دراسات وابحاث

الشرق الأوسط 2050: بين ندوب سايكس-بيكو وسباق الذكاء الاصطناعي

الشرق الأوسط 2050: بين ندوب سايكس-بيكو وسباق الذكاء الاصطناعي
مصر: إيهاب محمد زايد
جينات الجغرافيا وخوارزميات البقاء: الشرق الأوسط 2050
الشرق الأوسط 2050: من خرائط الورق إلى سيادة السحابة
2050: شرق أوسط يبحث عن قطرة ماء في بحر من البيانات
ندوب الماضي وقبضة المستقبل: سيناريوهات الشرق الأوسط 2050
الشرق الأوسط 2050: هل تمحو الخوارزميات خطوط سايكس بيكو؟
بين احتراق المناخ وبرود الذكاء الاصطناعي: أين سنكون في 2050؟

صراعات ما قبل الميلاد وفجر الإمبراطوريات الأولى
شهدت المنطقة في بواكر تاريخها نزاعاً وجودياً بين القوى النهرية المستقرة والقوى الجبلية أو الصحراوية الطامحة، حيث تجسد أول صراع دولي موثق في التاريخ بين مصر والأناضول خلال معركة قادش عام 1274 ق.م، والتي لم تنتهِ بمنتصر ساحق بل بأقدم معاهدة سلام عرفتها البشرية، مما أرسى حالة من التوازن الإقليمي وتقاسم النفوذ في بلاد الشام لقرون. تلا ذلك بروز الإمبراطورية الأخمينية في القرن السادس قبل الميلاد التي اجتاحت بابل ومصر والشام، لتنجح في توحيد المنطقة لأول مرة تحت إدارة مركزية فارسية مهدت الطريق لاختلاط الثقافات الشرقية ببعضها البعض. ولم يدم هذا الهدوء طويلاً حتى جاءت فتوحات الإسكندر الأكبر عام 334 ق.م لتعلن الصدام الأكبر بين الشرق والغرب، مؤدية إلى انهيار الإمبراطورية الفارسية وبداية العصر الهلنستي الذي صبغ المنطقة بالثقافة اليونانية التي ظلت آثارها الفكرية والمعمارية نابضة لقرون طويلة.

العصور الوسطى وتحول الصراع نحو الهوية والعقيدة
انتقل مركز ثقل النزاعات من الصراع على الأرض والموارد إلى صراع الهوية والعقيدة مع بزوغ الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، والتي أدت إلى إنهاء النفوذ البيزنطي والساساني وتدشين تحول لغوي وديني جذري في المنطقة، وبروز الخلافة كقوة عالمية مهيمنة وحدت المساحات الممتدة من الأندلس حتى حدود الصين. هذا الصعود واجهته محاولات أوروبية شرسة للسيطرة على الأماكن المقدسة عبر الحروب الصليبية التي بدأت عام 1095 م واستمرت قرنين، وانتهت بفشل المشروع الصليبي عسكرياً بعد معركة حطين، لكنها خلفت ندوباً ثقافية عميقة وعززت مفهوم الجهاد الدفاعي وصعود القوى العسكرية الاحترافية كالمماليك. وفي منتصف القرن الثالث عشر، واجهت المنطقة الغزو المغولي الكارثي الذي دمر بغداد وأنهى الخلافة العباسية، ليغير ديموغرافية المنطقة تماماً قبل أن تنجح مصر في معركة عين جالوت بوقف هذا الزحف، لتتحول منذ ذلك الحين إلى مركز الثقل الحضاري والسياسي للعالم الإسلامي.

العصر العثماني والصفوي وتكريس الانقسام الطائفي المؤسس
تشكلت الملامح الطائفية والحدودية للمنطقة المعاصرة خلال النزاع العثماني الصفوي الذي انفجر مع معركة جالديران عام 1514 م، حيث مثل هذا الصدام صراعاً طويلاً ومريراً بين القوة السنية المتمثلة في العثمانيين والقوة الشيعية المتمثلة في الصفويين. لم تكن هذه الحروب مجرد رغبة في التوسع، بل كانت محاولة لإضفاء شرعية مذهبية على الحكم السياسي، وأدت في نهايتها إلى رسم الحدود التقريبية الحالية بين العراق وإيران. إن هذا النزاع التاريخي لم ينتهِ بتلاشي الإمبراطوريات، بل آتٍ أكله في تكريس الانقسام الطائفي كأداة سياسية للتحشيد وإدارة الأزمات، وهو ما يفسر الكثير من التوترات الإقليمية المعاصرة التي لا تزال تستدعي هذا الإرث في خطابها السياسي.

العصر الحديث من الاستعمار إلى مخاض الدولة الوطنية
دخلت المنطقة في العصر الحديث نفق التحولات الكبرى مع الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، وهو ما أفضى إلى اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 ووعد بلفور عام 1917، حيث مزقت هذه الصراعات تركة “الرجل المريض” وولدت الدول الوطنية بحدود مصطنعة أدت لاحقاً إلى نزاعات حدودية لا تنتهي. ومع قيام إسرائيل عام 1948، انفجر الصراع العربي الإسرائيلي عبر سلسلة من الحروب الكبرى في أعوام 1956 و1967 و1973، لينتهي المسار بتحول الصراع من مواجهة عربية شاملة إلى قضية فلسطينية إسرائيلية معقدة وسط معاهدات سلام منفردة أدت إلى تفتت الموقف الموحد. وفي الثمانينات، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية كأطول حرب تقليدية في القرن العشرين، والتي انتهت بحالة “لا غالب ولا مغلوب” عسكرياً، لكنها استنزفت موارد الطرفين ومهدت الطريق لغزو الكويت وتفكيك البنية التحتية العراقية لاحقاً في عام 2003.

الخلاصة وما ألت إليه صراعات القرون
أفضى تراكم هذه الصراعات عبر الآلاف السنين إلى ثلاث حقائق كبرى تحكم واقعنا المعاصر وتصيغ ملامح المستقبل؛ أولاها هشاشة الحدود التي تبدو اليوم كـ “انفجارات” لخطوط رسمت في الماضي بمسطرة استعمارية لم تراعِ النسيج المجتمعي المحلي. وثانيتها التدخل الخارجي المستدام، حيث ظلت المنطقة “الجائزة الكبرى” للقوى الدولية المتعاقبة من الروم والفرس وصولاً إلى القطبية الأمريكية والتسلل الصيني والعبث الروسي. وثالثتها عسكرة السلطة، إذ إن تاريخ الحروب الطويل جعل المؤسسة العسكرية هي العمود الفقري الوحيد القادر على تماسك الدول الوطنية، مما جعل التحول نحو الأنماط المدنية الصرفة أمراً شائكاً ومثقلاً بإرث الدم. إن كل هذا التراكم هو الذي يجعل رؤية المنطقة في عام 2050 لا تمر إلا عبر عدسة هذه الندوب القديمة، فالمستقبل في الشرق الأوسط ليس إلا صدى طويلاً لصراعات الماضي التي ترفض أن تموت.

جينات مريضة على خريطة استعمارية
شكل الشرق الأوسط كما يراه الجغرافي من أعلى هو ندوب قديمة لا تلتئم، خطوط سايكس بيكو التي رسمها رجلان في خيمة قبل أكثر من مئة عام لا تزال تنزف حتى اليوم، تلك الخطوط المستقيمة التي قطعت القبائل والطوائف والجبال والأنهار لم تكن خريطة بقدر ما كانت وصية موت مؤجلة، فكل حرب طائفية في العراق وكل توتر حدودي بين سوريا ولبنان وكل صراع على الموارد بين مصر والسودان هو في الحقيقة صداع لتلك الوصفة الاستعمارية المسكينة التي ظنت أن العالم يمكن تقسيمه بالمسطرة، ولكن القفزة الكبرى حدثت عندما قرر اليهودي المهاجر والعربي الباقي أن يتقاسما رقعة من الأرض لا تتجاوز حجم ولاية أمريكية صغيرة، تأسست إسرائيل كرد فعل أوروبي للهولوكوست وكنتيجة مباشرة لوعد بلفور، لكنها أصبحت على مدار العقود مشروعا استيطانيا استراتيجيا يدعمه الغرب كحارس لمصالحه في قلب العالم العربي، وبالمقابل ولدت القوميات العربية والإيرانية والتركية كأجسام مضادة، فالقومية العربية أرادت توحيد العرب تحت راية واحدة لكنها تحولت إلى ديكتاتوريات عسكرية، والقومية الإيرانية اختلطت بالتشيع الثوري بعد 1979، والقومية التركية تحولت من أتاتورك العلماني إلى أردوغان العثماني الجديد، وباكستان وُلدت أصلا كدولة قومية للمسلمين في جنوب آسيا لكنها ظلت تتأرجح بين الجيش والإسلام السياسي.

نافذة ديموغرافية تغلق قبل فوات الأوان
وفقا لأحدث توقعات الأمم المتحدة، سيكون مشهد الشرق الأوسط في 2050 مختلفا جذريا، مصر ستقفز من 104 ملايين إلى 160 مليونا لتصبح ثالث أكبر دولة في المنطقة بعد باكستان وإيران من حيث تعداد الشباب، إيران سترتفع من 86 إلى 99 مليونا لكن مع شيخوخة ملحوظة، تركيا ستقترب من 100 مليون مع استقرار في النمو، إسرائيل ستنمو من 8.5 إلى 13 مليونا نموا سريعا لكن قاعدتها السكانية تظل محدودة مقارنة بالجيران، أما باكستان رغم أنها خارج الشرق الأوسط بمعناه الضيق فستتجاوز 350 مليونا لتتحول إلى قوة ديموغرافية هائلة، هذا التضخم السكاني ليس مجرد رقم بل نافذة ديموغرافية ذهبية يكون فيها عدد السكان في سن العمل أكبر من عدد المعالين، هذه النافذة إذا استثمرتها الحكومات بشكل صحيح في التعليم والوظائف تتحول إلى عائد ديموغرافي يدفع النمو الاقتصادي كما حدث في شرق آسيا، أما إذا أهدرتها فستتحول إلى قنبلة شبابية من بطالة جماعية وغضب وهجرة غير شرعية وعدم استقرار سياسي، والخطر الأكبر أن هذه النافذة تغلق بحلول 2050 فبعد هذا التاريخ يدخل الشرق الأوسط في مرحلة الشيخوخة، والدول التي لا تخلق وظائف اليوم لشبابها ستدفع ثمنا باهظا غدا.

العدو الحقيقي ليس جيشا بل درجة حرارة ونهر يموت
البيانات المناخية لا تحتمل التأويل، بحلول 2050 سترتفع حرارة الشرق الأوسط بما يتراوح بين درجة ونصف وثلاث درجات مئوية، وهذا يعني موجات حر قد تجعل الحياة في الخليج العربي مستحيلة في فترات الظهيرة دون تكييف مستمر، وانخفاضا في هطول الأمطار بنسبة تصل إلى 20 بالمئة في مصر والأردن واليمن، وارتفاعا في مستوى سطح البحر يهدد الدلتا المصرية سلة غذاء العرب بملوحة التربة وتآكل الأراضي الزراعية، الشرق الأوسط يحمل 2 بالمئة فقط من المياه العذبة المتجددة في العالم لكنه يؤوي 6 بالمئة من سكان العالم، والعواقب مدمرة فبحلول 2050 سيعاني 100 بالمئة من سكان المنطقة من ندرة مائية حادة، متوسط نصيب الفرد من المياه سنويا سيقل عن 500 متر مكعب وهو ما يعرف بالندرة المطلقة، الدول الخليجية وإسرائيل تستثمر في تحلية المياه كأنها مسألة بقاء وهي كذلك، فبين 2006 و2024 استثمرت المنطقة 53.4 مليار دولار في محطات التحلية ومن المتوقع أن يصل الإجمالي إلى 100 مليار بحلول 2030، لكن هذا الحل له ثمن فالطاقة الهائلة التي تستهلكها التحلية تزيد الانبعاثات الحرارية مما يفاقم المشكلة نفسها، والمحلول الملحي الناتج يلقى في البحر ويقتل الحياة البحرية، والأخطر أن هذه المحطات أصبحت أهدافا استراتيجية في أي حرب، فمهاجمة محطة تحلية في الخليج تعني شل الحياة في مدينة كاملة خلال أيام، النيل ودجلة والفرات وطبقات المياه الجوفية العابرة للحدود ستكون ساحة صراع دبلوماسي وعسكري، لكن النظام السياسي الحالي في المنطقة يتسم بقصر النظر فالتعاون بين مصر وإثيوبيا أو تركيا والعراق يتطلب تنازلا عن مفاهيم السيادة المائية المتصلبة وهو أمر لا يبدو متاحا في ظل الأنظمة التي تستخدم المياه كأداة للضغط السياسي الداخلي، هذا القصور يعني أن الحروب الهيدرولوجية قد تسبق المعاهدات المائية بكثير.
ولا يمكن قراءة مستقبل باكستان بمعزل عن التنين الصيني؛ فاستقرار هذا العملاق النووي في 2050 سيكون رهينة لمدى نجاح ‘الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني’إن تحول باكستان إلى بوابة لوجستية رئيسية على بحر العرب عبر ميناء ‘گوادر’ ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو إعادة رسم لخرائط التجارة الدولية. هذا المتغير سيخلق منافسة صامتة ومباشرة مع موانئ الخليج العربي، وقد يغير من كثافة الحركة في قناة السويس، مما يجعل من أمن باكستان مصلحة حيوية للصين، وورقة ضغط جيوسياسية قد تستخدمها بكين لإعادة توازن القوى في قلب الشرق الأوسط.
أمريكا المتعبة والصين المتسللة وروسيا العابثة
لن تختفي أمريكا من الشرق الأوسط في 2050 لكنها ستكون أقل حماسة للتدخل العسكري، معادلة النفط مقابل الأمن التي حكمت العلاقة لعقود تتداعى لأن أمريكا أصبحت منتجة للطاقة وليست مستوردة، الدور الأمريكي سيتحول من شرطي العالم إلى وسيط مالي وتكنولوجي، قواعدها العسكرية ستتقلص لكن وجودها البحري في الخليج والبحر المتوسط سيظل قائما لحماية طرق التجارة العالمية، الصين لا تريد قواعد عسكرية في الشرق الأوسط على الأقل ليس علنا، الصين تريد نفطا وأسواقا لمنتجاتها وممرات رقمية، مبادرة الحزام والطريق ستتحول بحلول 2050 إلى شبكة ذكاء اصطناعي وبنية تحتية رقمية تربط الموانئ الخليجية بمصانع الصين، الصين ستكون الشريك الاقتصادي الأول لكل دول المنطقة تقريبا لكنها لن تتدخل لحماية أنظمة بعينها ما لم تمس مصالحها الحيوية، الصين ستكون موجودة لكنها لن تحل محل أمريكا في الغوص في المستنقعات السياسية، أما روسيا التي لا تملك القوة الاقتصادية لأمريكا ولا الصين فستلعب لعبة تاجر الفوضى، هي ستدعم أي طرف يضعف النفوذ الأمريكي وستبيع السلاح للجميع إيران والسعودية ومصر وتركيا، وستستخدم أسلحتها في الفضاء الإلكتروني للتأثير على الانتخابات وإذكاء الصراعات الطائفية، دورها تخريبي أكثر منه بنّاء.

إيران بين الجيل الثوري والجيل الذي يريد إنترنت سريع
بحلول 2050 ستكون إيران أمام مفترق طرق حقيقي، الجيل الإيراني الذي يولد بعد الثورة لم يعد يحلم بقتل أمريكا أو تصدير الثورة، هذا الجيل يريد إنترنت سريع ووظائف وحرية اجتماعية، لذلك ستضغط الأجيال الجديدة على النظام إما نحو الانفتاح الاقتصادي على طريقة النموذج الصيني أو نحو الانهيار الداخلي، الأرجح أن تختار إيران نسخة معدلة من النموذج الصيني انفتاحا اقتصاديا محدودا مع عقوبات أقل واستمرار السيطرة الأمنية والسياسية، لكنها ستحتفظ بقوتها العسكرية غير التقليدية الصواريخ والمسيرات وربما السلاح النووي ليس لاستخدامه بل ليكون ورقة مساومة في أي مفاوضات، المتغير الأهم أن اتفاقا نوويا دائما مع أمريكا سيفتح الاقتصاد الإيراني ويغير مسارها، وإلا فستظل إيران دولة مارقة لكنها قوية وصناعة أسلحتها المتطورة تجعلها لا تُهزم ولا تُحاصر.

تركيا العثماني الجديد التي لا تستطيع أوروبا تجاهلها
تركيا في 2050 ستكون لاعبا جيواقتصاديا من الدرجة الأولى، مشاريعها في الطاقة من غاز شرق المتوسط إلى النووي، والصناعات العسكرية بطائرات بدون طيار تصدرها لأوكرانيا وقطر، والفضاء، كل ذلك يجعلها قوة قائمة بذاتها، أردوغان أو خلفاؤه سيواصلون المزج بين القومية التركية والإسلام السياسي لكن السياسة التركية ستظل عملية تتاجر مع روسيا وتحارب وكلاءها في سوريا وليبيا وفي نفس الوقت تحافظ على عضويتها في الناتو، تركيا ستكون الجسر الكاذب ليست أوروبية ولا آسيوية لكنها بوابة لا يمكن تجاوزها، تعدادها السكاني سيقترب من 100 مليون واقتصادها سيكون من بين أكبر 15 اقتصادا في العالم.

مصر عملاق على رمال متحركة ونهر يموت ببطء
مصر هي الدولة الأكثر خطورة في المنطقة، ليس لأنها تمتلك جيشا قويا فقط بل لأن نموها السكاني الجامح إلى 160 مليونا يضغط على نهر النيل الذي أصبح مهددا من سد النهضة الإثيوبي، بحلول 2050 إما أن تكون مصر قد نجحت في انتقالها الاقتصادي عبر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والمدن الجديدة والتصنيع لتصبح هند الصين الجديدة كما تحلم مصر، أو تكون قد انهارت تحت وطأة الفقر وندرة المياه وارتفاع البطالة، السيناريو الأكثر ترجيحا هو الوسط، مصر ستظل دولة بالكاد ممسكة بخيوط نفسها قوية عسكريا وأمنيا لأن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على إمساك البلد لكنها هشة اقتصاديا واجتماعيا، دورها الإقليمي سيكون وساطة وحل نزاعات في غزة وليبيا والسودان وليس قيادة طموحة.

باكستان القنبلة النووية التي قد تنفجر من الداخل
باكستان التي ينساها الكثيرون عند الحديث عن الشرق الأوسط رغم أنها قوة نووية وصديقة للعالم العربي تواجه معادلة مستحيلة، تعدادها السكاني سيتجاوز 350 مليونا واقتصادها يئن وأنهارها تجف وحكومتها تتأرجح بين الجيش والإخوان المسلمين والفساد، باكستان هي الدولة الفاشلة التي تمتلك القنبلة وهو مزيج خطير، بحلول 2050 إذا انهارت الدولة الباكستانية فستكون الكارثة الأمنية الأكبر في العالم، وستتداعى آثارها على أفغانستان وإيران والهند والخليج العربي الذي يعتمد على العمالة الباكستانية، لذلك ستستثمر دول الخليج بكثافة في استقرار باكستان لأن انهيارها يعني تدفق ملايين اللاجئين والمقاتلين إليها.

إسرائيل عقل المنطقة التقني في محيط تطبيع متسارع
إسرائيل في 2050 ستكون واحدة من أكثر 20 دولة تقدما تكنولوجيا في العالم ولن تكون معزولة كما كانت، تطبيع العلاقات مع السعودية ومع دول عربية أخرى سيكون قد اكتمل والعلاقات مع دول الخليج ستكون علاقات اقتصادية وتكنولوجية علنية وليست سرية، التهديد الوجودي الذي كان يهيمن على العقل الإسرائيلي سيتحول إلى تهديدات أمنية محددة الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله والمسيرات، لكن الرهان على أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي سيجعلها مقبولة كعقل المنطقة هو رهان يتجاهل الوجدان الشعبي والهوية، تاريخ المنطقة يثبت أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف دبلوماسي بل هي صاعق تفجير يملك قدرة فريدة على قلب الطاولة وتغيير الحسابات الإقليمية كما حدث في 1948 و1967 و1973 وصولا إلى أحداث العقد الحالي، فكرة الدولة الواحدة أو حل الدولتين ربما تموت ويحل محلها واقع فصل عنصري أو كونفدرالية غامضة، لكن الاستمرار في نموذج تجاهل الحقوق المدنية لن يؤدي إلى إدارة الأزمة بل إلى انفجارات دورية قد تطيح باتفاقيات التطبيع وتجبر القوى الكبرى على العودة للمربع الأول، مما يجعل من سيناريو الاستقرار التقني مجرد سراب، التفوق التكنولوجي الإسرائيلي في المياه والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والزراعة الصحراوية سيظل قائما لكنه لن يشتري السلام الدائم.

الحروب لن تحسم بالدبابات بل بالخوارزميات
العلم والتكنولوجيا سيكونان ساحة المعركة الحقيقية في 2050، لن تحسم الحروب بالدبابات بل بالخوارزميات، الذكاء الاصطناعي سيدير شبكات المياه والكهرباء والنقل، والدول التي تمتلك أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي ستكون الأكثر استقرارا، إسرائيل ستكون في القمة تليها تركيا ثم الإمارات والسعودية، مصر وإيران ستكونان في المستوى المتوسط، أما الدول الفقيرة مثل اليمن والسودان والعراق فستعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعي مستوردة مما يجعلها عرضة للاختراق والتجسس، الحروب السيبرانية ستحل محل الحروب التقليدية، بدلا من أن تقصف إيران إسرائيل بالصواريخ قد تخترق أنظمة المياه الإسرائيلية وتلوثها، وبدلا من أن تقصف إسرائيل المفاعلات النووية الإيرانية قد تشل شبكة الكهرباء الإيرانية بأكملها، هذه الحروب ستكون أقل دموية في الأرواح لكنها أكثر تدميرا للحياة اليومية، وفي السيناريو الأقرب للحدوث سيكون هناك بروتوكولات غير مكتوبة بين القوى الكبرى والإقليمية تمنع استخدام هذا السلاح بشكل مدمر لأن الجميع يدرك أن الهجوم السيبراني على شبكة مياه يعني حربا مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها.

الاقتصاد الأخضر: الميزان المالي الجديد الذي أغفله المتفائلون
ركز الكثيرون على تحلية المياه كعبء طاقي لكنهم أغفلوا الثورة الموازية التي قد تعيد رسم خريطة الثراء العالمي، عصر الهيدروجين الأخضر قادم بقوة، دول مثل السعودية وعمان والمغرب تتحول إلى أوبك جديدة للطاقة النظيفة، إنتاج الهيدروجين الأخضر وتصدير الطاقة الشمسية لأوروبا لن يوفر التمويل لمحطات التحلية فحسب بل سيخلق نفوذا جيوسياسيا يجعل هذه الدول رئة الطاقة للعالم بعد نضوب النفط أو الاستغناء عنه، هذا التحول قد ينهي تبعية المنطقة للدول الصناعية ويخلق مراكز قوى مالية لا تعتمد على برميل النفط بل على سطوع الشمس، الإمارات والسعودية تستثمران بكثافة في الهيدروجين الأخضر كأنهما تراهنان على أن الشمس هي النفط الجديد، وهذا الرهان إن نجح فسيغير كل المعادلات المالية والسياسية في المنطقة بحلول 2050.

وهم السيادة المطلقة وتآكل الدولة الوطنية
المقالات التقليدية تفترض أن الدول مثل مصر وتركيا وإيران ستظل اللاعب الوحيد والمتحكم الأوحد في مصير المنطقة، لكن هذا تصور قديم يعود لعصر ويستفاليا، بحلول 2050 قد نشهد صعود الميليشيات المسلحة تكنولوجيا والشركات العابرة للقارات كقوى تتجاوز قدرة الجيوش التقليدية، الطائرات المسيرة الرخيصة والذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر سيمكن فاعلين من غير الدول من شل حركة عواصم كبرى، مما يجعل مفهوم الاستقرار الأمني الذي يقوده الجيش وحده مفهوما هشا، في اليمن وليبيا والعراق نرى اليوم نماذج مصغرة لهذا المستقبل حيث الميليشيات تمتلك طائرات مسيرة قادرة على استهداف منشآت نفطية ومطارات دولية، أما شركات التكنولوجيا الكبرى فستكون قصة مختلفة تماما، هذه الشركات قد تمتلك بيانات مواطني المنطقة وتتحكم في أمنهم المائي والغذائي عبر السحابة الإلكترونية، لتصبح الدولة مجرد وكيل محلي لهذه الكيانات العملاقة التي لا تعترف بالحدود ولا تخضع لسيادة أي دولة بمفردها.

السيناريو الأقرب للحدوث ليس جنة ولا جحيما
عندما ننظر إلى عام 2050 من خلال الأرقام وليس العواطف نجد أن السيناريو الأقرب للحدوث ليس التفاؤل الساذج ولا الانهيار الكارثي بل الشرق الأوسط المتعدد الأقطاب، السيناريو المتفائل الذي يتحدث عن تعاون إقليمي كبير وثورة تكنولوجية وسوق مشتركة يحتاج إلى قيادات استثنائية وجيل جديد من الشباب المتسامح وهو غير مرجح إحصائيا لأنه يتجاهل عمق الجروح التاريخية والصراعات الهوياتية، السيناريو المتشائم الذي يتحدث عن حرب كبرى وتفكك دول وانهيارات إنسانية ممكن لكنه ليس الأقرب لأنه يتجاهل أن الجميع أصبح يدرك تكلفة الحرب بعد عقود من الصراعات، دول الخليج تعلم أن حربا مع إيران ستدمر اقتصادها وإيران تعلم أن حربا مع إسرائيل ستقصف مفاعلاتها وإسرائيل تعلم أن حربا واسعة ستجلب صواريخ من أربع جبهات، هذا الردع المتبادل ليس كاملا لكنه موجود، لذلك فإن السيناريو الأقرب للحدوث هو السيناريو الوسطي المتعدد الأقطاب، شرق أوسط لا هو بالجنة ولا هو بالجحيم، شرق أوسط تتصارع فيه الدول على الموارد والتكنولوجيا لكنها تدرك أن الحرب المباشرة مكلفة جدا، شرق أوسط يتعاون فيه الجميع على مشاريع محددة مثل تحلية المياه والطاقة الشمسية ومكافحة الإرهاب لكنه يتنافس في كل شيء آخر، شرق أوسط تكون فيه العلاقات بين مصر وإسرائيل مثل العلاقات بين أمريكا وروسيا اليوم تصارع وتجسس ومناورات لكن بلا حرب مفتوحة.

كيف سيرى المواطن العادي حياته في 2050
القارئ العادي الذي يريد أن يتخيل حياته في عام 2050 في هذا السيناريو المتوسط سيرى عالما مختلفا تماما عن عالم اليوم، سيرى مكيفات الهواء تعمل في كل مكان حتى في الشوارع المغلقة في الخليج، سيرى مياه البحر المحلاة تتدفق من صنابير المنازل في المدن الكبرى بينما الريف يعاني من العطش، سيرى الذكاء الاصطناعي يدير إشارات المرور وشبكات الكهرباء وجدول امتحانات أبنائه، سيرى التوترات الحدودية مستمرة لكنها تظهر على شاشات التلفزيون وليس في حقول المعارك، سيرى الجيل الشاب يتحدث الإنجليزية والصينية بجانب العربية والفارسية والتركية والعبرية، سيرى الدين حاضرا لكنه أقل تسييسا وأكثر فردية، سيرى الهجرة من الريف إلى المدينة ومن المدينة إلى الخارج بحثا عن فرصة أفضل، سيرى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يتحول من خبر رئيسي إلى خبر متكرر ومتجدد ينفجر بين الحين والآخر ليعيد خلط الأوراق كلما ظن الجميع أن الأمور استقرت، سيرى المنطقة أقل عنفا من العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين لكنها أكثر تعقيدا وإحباطا لأولئك الذين ينتظرون حلا سحريا، الشرق الأوسط في 2050 في السيناريو الأقرب لن يكون وادي السيليكون الجديد كما يحلم المتفائلون ولن يكون ساحة حرب نووية كما يخاف المتشائمون، سيكون صراعا بين أنظمة متهالكة تحاول البقاء وقوى تكنولوجية وبيئية جديدة لا تعترف بالحدود أصلا، سيكون إنسانيا جدا يتألم ويأمل ويسقط وينهض ويفشل ويحاول مثل كل البشر في كل مكان، لكن مع حرارة أعلى بقليل ومياه أقل بكثير وجروح تاريخية أعمق من أن تلتئم بسهولة، ومع شركات تكنولوجيا تمتلك بياناته وطائرات مسيرة تحلق في سمائه وميليشيات ذكية تهدد عاصمته وهيدروجين أخضر قد يجعله غنيا أو قد يمر بجانبه دون أن ينتبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى