وزارة العمل

يحدث في وزارة العمل .. لقاءات تتجاوز التوجيهات… حين تتحول الإدارة إلى بناء روح

في المشهد الإداري التقليدي، غالبًا ما تنحصر اللقاءات بين القيادات والمرؤوسين في حدود التعليمات، والتكليفات، واستعراض التقارير، ثم ينصرف الجميع وقد أدى كلٌ دوره الرسمي وانتهى الأمر… لكن ما يحدث حاليًا داخل وزارة العمل، في اللقاءات المتواصلة التي يعقدها وزير العمل حسن رداد مع مديريات العمل بالمحافظات، بشكل مباشر أو عن طريق “الفيديو كونفرانس”، يبدو مختلفًا تمامًا، وكأنه محاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين القيادة والجهاز التنفيذي على أسس أكثر إنسانية وعمقًا وتأثيرًا..

 

هذه اللقاءات، التي شملت حتى الآن عددًا كبيرًا من المديريات، لا تبدو مجرد اجتماعات دورية لمتابعة الأداء، بل أقرب إلى ورش عمل مفتوحة لإعادة اكتشاف العنصر البشري داخل الوزارة نفسها… الوزير لا يكتفي بالاستماع إلى عرضٍ تقليدي عن نسب الإنجاز أو أعداد الحملات والتفتيشات، بل يدخل مباشرة إلى تفاصيل الأشخاص:من أنت؟…ما خبرتك؟..ما رؤيتك؟…كيف تفكر؟..ولو كنت مكان المسؤول الأعلى..ماذا كنت ستفعل؟.. هنا تحديدًا تتغير طبيعة اللقاء… فالأسئلة لم تعد مجرد وسيلة تقييم، بل أصبحت وسيلة لاكتشاف العقول، وإخراج الأفكار من صمت المكاتب إلى مساحة الحوار…وكأن الوزير لا يبحث فقط عن موظفين ينفذون، بل عن شركاء يفكرون، ويقترحون، ويملكون القدرة على صناعة الفارق.

 

اللافت أيضًا أن هذه الاجتماعات لا تجمع فقط مدير المديرية، بل تمتد إلى مديري المناطق والمكاتب والإدارات المختلفة، أي أنها تفتح الباب أمام مستويات متعددة من الجهاز الإداري لتجلس على طاولة واحدة، وهو أمر اعترف كثيرون بأنه لم يكن يحدث بهذا الشكل من قبل… بعضهم ربما يعمل منذ سنوات داخل المنظومة نفسها دون أن تتاح له فرصة هذا النوع من التواصل المباشر، لا مع الوزير فقط، بل حتى مع زملائه في المحافظات أو الإدارات الأخرى..ومن هنا، تتجاوز قيمة اللقاءات فكرة “المتابعة” إلى صناعة حالة من التعارف المهني والإنساني، وترسيخ روح الفريق الواحد، بدلًا من الجزر الإدارية المنعزلة.

 

الأهم أن الوزير يبدو حريصًا على كسر الحاجز التقليدي بين “القيادة” و”الموظف”… فلا حديث متعالٍ، ولا إدارة من خلف المكاتب المغلقة، بل حالة نقاش مستمر، وسعي واضح لسماع الرأي الآخر، حتى لو جاء من موظف في مكتب عمل بعيد داخل محافظة نائية… وهذا في حد ذاته يخلق شعورًا مختلفًا لدى العاملين: أنهم ليسوا مجرد منفذين لتعليمات، بل جزء من معادلة التطوير وصناعة القرار..وربما لهذا السبب تحمل هذه اللقاءات طابعًا إنسانيًا لافتًا، يتجاوز الرسميات الجامدة إلى مساحة من الود والتقدير المتبادل… فالإدارة الناجحة لا تُبنى فقط بالقوانين والقرارات، وإنما أيضًا بخلق بيئة يشعر فيها الجميع بأن صوتهم مسموع، وأن أفكارهم محل اهتمام….

 

ما يحدث الآن داخل وزارة العمل قد يكون نموذجًا إداريًا يستحق التوقف أمامه،لأن بناء المؤسسات لا يبدأ من الملفات وحدها، بل من بناء الثقة بين البشر، واكتشاف الطاقات الكامنة، وتحويل الجهاز الإداري من مجرد هيكل وظيفي إلى كيان حيّ يفكر ويتفاعل ويتطور…وفي زمن أصبحت فيه كثير من المؤسسات أسيرة النمطية والبيروقراطية الباردة، تبدو هذه اللقاءات محاولة لإعادة الروح إلى العمل العام.. روح الحوار، وروح المشاركة، وروح الفريق.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى