هناك رجال يمرون في صفحات التاريخ، وهناك رجال يصنعون التاريخ بدمائهم ومواقفهم. وفي مقدمة هؤلاء يقف المشير محمد حسين طنطاوي، أحد أبرز القادة العسكريين الذين أنجبتهم مصر، ورجلٌ لم يعرف طريقًا في حياته سوى طريق الواجب والشرف والانتماء.

 

لم يكن طنطاوي قائدًا يظهر وقت الاحتفالات، بل كان جنديًا حاضرًا عندما كانت مصر في أشد احتياج إلى رجالها. تخرج في الكلية الحربية عام 1956، وشارك في مواجهة العدوان الثلاثي، ثم خاض حرب يونيو 1967 وحرب الاستنزاف، حتى جاءت اللحظة الفاصلة في السادس من أكتوبر 1973، حين تولى قيادة الكتيبة 16 مشاة، وشارك مع أبطال القوات المسلحة في كتابة ملحمة العبور واستعادة الأرض والكرامة.

 

بطلٌ من قلب معركة أكتوبر

 

في حرب أكتوبر لم يكن طنطاوي يتابع القتال من غرفة بعيدة، بل كان في قلب النار، يقود جنوده وسط واحدة من أعنف المعارك. قاتلت كتيبته ببسالة في منطقة المزرعة الصينية، وصمد رجالها أمام هجمات شرسة، لتتحول المعركة إلى شاهد خالد على شجاعة المقاتل المصري وصلابة قيادته.

 

هناك، وسط الدخان وأصوات المدافع، ظهرت شخصية طنطاوي الحقيقية: قائد هادئ، ثابت الأعصاب، قريب من جنوده، لا يطلب منهم أن يتقدموا إلى موقع لا يستطيع هو الوقوف فيه.

 

لم يكن يبحث عن بطولة شخصية أو كاميرا تسجل موقفه؛ فقد كان يؤمن بأن النصر ملك للوطن، وأن القائد الحقيقي هو الذي يؤدي واجبه ثم يترك أفعاله تتحدث عنه.

 

أكثر من نصف قرن في خدمة الوطن

 

تدرج المشير طنطاوي في مختلف المواقع القيادية حتى تولى منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة عام 1991. وعلى مدار سنوات طويلة، أسهم في الحفاظ على قوة الجيش المصري وتطوير قدراته وترسيخ عقيدته الوطنية القائمة على حماية الدولة وصون حدودها وعدم التفريط في شبر واحد من أرضها.

 

ظل طوال مسيرته العسكرية رجلًا قليل الكلام، شديد الانضباط، لا يبحث عن الأضواء ولا يدخل في معارك استعراضية. كانت هيبته نابعة من تاريخه، وكانت قوته في هدوئه، وكان رصيده الحقيقي سنوات طويلة قضاها جنديًا في خدمة العلم المصري.

 

عندما وجد نفسه أمام أصعب اختبار

 

في عام 2011، وجد المشير طنطاوي نفسه أمام واحد من أصعب الاختبارات في تاريخ مصر الحديث. كانت البلاد تمر بمرحلة شديدة الاضطراب، والدولة تواجه مخاطر حقيقية، والشارع يغلي بالغضب والقلق.

 

تولى رئاسة المجلس الأعلى للقوات المسلحة في لحظة لم يكن فيها القرار سهلًا ولا الطريق آمنًا. اختلف البعض حول تفاصيل تلك المرحلة، وهذا حق مشروع، لكن التاريخ المنصف لا يستطيع إنكار أنه حمل مسؤولية ثقيلة في وقت بالغ الخطورة، وظل حاضرًا حتى تسليم السلطة في يونيو 2012.

 

كان يعرف أن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن القوات المسلحة ملك للشعب، وأن بقاء مصر متماسكة هو الهدف الذي يجب أن يتقدم على كل الحسابات.

 

رجل دولة لم يساوم على مصر

 

قيمة المشير طنطاوي لا تُقاس فقط بالمناصب التي تولاها، بل بالمواقف التي تحملها. فقد عرف الحرب والسلام، وذاق مرارة الهزيمة وشارك في صناعة النصر، ثم واجه اضطرابات السياسة بصبر الجندي الذي تعلم ألا يترك موقعه مهما اشتدت النيران.

 

لم يكن رجل شعارات، بل رجل أفعال. لم يتاجر ببطولاته، ولم يحاول صناعة أسطورة حول نفسه؛ لأن من عبروا قناة السويس وصمدوا في ساحات القتال لا يحتاجون إلى شهادة من أحد.

 

الرجال يرحلون… لكن المواقف لا تموت

 

في 21 سبتمبر 2021، رحل المشير محمد حسين طنطاوي، لكن سيرته لم ترحل. بقي اسمه محفورًا في ذاكرة الجيش المصري، وبقيت بطولات الكتيبة 16 مشاة شاهدة على قائد قاتل من أجل أرضه، كما بقيت سنوات خدمته الطويلة دليلًا على رجل وهب حياته لمصر.

 

لقد رحل الجسد، لكن صورة القائد الذي أدى التحية العسكرية للعلم المصري ستظل حاضرة في ذاكرة الوطن. وسيظل التاريخ يذكر أنه كان واحدًا من رجال أكتوبر العظام، وجنديًا لم يخلع عن قلبه الزي العسكري حتى آخر أيامه.

 

رحم الله المشير محمد حسين طنطاوي…

 

رحم الله قائدًا حمل السلاح دفاعًا عن الأرض، وتحمل المسؤولية عندما ثقلت على الأكتاف، وعاش جنديًا ورحل جنديًا.

 

سيظل اسمك حاضرًا في سجل الشرف، لأن الأوطان لا تنسى رجالها المخلصين، ومصر دائمًا تقدر من عاشوا من أجلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى