الشرق الأوسط 2050: من جوع اليوم إلى دواء الغد وبحر بلا حدود

الشرق الأوسط 2050: من جوع اليوم إلى دواء الغد وبحر بلا حدود
مصر: إيهاب محمد زايد
الغذاء الذي يأتي من الهواء والملح لا من المطر
عندما تجلس اليوم على مائدة الإفطار في القاهرة أو الرياض أو بيروت، فإن كل لقمة تأكلها تحمل في طياتها قصة عطش، فالشرق الأوسط يمتلك 2% فقط من مياه العالم العذبة لكنه يؤوي 6% من سكانه، والزراعة تلتهم 85% من هذه المياه الشحيحة، وهذا التناقض الرياضي البسيط هو أصل الأزمة، وبحلول 2050 سيكون عدد سكان المنطقة قد قفز إلى 724 مليون نسمة، والطلب على الغذاء سيحتاج إلى زيادة بنسبة 60% بينما المياه العذبة المتاحة ستنخفض، وكأنك تحاول أن تسقي حديقة بخرطوم يضيق كلما كبرت الحديقة.
الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الإنتاج الزراعي في المنطقة ينهار بالفعل، القمح ذلك الخبز الذي لا تغنى عنه مائدة عربية أو فارسية أو تركية ستنخفض محاصيله بنسبة تصل إلى 35% بحلول 2050 بسبب الحرارة والجفاف، ومصر وحدها ستفقد جزءاً كبيراً من أراضيها الزراعية في الدلتا بسبب ارتفاع البحر وملوحة التربة، والأمر ليس مجرد أرقام بل هو غضب يختمر، فاليوم بالفعل أكثر من 51 مليون شخص في المنطقة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وسوريا واليمن ومصر والسودان شهدت احتجاجات مرتبطة بالخبز والغذاء، وهذه النار تحت الرماد ستصبح ناراً مشتعلة حين يقل الماء ويجف النيل وتتبخر آبار العراق.
تحلية المياه ليست رفاهية بل مسألة بقاء وحسابات مالية باردة
المياه المحلاة كانت في الثمانينات حلماً باهظ الثمن يكلف 5 دولارات للمتر المكعب الواحد، لكن التكنولوجيا خفضت السعر اليوم إلى حوالي 40 إلى 50 سنتاً فقط، وهذا الفارق الهائل هو الذي جعل دول الخليج وإسرائيل ومصر تستثمر بكثافة في هذا القطاع، الشرق الأوسط ينتج اليوم حوالي 53% من المياه المحلاة في العالم عبر أكثر من 21 ألف محطة، والسعودية والإمارات وحدهما تنتجان أكثر من 20 مليون متر مكعب يومياً، وهذه القدرة تتضاعف كل بضع سنوات.
لكن المشكلة أن تحلية المياه تستهلك طاقة هائلة، والطاقة في المنطقة لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري الذي يزيد الانبعاثات الحرارية التي تزيد حرارة الأرض التي تزيد الحاجة إلى التبريد الذي يزيد استهلاك الطاقة، إنها حلقة مفرغة تشبه من يشرب ماء البحر ليروي عطشه فيموت عطشاً أكثر، الحل الذي يراه العلماء هو ربط التحلية بالطاقة الشمسية، فالمنطقة تغرق في ضوء الشمس كما تغرق في رمالها، ومزج الطاقة الشمسية مع الوقود الأحفوري في أنظمة هجينة يمكن أن يكسر هذه الحلقة، والهيدروجين الأخضر الذي تنتجه السعودية وعمان والمغرب من الشمس والرياح قد يكون الوقود النظيف الذي يدير هذه المحطات دون أن يدمر الكوكب أكثر.
الزراعة العمودية والملحية ليست خيالاً علمياً بل خبز الغد
عندما لا يكون لديك ماء ولا أرض، فإن الحل الوحيد هو أن تزرع لأعلى لا لأمام، الزراعة العمودية التي ترى نباتات تتراص في أبراج زجاجية داخل المدن لم تعد حلماً لشركات التكنولوجيا في سنغافورة فقط، بل هي قادمة بقوة إلى الرياض ودبي والدوحة، فهذه المزارع تستخدم 95% ماء أقل من الزراعة التقليدية، ويمكن تشغيلها بالطاقة الشمسية، وتنتج الطعام على بعد أمتار من من يستهلكه لا على بعد آلاف الكيلومترات.
أما الابتكار الأكثر جرأة فهو المحاصيل التي تتحمل الملوحة، فبدلاً من أن تحارب الملوحة لماذا لا تتعايش معها، العلماء اليوم يطورون سلالات من القمح والشعير والطماطم تنمو بمياه مالحة أكثر مما كانت تتحمله قبل عقد من الزمن، ودول الخليج التي كانت تستورد كل حبات القمح أصبحت اليوم تنتج جزءاً منه في صحاري كانت تعتبر ميتة، وكما تقول مجلة بوسطن كونسلتينغ غروب فإن المنطقة التي كانت تعاني من شح المياه أصبحت “معمل اختبار حي” لتكنولوجيا الغذاء التي سينقلها العالم كله بعد عقد من الزمن.
الدواء والطب بين ميراث الفراعنة وواقع الذكاء الاصطناعي
الشرق الأوسط ليس غريباً عن الطب، فمصر القديمة كانت تمارس الجراحة والنباتات الطبية منذ آلاف السنين، وابن سينا والرازي كانا مرجع العالم في العلاج والأدوية لقرون، ثم جاء التخلف والاستعمار ليجعل المنطقة مستورداً للدواء وليس مصدراً له، لكن هذا بدأ يتغير، الإمارات تستثمر بكثافة في التكنولوجيا الحيوية وزراعة الأعضاء والطب الجيني، والسعودية تخطط لأن تكون مركزاً للخدمات الطبية المتقدمة يجذب المرضى من أوروبا وآسيا وليس العكس.
الذكاء الاصطناعي سيغير الطب كما غيره كل شيء، تخيل أنك في عام 2050 لن تذهب للطبيب عند المرض بل سيراقب ساعة يدك صحتك لحظة بلحظة وتتنبأ بالمرض قبل أن تظهر أعراضه، تخيل أن الأدوية تصنع خصيصاً لحمضك النووي وليس بشكل جماعي، تخيل أن الجراحة عن بعد تجريها روبوتات يقودها جراح من القاهرة على مريض في الدوحة، كل هذه ليست خيالاً بل هي مشاريع قيد التطوير اليوم في مراكز البحث بالمنطقة، والمستثمر الخليجي يضع أمواله في شركات التكنولوجيا الحيوية كما كان يضعها في النفط قبل نصف قرن.
الاقتصاد الأزرق: حين يصبح البحر ثروة لا مجرد ممر
البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي تحيط بالشرق الأوسط من كل جهة تقريباً، لكن المنطقة نظرت إلى هذه البحار لعقود كممرات للسفن فقط لا كمصادر للثروة، هذا يتغير الآن، “الاقتصاد الأزرق” هو الكلمة السحرية التي تعني الاستخدام المستدام للموارد البحرية، وتشمل تربية الأسماك والطاقة البحرية والسياحة البيئية والتكنولوجيا الحيوية البحرية والتحلية والملاحة.
تربية الأسماك في المزارع البحرية هي أكبر قصة نجاح خفية في المنطقة، السعودية ومصر وعمان يضخون استثمارات ضخمة في “الأكوياكالتشر” لتعويض تراجع المصائد الطبيعية في البحر المتوسط التي تعاني من الصيد الجائر والتلوث، والمزارع السمكية في الصحراء باستخدام المياه الجوفية المالحة التي لا تصلح للزراعة أو الشرب أصبحت مشروعاً ناجحاً اقتصادياً وبيئياً.
السياحة البحرية هي القصة الأخرى، من شواطئ البحر الأحمر في مصر والسعودية إلى ساحل المحيط الأطلسي في المغرب، المنطقة تمتلك كنوزاً سياحية بحرية لم تستغل إلا قليلاً، الشعاب المرجانية في العقبة والبحر الأحمر هي من أجمل ما في العالم، لكن الحرارة المتزايدة تهددها بالتبييض والموت، فالاقتصاد الأزرق الحقيقي هو الذي يحمي البيئة التي يعتمد عليها وليس الذي يستنزفها، وحماية هذه الشعاب ليست قضية بيئية عاطفية بل هي حماية لصناعة سياحية تدر مليارات الدولارات.
المعادن: ما تحت الرمال قد يكون أغلى مما فوقها
النفط والغاز هما ثروة المنطقة التقليدية، لكن العالم يتحول نحو الطاقة النظيفة، وهذا التحول يحتاج إلى معادن أكثر مما يحتاج إلى نفط، الليثيوم للبطاريات، والكوبالت للإلكترونيات، والنحاس للأسلاك، والنادر من الأرض للمغناطيسات العملاقة، وهذه المعادن موجودة في باطن الشرق الأوسط أكثر مما يعتقد كثيرون.
السعودية تقدر ثرواتها المعدنية غير المستغلة بتريليونات الدولارات، ومصر لديها مناجم ذهب في الصحراء الشرقية لم تستغل إلا قليلاً، وإيران لديها احتياطات ضخمة من النحاس والزنك والحديد، والمغرب يمتلك وحده معظم فوسفات العالم الذي يدخل في كل سماد زراعي، وفي عالم قد يعاني من نقص الغذاء عام 2050، فإن من يملك الفوسفات يملك القدرة على إطعام العالم.
لكن التحدي أن استخراج هذه المعادن يحتاج إلى ماء كثير، والماء في المنطقة شحيح، ويحتاج إلى طاقة، والطاقة في المنطقة وفيرة لكن معظمها من الوقود الأحفوري، وهنا تأتي المعادلة الذكية: استخدم الطاقة الشمسية الرخيصة لاستخراج المعادن الثمينة، واستخدم عوائد بيع المعادن لتمويل تحلية المياه، واستخدم المياه لزراعة الغذاء، هذه الدائرة المغلقة قد تكون مفتاح الازدهار للمنطقة في عصر ما بعد النفط.
الملاحة وقناة السويس: شريان التجارة الذي لن يموت
قناة السويس هي العمود الفقري للاقتصاد الأزرق في الشرق الأوسط، ومضيق هرمز وباب المندب هما العضلات التي تحرك هذا العمود، أكثر من 10% من التجارة العالمية تمر عبر قناة السويس، ونحو 20% من النفط العالمي يمر عبر هرمز، وأي اضطراب في هذه الممرات يعني صدمة للاقتصاد العالمي كله، وهذا ما يجعل أمن المنطقة شأناً عالمياً وليس إقليمياً فقط.
بحلول 2050 ستكون قناة السويس مختلفة تماماً، التوسعات التي تجري اليوم ستجعلها قادرة على استقبال أضخم سفن الحاويات، والذكاء الاصطناعي سيدير حركة الملاحة لزيادة الكفاءة وتقليل زمن العبور، والطاقة الشمسية على جانبي القناة ستشغل محطات التحلية والموانئ الجافة، ومصر التي كانت تعاني من العجز ستعيش على عائدات القناة والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها، لكن هناك تهديد صامت: ارتفاع سطح البحر قد يغرق أجزاء من دلتا النيل القريبة من القناة، وهذا تهديد وجودي للقناة نفسها وللزراعة في مصر كلها.
ميناء جوادر في باكستان الذي بنته الصين هو التحدي الأكبر لقناة السويس في المستقبل، هذا الميناء على بحر العرب هو نهاية الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يربط غرب الصين بالمحيط الهندي عبر طريق بري أسرع وأرخص من قناة السويس بالنسبة للصين، فبدلاً من أن تبحر السفينة من شنغهاي إلى روتردام عبر السويس في 35 يوماً، فإنها تستطيع أن تنزل حمولتها في جوادر ثم تسافر بالسكك الحديدية عبر باكستان إلى كاشغر الصينية ثم إلى أوروبا في وقت أقل، هذا إن نجح المشروع وتجاوز العقبات الأمنية والجيوسياسية الهائلة التي تحيط بباكستان.
السيناريو الأقرب للحدوث بين الندرة والوفرة
عندما ننظر إلى كل هذه القطاعات معاً، نجد أن السيناريو الأقرب للحدوث ليس انهياراً غذائياً كاملاً ولا وفرة تكنولوجية سحرية، بل هو واقع مختلط، أجزاء من المنطقة ستتحول إلى نماذج تكنولوجية متقدمة في الغذاء والدواء والطاقة والملاحة، والجزء الآخر سيعاني من جوع وعطش ونزوح.
دول الخليج وإسرائيل ستكونان في القمة، لديهما المال والتكنولوجيا والإرادة السياسية لتحويل التحديات إلى فرص، طعامهم سيأتي من مزارع عمودية ومحاصيل معدلة جينياً وأسماك من مزارع بحرية، دواؤهم سيكون مخصصاً لحمضهم النووي، ومياههم ستأتي من محطات تحلية تعمل بالطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.
مصر وتركيا وإيران ستكونان في المنتصف، لديهما قدرات لكنها محدودة، سيعتمدون على مزيج من الحلول المحلية والاستيراد من الجيران الأغنياء، وقد ينجحون في بعض القطاعات ويفشلون في أخرى، مصر لديها قناة السويس ومشاريع زراعية ضخمة لكن عدد سكانها الهائل وتهديد سد النهضة قد يسحبان البساط من تحت أقدامها.
اليمن والسودان والعراق وسوريا سيكونون في القاع، دول مزقتها الحروب والفقر والفساد، ستعتمد على المساعدات الغذائية الدولية، وسيهاجر ملايين أبنائها نحو أوروبا والخليج هرباً من الجوع والعطش، وهذا التدفق الهائل للاجئين سيكون الضغط الأكبر على استقرار المنطقة والعالم في 2050.
البصمة الوراثية: حين تُبرمج البذور على العطش والجوع معاً
في وسط كل هذا الحديث عن تحلية المياه ومحطات الطاقة الشمسية والمزارع العمودية، هناك سؤال صغير لكنه جوهري يتسلل إلى العقل: لماذا نركض خلف الماء بدلاً من أن نعلم النباتات ألا تعطش؟ لماذا نعطي النبات ماء أكثر بينما يمكننا أن نجعل النبات يطلب ماء أقل؟ هذا ليس سؤالاً فلسفياً بل هو سؤال علمي تجيب عليه مختبرات اليوم وليس أحلام الغد.
المشروع الذي تعمل عليه تحت اسم “NanoBioCoat” ليس مجرد فكرة بحثية أخرى، بل هو نموذج مصغر لثورة قادمة في مفهوم الزراعة نفسه، الفكرة ببساطة أنك بدلاً من أن تحاول جاهداً أن توفر لكل بذرة بحراً من الماء لتنمو، فإنك تغلف هذه البذرة بطبقة نانوية ذكية تحمل داخلها الجرعة الدقيقة من المغذيات والهرمونات والبكتيريا النافعة التي تحتاجها لتنتشل نفسها من الأرض الجافة، وكأنك تعطي الجندي حقيبة ظهره قبل أن يدخل المعركة بدلاً من أن ترسل له الإمدادات كل يوم عبر طرق وعرة.
التطبيق العملي لهذه الفكرة في شرق الأوسط 2050 هائل، تخيل أنك تزرع حقلاً من القمح في صحراء السعودية أو مصر، لكن كل حبة قمح مزروعة مغلفة بطبقة نانوية تحتفظ بالرطوبة حول الجذر لمدة أطول بثلاث مرات من البذرة العادية، وتطلق البكتيريا النافعة التي تساعد الجذر على امتصاص أقل كمية من الماء، وتحفز الجينات المسؤولة عن تحمل الجفاف داخل النبات نفسه، النتيجة أنك تنتج نفس كمية القمح باستخدام 40% ماء أقل، وهذا الفارق وحده قد يكون كافياً لتحويل زراعة القمح في المنطقة من خسارة مؤكدة إلى استثمار قابل للحياة.
لكن القفزة الأكبر ليست في توفير الماء فقط بل في إعادة تعريف “ما هي البذرة” نفسها، فبدلاً من أن تزرع بذرة طبيعية وتنتظر ما تفعله الطبيعة بها، فإنك تزرع “كبسولة حيوية” مصممة خصيصاً للتربة والمناخ في منطقتك، البذرة لم تعد مجرد كائن حي تركه لمشيئة الله، بل أصبحت منصة تكنولوجية تحمل في طياتها حلولاً لمشاكل لم تحدث بعد، هذا ليس تعدياً على الطبيعة بل هو ترقية لها، وكما طور الإنسان سلالات الكلاب والقطط والمواشي لآلاف السنين، فهو اليوم يطور بذوره لكن بمقاييس زمنية أقصر وبأدق من الأدوات.
الجزء الأكثر إثارة للجدل والأكثر وعداً هو “برمجة البذور” وراثياً لتنتج بروتيناً أكثر وليس فقط كربوهيدرات أكثر، فجوع المستقبل لن يكون جوع سعرات حرارية فقط بل جوع بروتين، المنطقة التي تعتمد على استيراد الصويا والذرة من أمريكا وأوكرانيا لعلف الحيوانات ستجد نفسها في مأزق أمني حقيقي حين تتعطل سلاسل التوريد بسبب حرب أو جائحة أو تغير مناخي، تخيل بذرة قمح معدلة تنتج ضعف كمية البروتين الموجودة في القمح العادي، أو بذرة فول الصويا التي تنمو بملوحة الماء التي يموت فيها الصويا العادي، هذه ليست خيالاً بل هي مشاريع قيد التجربة بالفعل في مختبرات الإمارات وإسرائيل.
لكن السؤال الأعمق هو: من يملك هذه البذور؟ من يملك شيفرتها الجينية؟ من يقرر ما هي التحسينات التي تُدخل عليها؟ هذه الأسئلة ليست تقنية فقط بل هي سياسية وأخلاقية واقتصادية، فكما أن الدول التي لا تملك مصافي نفطها كانت تابعة في القرن العشرين، فإن الدول التي لا تملك بذورها المعدلة ستكون تابعة في القرن الحادي والعشرين، شركات قليلة في العالم تسيطر اليوم على معظم تجارة البذور العالمية، وإذا لم تستيقظ المنطقة فستجد نفسها في 2050 تستورد ليس فقط غذاءها بل بذور غذائها أيضاً، وهذا أشبه بمن يشتري الطابعة لكنه لا يملك حق تصنيع حبرها.
سيادة الدواء: حين يصبح الحمض النووي حدوداً وثروة وطنية
عندما تحدث المقال عن الأدوية المصنوعة خصيصاً للحمض النووي، فتح باباً على قضية أكبر وأخطر من مجرد طب فاخر للأغنياء، إنها قضية “السيادة الدوائية” و”الأمن الجيني” للدول، فالدواء المخصص للحمض النووي لا يمكن استيراده من الصيدلية المجاورة، بل يجب أن يصنع محلياً بناءً على بيانات جينية لمواطني هذه الدولة وحدهم، وهذه الحقيقة البسيطة تحمل في طياتها تغييراً جذرياً في مفهوم “الدواء” و”الصحة” و”التبعية”.
دعني أوضح الفكرة بمثال بسيط، تخيل أن دواء الضغط الذي يناسب 90% من الأوروبيين لا يناسب إلا 30% من المصريين بسبب اختلافات جينية صغيرة لكنها حاسمة في كيفية استقلاب الجسم للدواء، اليوم هذا لا يهم كثيراً لأن معظم الأدوية هي أدوية “مقاس واحد يناسب الجميع”، لكن في 2050 ومع تقدم الطب الجيني، لن يقبل أحد بدواء عام غير مناسب لتركيبته الجينية، حينها، الدولة التي لا تملك قاعدة بيانات جينية لمواطنيها ومصانع لإنتاج الأدوية الحيوية ستصبح تابعة بالكامل لدول أخرى، ليس في النفط أو الغذاء فقط بل في صحة أبنائها ودمائهم.
الجزء المخيف في القصة أن الحمض النووي للمواطن العربي أو الإيراني أو التركي ليس مجرد مادة بيولوجية، بل هو “ثروة قومية” لا تقل عن النفط أو الغاز، شركات الأدوية العالمية تدفع المليارات لجمع عينات جينية من جميع أنحاء العالم لأن هذه العينات هي المادة الخام لتطوير أدوية المستقبل، اليوم، معظم العينات الجينية من الشرق الأوسط تذهب إلى مختبرات في أمريكا وأوروبا والصين دون أن تعود الفائدة على أصحابها الأصليين، إنه شكل جديد من أشكال الاستعمار، استعمار بيولوجي، حيث تُسلب ثروتك الجينية مجاناً ثم تباع لك كدواء باهظ الثمن بعد عشرين عاماً.
في 2050، الدول الذكية في المنطقة ستكون تلك التي بنت بنوكاً جينية وطنية تحفظ الحمض النووي لمواطنيها بأمان، وتطور أدوية حيوية مخصصة لسكانها بناءً على هذه البيانات، وتصنع هذه الأدوية محلياً بمواد خام محلية، هذا هو “الأمن الدوائي” الحقيقي، ليس مجرد توافر أدوية في الصيدليات بل القدرة على تصميم وإنتاج الدواء المناسب لشعبك دون الحاجة إلى طرف خارجي، وكما أن مصر شعرت بضعفها عندما كانت تستورد القمح من روسيا وأوكرانيا، فإنها وكل دول المنطقة سيشعرون بضعف مضاعف إذا اضطروا لاستيراد أدوائهم الحيوية من دول قد تقطعها عنهم في أزمة أو حرب.
الصراع على البيانات الجينية سيكون أحد أعظم صراعات النصف الأول من القرن الحالي، الصين وأمريكا تتنافسان بالفعل على جمع أكبر عدد من العينات الجينية من جميع أنحاء العالم، وشركات مثل 23andMe وAncestry.com جمعت ملايين العينات بحجة “معرفة أصولك” لكنها في الحقيقة تبني قواعد بيانات ضخمة تساوي مليارات الدولارات، الشرق الأوسط، بمزيجه الفريد من الأصول الجينية التي لم تختلط كثيراً ببقية العالم، هو جنة للباحثين في علم الجينات، والسؤال الذي يجب أن تطرحه حكومات المنطقة اليوم هو: من يملك هذه البيانات؟ ومن يستفيد منها؟ وهل ستُستخدم لصنع دواء لمواطنينا أم لصنع أسلحة بيولوجية ضده؟
المواطن العادي في 2050 لن يدرك كل هذه التعقيدات، لكنه سيشعر بنتائجها في حياته اليومية، سيشعر بالغضب حين يعرف أن دواءه الحيوي مصنوع في الصين بناءً على عينات جينية أخذت من جده دون علمه قبل أربعين عاماً، وسيشعر بالفخر حين يعرف أن دواءه صُنع في مختبر ببلده من مادة خام محلية، وسيشعر بالخوف حين يعرف أن بياناته الجينية قد تُسرق أو تُستخدم ضده، تماماً كما يشعر اليوم حين يعرف أن بياناته الرقمية قد تُسرق، لكن الجينات أخطر من البيانات الرقمية لأنك تستطيع تغيير كلمة المرور لكنك لا تستطيع تغيير حمضك النووي.
في النهاية، البصمة الوراثية للبذرة والبصمة الوراثية للإنسان هما وجهان لعملة واحدة، العملة هي القدرة على فك شيفرة الحياة ثم إعادة برمجتها لخدمة الإنسان، من يمتلك هذه القدرة في 2050 سيمتلك المفتاح الحقيقي للسيادة، ليس سيادة على الأرض فقط بل سيادة على الخلية والجين والبروتين، والشرق الأوسط الذي كان مهد الزراعة ومهد أقدم الحضارات إنسانياً لديه كل المقومات ليكون مهد هذه الثورة أيضاً، لكنه يحتاج إلى قادة يدركون أن الاستثمار في البذور والجينات هو الاستثمار الحقيقي في المستقبل، وليس فقط في الخرسانة والأبراج.
المواطن العادي في هذا السيناريو المتوسط سيرى طعاماً أغلى ثمناً وجودة أقل في بعض الأحيان، سيرى دواءً أفضل لمن يستطيع دفعه ودواءً ناقصاً لمن لا يستطيع، سيرى سفناً عملاقة تمر في قناة السويس بينما قريته تعاني من انقطاع الكهرباء، سيرى المعادن الثمينة تخرج من باطن أرض بلاده لكنها تصنع بطاريات لسيارات تسير في شوارع لندن ونيويورك وليس في مدينته، سيرى بحراً مليئاً بالثروات لكنه لا يستطيع أن يصطاد سمكة دون أن يخاطر بحياته بسبب الهجرة غير الشرعية أو الصراعات الحدودية.
الشرق الأوسط في 2050 لن يكون جنة غذائية ولا جحيماً جائعاً، سيكون مختبراً حياً للتناقضات التي تعيشها البشرية كلها في عصر الندرة، قلة قليلة تأكل وتشرب وتتداوى كأغنياء العالم، وكثيرون يكافحون من أجل البقاء، وبينهما بحر مليء بالأسماك والطاقة والأسرار العلمية التي لم تكتشف بعد، وممرات ملاحية تعبر فوقه تحمل خيرات العالم من قارة إلى أخرى بينما أهله يتفرجون على السفن وهم عطاشى.



