الصحه

قلب ببطارية أبدية”: هندسة طبية تحوّل نبضات الحياة إلى طاقة دائمة

قلب ببطارية أبدية”: هندسة طبية تحوّل نبضات الحياة إلى طاقة دائمة

 

بقلم: إيهاب محمد زايد

في خضم السباق العالمي لابتكار بطاريات أكثر كفاءة، أعلن باحثون صينيون عن اختراق طبي تاريخي يغير قواعد لعبة الأجهزة الطبية القابلة للزرع. فبدلاً من البحث عن بطاريات تدوم طويلاً، قرروا إلغاء الحاجة إليها تماماً، من خلال تصميم جهاز لتنظيم ضربات القلب يستمد طاقته التشغيلية من الحركة الطبيعية للقلب نفسه.

 

من فكرة جراحية متكررة إلى حل مدى الحياة

لطالما شكلت البطاريات المحدودة العمر العقبة الأكبر في وجه أجهزة تنظيم ضربات القلب. تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 3 ملايين شخص حول العالم يعيشون بأجهزة تنظيم ضربات القلب، ويخضع ما يقارب 600 ألف مريض سنوياً لجراحة زراعة أو استبدال لهذه الأجهزة. المريض الذي يزرع مثل هذا الجهاز، وهو بالغالب شخص يحتاج إلى استقرار صحي، يُجبر على الخضوع لجراحة استبدال كل 5 إلى 10 سنوات لمجرد استنفاد بطارية الجهاز. هذه العملية تحمل مخاطر التخدير (بنسبة 0.5-1٪) والعدوى (1-3٪) والتكلفة المالية التي تتراوح بين 15,000 و50,000 دولار للعملية الواحدة، بالإضافة إلى العبء النفسي الباهظ.

 

يضع الابتكار الجديد حلاً جذرياً لهذه الدورة المرهقة، من خلال تحرير الجهاز والمرضى من قيد البطارية التقليدية، مما قد يقلل عدد العمليات الجراحية ذات الصلة بأجهزة تنظيم ضربات القلب بنسبة تصل إلى 40٪ على مستوى العالم.

 

المبدأ الثوري: حصاد الطاقة الحركية للجسم

يكمن جوهر الابتكار في وحدة دقيقة لاستعادة الطاقة مُدمجة داخل الجهاز، الذي لا يتعدى حجم كبسولة دواء (حوالي 2 سم طولاً و6 ملم عرضاً). تعمل هذه الوحدة بمبدأ الحث الكهرومغناطيسي، حيث تلتقط الطاقة الميكانيكية الناتجة عن كل نبضة قلب وانقباض للعضلة المحيطة. ثم تحوّل هذه الطاقة الحركية مباشرة إلى طاقة كهربائية تكفي لتشغيل الدائرة الإلكترونية المسؤولة عن تنظيم ضربات القلب بدقة.

 

هذا التحويل يجعل من القلب البشري مولّداً بيولوجياً ذاتياً، في نظام مغلق يدعم نفسه بنفسه. الفكرة أشبه بتركيب توربين صغير داخل سد، لكن هنا، السد هو نظام القلب والأوعية الدموية، والماء المتدفق هو قوة الدم والانقباض العضلي. يولد القلب البشري ما بين 1-2 واط من الطاقة الميكانيكية أثناء النشاط الطبيعي، والجهاز الجديد قادر على حصاد حوالي 10-15٪ من هذه الطاقة، وهو ما يكفي تماماً لتشغيل دائرة تنظيم ضربات القلب التي تحتاج فقط إلى 10-50 ميكرو واط للعمل.

 

بالأرقام: فائض طاقة يضمن التشغيل مدى العمر

أظهرت الاختبارات المنشورة في مجلة “Nature Biomedical Engineering” في يناير 2024 أن أداء الجهاز يتجاوز مجرد فكرة التشغيل. حيث سجلت قدرة الخرج الناتجة عن وحدة استعادة الطاقة معدلاً يزيد عن 150٪ من الحد الأدنى للطاقة المطلوبة لتشغيل جهاز تنظيم ضربات القلب القياسي. هذا الفائض الطاقي ليس هامشياً؛ فهو يخلق مخزوناً احتياطياً يضمن استمرارية التشغيل حتى خلال فترات انخفاض النشاط البدني، ويفتح المجال لتزويد الجهاز بوظائف إضافية في المستقبل، كأجهزة استشعار متقدمة.

 

في الاختبارات المعملية، حافظ الجهاز على استقرار الجهد الكهربائي عند 3.3 فولت مع تيار مستمر يبلغ 20 ميكرو أمبير، وهو ما يفوق بكثير متطلبات معظم أجهزة تنظيم ضربات القلب الحديثة. وفي النماذج الحيوانية، استمر الجهاز في العمل بكفاءة لأكثر من 12 شهراً متواصلاً دون أي تدهور ملحوظ في الأداء.

 

آفاق مستقبلية: ميلاد “الإلكترونيات الحيوية” المتكاملة

يمثل هذا الابتكار نقطة تحول من عصر الأجهزة الطبية “الزائرة” التي تحتاج صيانة، إلى عصر “الإلكترونيات الحيوية المتكاملة” التي تعيش مدى الحياة مع المريض. المبدأ التأسيسي لهذا الجهاز – حصاد الطاقة من حركة الجسم – ليس حكراً على تنظيم ضربات القلب. فهو يضع مخططاً يمكن تطبيقه على مجموعة واسعة من الأجهزة القابلة للزرع، منها:

 

منبهات عصبية لعلاج مرض باركنسون والصرع، حيث يقدر سوق هذه الأجهزة بنحو 5.2 مليار دولار بحلول عام 2027.

 

مضخات أدوية ذكية تُحقن العلاجات استجابةً لتغيرات فسيولوجية محددة، خاصة لمرضى السكري والأمراض المزمنة.

 

أجهزة استشعار مزروعة لمراقبة مستمرة للجلوكوز أو الهرمونات أو علامات حيوية أخرى، مع سوق متوقع أن يصل إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2030.

 

تحديات وضمانات: الطريق نحو العيادات

رغم الوعد الكبير، فإن الطريق نحو توفر هذا الجهاز بشكل روتيني في المستشفيات لا يخلو من التحديات. يأتي في مقدمتها ضمان السلامة على المدى الطويل وموثوقية النظام في ظل الظروف الفسيولوجية المتغيرة لجسم الإنسان على مدار عقود. كما يجب إثبات أن توليد الطاقة الحركة لا يشكل عبئاً إضافياً على عضلة القلب، خاصة لدى المرضى الضعاف. وقد أظهرت الدراسات الأولية أن الحمل الإضافي على القلب لا يتجاوز 0.1٪ من إجمالي عمله، وهو مقدار ضئيل غير محسوس طبياً.

 

أخيراً، ستخضع هذه التقنية لعمليات تقييم تنظيمية دقيقة من قبل هيئات مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والمفوضية الأوروبية (CE) للتأكد من أمانها وفعاليتها قبل اعتمادها للاستخدام البشري الواسع. يتوقع الخبراء أن الحصول على الموافقات التنظيمية قد يستغرق من 3 إلى 5 سنوات، مع بدء التجارب السريرية على البشر في أواخر عام 2025.

 

خلاصة: إعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والجسد

يُجسّد هذا الابتكار نقلة فلسفية عميقة في الهندسة الطبية. فهو يتحول من نموذج خارجي قائم على التدخل والاستبدال، إلى نموذج داخلي قائم على الاستدامة والتكافل. لم يعد الجهاز الطبي جسماً غريباً يعيش على موارد منفصلة، بل أصبح شريكاً عضوياً في الجسم، يولد قوته من ديناميكية الحياة نفسها. إنه اتجاه واعد يضع نصب عينيه هدفاً أعلى: جعل التكنولوجيا الطبية خادمةً غير مرئية ومستدامة للحياة، وليس عبئاً يتطلب رعاية مستمرة.

 

مع توقع وصول عدد مستخدمي أجهزة تنظيم ضربات القلب إلى 4.5 مليون شخص بحلول عام 2030، يأتي هذا الابتكار كحلقة أساسية في سلسلة تطور الطب الشخصي والدقيق، حيث تصبح التكنولوجيا امتداداً طبيعياً للجسم البشري، وليس مجرد أداة خارجية لإصلاح أعطاله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى