إنجاز تاريخي.. “الرئة الاصطناعية” الصينية تتنفس بمواد محلية لأول مرة

إنجاز تاريخي.. “الرئة الاصطناعية” الصينية تتنفس بمواد محلية لأول مرة
إيهاب محمد زايد
في زمن أصبحت فيه أجهزة الإنعاش القلبي الرئوي هي الفاصل الدقيق بين الحياة والموت، وفي لحظات يئن فيها مريض فشل تنفسي حاد على سرير العناية المركزة، وتدق ساعة الانتظار الموجعة أمام غرف العمليات، يأتي النبأ السار من شرق الصين: “الرئة الاصطناعية” ستتنفس قريباً برئة صينية خالصة.
لحظة فاصلة في تاريخ الطب والصناعة
من مصنع البتروكيماويات العملاق في نينغبو بمقاطعة تشجيانغ، خرجت قنينة زجاجية صغيرة تحمل سائلاً شفافاً يبدو للوهلة الأولى كالماء العادي. لكن ما تحمله هذه القنينة ليس ماءً، بل هو مادة 4-ميثيل-1-بنتين (4M1P) – تلك المادة التي كانت حتى أسابيع قليلة مضت حكراً على شركة يابانية واحدة في العالم كله، والتي بدونها لا يمكن صناعة أغشية الأكسجة الغشائية خارج الجسم (ECMO)، ذلك الجهاز الذي أطلق عليه العالم “الرئة الاصطناعية” أو “القلب والرئة الميكانيكيان” .
في معامل أكاديمية تشجيانغ لبحوث المواد الجديدة التابعة لشركة سينوبك، وتحديداً في وحدة التجارب التكبيرية التي ترتفع ثلاثة طوابق كاملة، استقرت المعدات أخيراً بعد سنوات من الجهد المضني. هنا، وبالتحديد في يناير 2026، تكللت المساعي بالنجاح: أول دفعة من مونمر 4M1P المؤهل صناعياً تخرج من خط الإنتاج التجريبي، بمتوسط نقاء يتجاوز 98%، متفوقة بذلك على المعايير الدولية المطلوبة لصناعة أغشية الأكسجة .
17 طريقاً.. طريق واحد فقط يؤدي إلى الحياة
قصة هذا الإنجاز لا تبدأ اليوم، بل تعود إلى عام 2017. ذلك العام الذي قررت فيه أكاديمية تشجيانغ لبحوث المواد الجديدة، بالتعاون مع جامعة داليان للتكنولوجيا، تسلق قمة كان ينظر إليها كثيرون على أنها مستعصية على المتسلقين .
المشكلة كانت في الكيمياء ذاتها: جزيئا بروبيلين عندما يلتقيان، أمامهما سبعة عشر مساراً محتملاً للتفاعل. سبعة عشر طريقاً، واحد فقط منها يؤدي إلى إنتاج 4M1P المطلوب. الستة عشر طريقاً الآخر ليسوا مجرد فشل، بل هم إهدار للوقت والموارد والجهد. السؤال الكبير كان: كيف نُجبر هذين الجزيئين على السير في الطريق الصحيح وحده؟ .
الإجابة كانت في “المرشد الكيميائي” – المحفز المناسب. ذلك المرشد الذي بحث عنه فريق الدكتور تشن بينغ والمهندس لينغ يو لأربع سنوات كاملة. آلاف التجارب، وعشرات الآلاف من الساعات، ومئات التركيبات التي اختُبرت ورُفضت، حتى وصلوا إلى التركيبة السحرية التي ترفع كفاءة التحويل من أقل من 10% إلى مستويات تجارية واعدة .
“فندق العزل” و 1000 عينة
في عام 2021، وصل الفريق إلى نقطة الحسم: اختبار استمرارية المحفز لمدة 500 ساعة متواصلة. لكن القدر كان له رأي آخر. فجأة، وجد الدكتور دونغ كه، الممثل التقني للأكاديمية، نفسه محاصراً في غرفة فندق بسبب إجراءات العزل الصحي. التجربة لا يمكن إيقافها، والبيانات لا تحتمل التأخير .
هنا كتب الفريق ملحمة حقيقية من ملاحم البحث العلمي. في المختبر، انقسم لينغ يو وزملاؤه إلى ورديات متناوبة على مدار الساعة. كل نصف ساعة، عينة جديدة تُسحب وتُحلل. وفي غرفة الفندق، كان دونغ كه ملتصقاً بشاشة هاتفه، يستقبل البيانات لحظة بلحظة، يدقق، يحلل، ويُعيد التوجيه. 500 ساعة، 1000 عينة. عندما صدرت الموافقة على نجاح التجربة، كان الجميع يعلم أن أصعب مرحلة قد انتهت .
“الزلابية” التي علّمت المهندسين
لكن النجاح في المختبر لا يعني النجاح في المصنع. نهاية عام 2024، شُيدت وحدة التجارب التكبيرية بطاقة مئة طن سنوياً. التشغيل الأول كان بمثابة دش بارد على وجوه الفريق: نقاء 94.2% فقط، ومردود منخفض .
المهندس نيو بينغبو، وهو ينظر إلى النتائج المخيبة، وجد تشبيهاً من المطبخ الصيني: “إنها مثل الزلابية. بعضها سميك الجلد، وبعضها رقيق ينكشف الحشو من تحته. الشكل غير متجانس، والطعم مختلف”. المشكلة كانت في توزيع المحفز داخل المفاعل الكبير، فما كان يعمل بتجانس في الدورق الزجاجي للمختبر أصبح غير متجانس في وعاء الصناعة .
بضعة أشهر من إعادة الحسابات والتعديلات، وعادت الوحدة للعمل مرة أخرى. هذه المرة، النقاء قفز فوق 98%، والمردود ارتفع دراماتيكياً. الطريق إلى الإنتاج التجاري أصبح ممهداً .
5000 يوان للزجاجة الواحدة.. و”النمل” الذي حمل البضاعة
لمن لا يعرف، كانت زجاجة 4M1P سعة 500 مليلتر تباع بخمسة آلاف يوان. والأهم من السعر، أنها كانت تخضع لحصار تجاري غير معلن: في الظروف العادية تشتري بصعوبة، وفي الأزمات لا تشتري أبداً .
لكن المفارقة الأجمل في هذه القصة هي تلك الصورة غير المتوقعة: ثلاثة باحثين – دونغ كه، لينغ يو، نيو بينغبو – يحملون على أكتافهم أكياساً تزن مئات الكيلوغرامات من المحفز الخاص. لم يكن هناك ميزانية كافية للشحن المتخصص، ولا وقت لانتظار الخدمات اللوجستية. فكان الحل أن يحملوا بأنفسهم ما أنتجته أيديهم، كالنمل الذي ينقل قوت شتائه، ليشحنوه إلى وحدة التجارب. “كل كيس كان بمثابة كنز، لا نطمئن إلا بحمله بأنفسنا” .
ما بعد الكأس: طموح بلا سقف
اليوم، وقد وضعت الصين يدها على تاج المواد البوليمرية – تلك “الجوهرة” التي كانت محصنة لعقود – فإن الفريق لا يتوقف. العينات الأولى من إنتاج 4M1P الصيني قد أُرسلت بالفعل إلى جامعات ومراكز بحثية محلية لبدء مرحلة البلمرة وصناعة الأغشية التجريبية .
لكن الطموح أكبر من ذلك. في مختبر الأكاديمية، يعمل لينغ يو الآن على تحسين ثباتية المحفز ورفع المردود الكلي. وعلى مقربة منه، يدير دونغ كه مفاعلات الضغط العالي لدراسة إمكانية تحويل المنتجات الثانوية إلى مواد عالية القيمة. “كل ناتج ثانوي هو مشروع بحثي قائم بذاته” .
رسالة من الشرق: ليس فقط للرئة
ما قد لا يعرفه كثيرون أن مادة 4M1P ليست حكراً على أجهزة ECMO. البوليمر الناتج عنها، PMP، يتميز بقدرته الفائقة على تحمل درجات حرارة تتجاوز 200 درجة مئوية. هذه الخاصية تجعله مادة لا غنى عنها في صناعة الدوائر المرنة للهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية الدقيقة. ما تحقق في نينغبو هو إذاً إنجاز لقطاع الصحة، ولصناعة الإلكترونيات، وللاقتصاد الصيني ككل .
من حلم إلى سلسلة صناعية
عندما سأل تشن بينغ نفسه قبل تسع سنوات: “هل يمكن للصين أن تصنع رئتها الاصطناعية بيدها؟”، كان السؤال يبدو حلماً بعيد المنال. اليوم، وبعد أن اجتاز الفريق رحلة الألف ميل خطوة بخطوة – من الفكرة إلى المختبر، من المختبر إلى وحدة التجارب التكبيرية، ومنها إلى عتبات المصنع التجاري – أصبح الجواب واضحاً لا لبس فيه .
الرئة الاصطناعية الصينية لم تعد بحاجة لاستيراد هوائها من الخارج. القلب الصناعي الذي سينبض في غرف العمليات الصينية صار أقرب من أي وقت مضى إلى أن يكون صنع في الصين، بل صمم في الصين، وابتكر في الصين.
في زمن أصبحت فيه السيطرة على سلاسل التوريد الدوائية والطبية مسألة أمن قومي بالمعنى الحرفي، لا بالمعنى المجازي، تقدم الصين اليوم دليلاً جديداً على أن الإرادة المدعومة بالعلم، والعلم المدعوم بالمثابرة، يمكنهما معاً تحطيم أقسى القيود وأعتى الاحتكارات.
اللحظة تاريخية، والرئة تتنفس للمرة الأولى هواءً صينياً خالصاً، والعالم لم يعد كما كان قبل زجاجة 4M1P القادمة من نينغبو.



