مقالات

عمل أدبي قصة قصيرة السحتوت بزمن الدلورة

كتب : إيهاب محمد زايد

هنا، في قلب القاهرة التي لا تنام، حيث تتشابك الأزقة كشرايين عتيقة في جسد مكدس بالحكايات، تولد أجواء لا تشبه أي مكان آخر. في حي شعبية عريقة كـ “حدائق المعادي” أو “السيدة زينب”، لا يقاس الزمن بالساعات، بل بعبق القهوة السادة المصنوعة على الريك، وبصوت فحيح وابور الجاز الذي مازال يقاوم غزو البوتاجازات الحديثة.

 

تخيل شارعاً ضيقاً، بالكاد يتسع لسيارة واحدة، تطل عليه عمارات من الطوب الأحمر، واجهاتها مكسوة بشبكة معقدة من أسلاك الكهرباء والهاتف، تتدلى كعناقيد من الذكريات المشوشة. شرفات خشبية متآكلة، تزدحم بصفوف من الغسيل الملون الذي يرقص على أنغام “يا مسافر وحدك” المنبعثة من راديو ترانزستور قديم. الأرضية ليست أسفلتاً مصقولاً، بل مزيج من التراب الناعم وبقايا أحجار الرصيف المكسور، تشهد على ملايين الأقدام التي عبرتها. الهواء كثيف، مشبع برائحة الكمون والكزبرة المحمصة من مطاعم الكشري القريبة، وبخار الشاي المغلي، ودخان “الشيشة” الذي يرسم دوائر غير مرئية في الفضاء المزدحم.

 

هنا، الباعة الجائلون ليسوا مجرد تجار، بل هم “فنانو الشارع”. نداءاتهم إيقاعية، لكل سعلة “لحن” خاص: “الطماطم يا حمرا.. التفاح يا بلاش”، “الروبابيكيا القديمة للبيع”. التوك توك يمرق كصرصار معدني مجنون، مطلقاً زماميره المتعددة الألحان، مناوراً بين المارة والدراجات الهوائية المحملة بأقفاص الخبز الطازج. الوجوه هنا كتاب مفتوح، خطوط الزمن محفورة عليها بعمق، تحمل مزيجاً من الإرهاق والرضا، والعيون تلمع بذكاء فطري لا تدركه الكتب.

 

نزاع بين السحتوت والدولار: في هذا المشهد المشبع بالحياة، تخيل لو أن الجدران العتيقة يمكنها الكلام. تخيل لو أن روح “السحتوت” – تلك العملة النحاسية الصغيرة، الضامرة، التي كانت تشتري ذات يوم خبزاً وراحة بال – مازالت تحوم في الأرجاء.

 

“السحتوت” هنا ليس مجرد قطعة معدن؛ إنه “حارس البركة”. هو يجلس على عتبة دكان قديم للشموع، ينظر بحزن إلى الهواتف الذكية التي تلمع في أيدي الشباب، وإلى شاشات التلفزيون التي تبث نشرات الأخبار المهووسة بأسعار الصرف.

 

وفجأة، يشعر باهتزاز في الفضاء الطاقي للحي. إنه “الدولار” – ليس ورقة نقدية، بل “كيان رقمي مبرمج”، عملاق من الأرقام الخضراء المشفرة (Matrix)، يتسلل عبر أسلاك الكهرباء والواي فاي، محاولاً السيطرة على العقول والقلوب.

 

يبدأ النزاع في البعد الخامس. “الدولار المبرمج” يهمس للناس بالسرعة، والجشع، وضرورة تجميع الأرقام لضمان البقاء. يحاول “علمنة” الحي، وتحويل كل ابتسامة وكلمة طيبة إلى “قيمة تبادلية”.

 

أما “السحتوت”، فيستحضر ذكريات الجيرة، والكلمة الطيبة، والرضا بالقليل. هو لا يملك أرقاماً، لكنه يملك “شفرة البركة” التي لا تقبل البرمجة. يصارع “الدولار” لا بالقيم المادية، بل بصمت الباحث، وبأصالة الأمس التي ترفض الاندثار.

 

إنه صراع بين “زمن الدلورة” – الذي يهرول فيه الجميع خلف أوهام رقمية – وبين “زمن السحتوت” – الذي يحتفظ بالهدوء والكرامة.

 

وسط هذا النزاع الخفي، وعلى حافة حدائق المعادي، تبدأ قصتنا.. شفرة حدائق المعادي: “السحتوت” كمدخل للبعد الخامس كيف نجوت من اختبار كوني بمئة جنيه مبرمجة كانت الساعة تقترب من السادسة مساءً في حدائق المعادي. الشمس تحتضر خلف عمارات شارع حسنين دسوقي، تاركة شفقًا برتقاليًا مغبرًا يختلط بدخان عربات الفول وبخار الكشري. كنت عائدًا من المركز القومي للبحوث، حقيبتي الجلدية محشوة بأوراق جافة عن النمذجة الرياضية للتنبؤ بالكوارث، وعقلي أكثر جفافًا من تلك الأوراق.

 

احتجت للوصول إلى محطة المترو، فركبت ميكروباصًا قديمًا بدا وكأنه خرج لتوّه من فجوة زمنية. في المقعد الخلفي، جلست بجانب فتاتين منقبتين، صامتتين كتمثالين من الأبنوس، لفهما السواد حتى بدا سكونهما مريبًا في صخب الشارع. وفي المقعد المقابل، جلس هو.

 

رجل بجلباب بني عتيق، وعينان تدوران في محجريهما بسرعة غريبة، تمسحان المكان بماسح ضوئي غير مرئي، وتستقران عليّ وعلى الفتاتين بطرف عينه في نظرات متفحصة ومتربصة.

 

تحركت السيارة بصعوبة وسط زحام شارع الرشاح. وفجأة، انطلق صوت الرجل بنبرة معدنية تخترق ضجيج المحرك المتهالك:

 

— ضاع السحتوت.. ضاع السحتوت وضاعت معه بركة الأرض.

 

نظرت إليه بدهشة. السحتوت؟ العملة المنقرضة منذ عقود؟ لم ينتظر ردًا، بل وجّه حديثه للمنقبتين بحدة:

 

— الحرب ليست على الأرض، الحرب على الرأس.. رأس الحسين. مصر تقول إنه هنا، وإيران تقول إنه هناك. الصراع على التردد الروحي للرأس الشريف. من يملك الرأس يملك بوابة العبور.

 

شعرت بقشعريرة باردة في عمودي الفقري. كان يخلط التراث بالسياسة بالميتافيزيقيا بأسلوب مُمنهج العشوائية. ثم انتقل فجأة إلى مستوى آخر. أخرج من جيبه رزمة أوراق نقدية لامعة بشكل غير طبيعي، ولوح بورقة مئة جنيه:

 

— من يفك لي هذا اللغز فله مئة جنيه.. قال إمام البلغاء علي بن أبي طالب: خير النساء القَباء.. فما هي القَباء؟

 

ساد صمت ثقيل. كان الرجل يقرأ ملامحي، يعلم أنني كأكاديمي أعرف الإجابة، يغريني بالمال والعلم ليخرجني عن صمتي. ولما لم أجب، ابتسم بزهو وردّ على نفسه كأنه يلقي درسًا في أكاديمية كونية:

 

— هي ذات البطن الصغيرة.. الجمال في الضمور، والسر في الخفاء!

 

ثم استطرد دون توقف:

 

— وهم يبحثون عن هيكل سليمان. يظنونه معبدًا من حجر. هراء! الهيكل هو كعبة اليهود الطاقية، جهاز إرسال كوني دُفن تحت الأرض للسيطرة على الجدول الزمني للمنطقة.

 

اقترب مني أكثر، وهمس بصوت يشبه فحيح الآلات:

 

— أتعرف حلوان؟ ليست مجرد مشتت مصانع.. هناك كنيسة قديمة، يسمونها كنيسة أم موسى. أم النبي موسى كانت هناك، ومازال معبد اليهود قائمًا كشاهد. تلك الكنيسة ليست للصلاة فقط، إنها نقطة العودة.. من يعرف الشفرة يرجع إليها، ومن يرجع يملك مفتاح الخروج من هذا الزمان!

 

نظرت إلى معصمي. لم تكن ساعتي تتحرك. كأن الزمن في هذا الميكروباص قد تجمد عند لحظة حديث أم موسى. الفتاتان المنقبتان تهزان رؤوسهما بإيقاع بطيء جدًا، كأنهما تؤكدان الإحداثيات في قاعدة بياناتهما.

 

نظرت بعناية أكبر. الجلباب البني لم يكن قماشًا عاديًا؛ كان يلمع بريقًا خافتًا عند مرورنا تحت أضواء الأعمدة المكسورة، بريقًا يشبه الألياف الضوئية النانوية. والفتاتان.. هل كانتا تتنفسان حقًا؟ أم أن صمتهما كان وضع استعداد لجهاز استقبال؟ والمئة جنيه في يده.. هل كانت مجرد ورقة، أم جهاز استشعار مالي لاختراق بياناتي الذهنية؟

 

كان الرجل ينتظر مني سؤالًا واحدًا: “أين تقع بالضبط؟” كنت أعلم أن السؤال هو الموافقة الضمنية على الدخول في ثقبه الدودي.

 

وصلنا أخيرًا بالقرب من محطة مترو حدائق المعادي. تنفست الصعداء. دفعت الأجرة، وقبل أن أغلق الباب، استدرت نحو الرجل الذي كان مازال يراقبني بنظرته الجانبية المتربصة، وقلت بابتسامة هادئة تحمل كل قدرتي على التهكم العلمي:

 

— شكرًا يا فندم على الحصة التاريخية الجميلة دي.

 

تصلبت ملامحه للحظة. اختفت النظرة المتربصة وحلت محلها صدمة فك التشفير. نزلت وأغلقت الباب.

 

وبينما كانت السيارة تبتعد وسط زحام شارع أحمد زكي، حدث ما لم يره أحد سواي.

 

الميكروباص لم يبتعد؛ بل تلاشى. بدأ يهتز، ثم تحول إلى طيف باهت من الأضواء الملونة، واندمج في الهواء مختفيًا تمامًا من الوجود في جزء من الثانية. الفتاتان المنقبتان، والرجل صاحب الجلباب النانوي، ومسابقة المئة جنيه، وكنيسة أم موسى، وهيكل سليمان المزعوم.. كلهم كانوا مجرد محاكاة هولوغرافية انمحت بمجرد أن أرسلت شفرة الإغلاق: التهكم الهادئ.

 

وقفت وسط ضجيج حدائق المعادي، وباعة التين الشوكي، وصرخات التوك توك، أتحسس حقيبتي البحثية. لم تكن مجرد عودة من العمل؛ لقد كانت اختبارًا لوعي النخبة، وقد اجتزته بامتياز.. دون أن أنطق بكلمة، ودون أن تغريني مئة جنيه مبرمجة.

 

“ضاع السحتوت” قال الرجل. ربما كان يقصد أن العملة الحقيقية في هذا الزمن ليست المال، بل الصمت أمام الاستفزاز المعرفي. ومن يحتفظ بسحتوت صمته، يحتفظ ببركة عقله. في زمن ‘الدلورة’ الذي يهرول فيه الجميع خلف وهم الأرقام، أدركتُ أنني أملك ثروة تفوق بنوكهم الرقمية.. لقد احتفظت بـ سحتوت صمتي، وهو العملة الوحيدة التي لا تقبل الصرف إلا في بنوك الحكمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى