نباتات لا تشبه شيئاً على الأرض.. عندما يتفوق الواقع على الخيال العلمي

كتب : إيهاب محمد زايد
بانوراما الغرابة: قراءة في المعجم النباتي العالمي
تبدأ رحلة العجائب من أعماق التاريخ مع أشجار الكالاموفيتون (Calamophyton)، التي تعد من أقدم ما عرفته الأرض بجذوعها المجوفة وهندستها البدائية، لتمهد الطريق لظهور أشجار الأركيوبتريس (Archaeopteris)، السلف الأول الذي أدخل مفهوم الأخشاب الصلبة إلى الغابات السحيقة. وفي تطور بنيوي مذهل، تبرز نبتة سانفوردياكوليس (Sanfordiacaulis) من العصر الكربوني بتيجانها الورقية الكثيفة التي لا تشبه أي نظام خضري حديث.
وعلى صعيد استراتيجيات البقاء، يتحول النبات إلى صياد بارع، كما نرى في نبات إبريق أتنبره (Nepenthes attenboroughii) بحجمه الضخم القادر على احتواء فرائس غير متوقعة، وخناق الذباب (Dionaea muscipula) الذي يمثل قمة الميكانيكا الحيوية في الصيد السريع، بينما يفضل نبات الندية (Drosera) سلاح “الإغراء اللزج” بقطراته الفتاكة. وفي المقابل، نجد نباتات اختارت المحاكاة الشكلية المرعبة مثل زنبق الكوبرا (Darlingtonia californica) الذي يتخذ هيئة الأفعى لتضليل فرائسه.
أما الألغاز الحقيقية، فتكمن في النباتات التي تحدت قوانين الطبيعة المألوفة، مثل هيدنورا أفريكانا (Hydnora africana) والزهرة الغربية تحت الأرضية (Rhizanthella gardneri) اللتين اختارتا الحياة والإزهار في عتمة التربة بعيداً عن ضياء الشمس. وتتجلى عظمة الصمود في ولفيتشيا ميرابيلس (Welwitschia mirabilis)، تلك المعمرة الصحراوية التي تكتفي بورقتين فقط طوال 1500 عام، ونبتة القيامة (Selaginella lepidophylla) التي تتقن فن “العودة من الموت” بعد الجفاف التام، وشجرة الباوباب (Adansonia) التي تحولت بجذعها إلى مخزن مائي استراتيجي لمواجهة القحط.
وختاماً، لا تكتمل هذه اللوحة إلا بذكر عمالقة المملكة النباتية وأكثرها إثارة للجدل، مثل شجرة دم التنين (Dracaena cinnabari) بهويتها السقطرية الفريدة وعصارتها الأسطورية، وزهرة الجثة (Rafflesia arnoldii) التي تحمل لقب أكبر زهرة في العالم، مضحية بالأوراق والجذور لتعتمد كلياً على التطفل، مطلقة رائحتها النفاذة كإعلان صارخ عن وجودها في الغابات الاستوائية.
إضاءة علمية: الميكانيكا الحيوية خلف “خناق الذباب”
لا يعد نبات “خناق الذباب” مجرد صياد ماهر، بل هو أعجوبة هندسية في التشريح النباتي. تعتمد آلية الانقضاض فيه على شعيرات حساسة تعمل كمجسات دقيقة؛ فبمجرد أن تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال أقل من 20 ثانية، تنطلق إشارة كهربائية تحفز الخلايا على تغيير ضغطها الاسموزي فوراً، مما يؤدي لانغلاق الفخ في جزء من الثانية.
وما أن يتم الحصار، حتى تبدأ الغدد المتخصصة في إفراز “إنزيمات حارقة” قوية تشبه في مفعولها العصارات المعدية، لتقوم بتحليل الأنسجة المعقدة للفريسة وتحويلها إلى وجبة غنية بالنيتروجين، في واحدة من أكثر عمليات الهضم تعقيداً في عالم النبات.
غابات ما قبل التاريخ.. حين كانت الأشجار من كوكب آخر
في زمن نظن فيه أننا رأينا كل عجائب الطبيعة، وأن الخيال العلمي هو وحده القادر على ابتكار أشكال غريبة، تأتينا مملكة النباتات لتذكرنا بأن الواقع أغرب من الخيال. على مدى مئات الملايين من السنين، أنتج التطور أشكالاً نباتية لا تشبه أي شيء نعرفه اليوم، وكأنها رسوم من عالم آخر أو لوحات لرسام خيالي. تخيل مشهداً: غابة عمرها 350 مليون سنة، أشجارها لا تشبه أي شجرة رأيتها في حياتك. هذا ليس خيالاً علمياً، بل هو ما اكتشفه العلماء مؤخراً في بقاع مختلفة من العالم.
في جنوب غرب إنجلترا، أعلن علماء من جامعتي كامبريدج وكارديف عن اكتشاف بقايا أحفورية لأقدم غابة معروفة على وجه الأرض، في المنحدرات الواقعة على ساحل جنوب غرب إنجلترا بالقرب من ماينهيد في مقاطعة سومرست . عمر هذه الغابة حوالي 390 مليون سنة، أي أقدم بنحو أربعة ملايين سنة من الغابة صاحبة الرقم القياسي السابق في ولاية نيويورك. الأشجار فيها، والمعروفة باسم “كالاموفيتون”، تشبه أشجار النخيل إلى حد ما، لكن طول أكبرها كان يتراوح بين مترين إلى أربعة أمتار فقط. يقول البروفيسور نيل ديفيز من جامعة كامبريدج: “كانت هذه غابة غريبة جداً، ولا تشبه أي غابة قد تراها اليوم. لم يكن هناك أي نمو يمكن الحديث عنه، ولم يكن العشب قد ظهر بعد، ولكن كان هناك الكثير من الأغصان التي سقطت من هذه الأشجار الكثيفة، مما كان له تأثير كبير على المناظر الطبيعية” .
ما يجعل هذه الأشجار فريدة هو تركيبها الغريب، فقد كانت جذوعها رفيعة ومجوفة في المنتصف، وبدلاً من الخشب الصلب، كانت فروعها مغطاة بمئات من الهياكل الشبيهة بالأغصان التي سقطت على أرضية الغابة مع نمو الشجرة . شكلت هذه الأشجار غابات كثيفة بها وفرة كبيرة جداً من الحطام النباتي على الأرض، وكانت هذه المرة الأولى في تاريخ الأرض التي تؤثر فيها التغييرات التي تحركها الأشجار على مجرى الأنهار والمناظر الطبيعية، حيث غيرت الكوكب إلى الأبد .
في شمال ولاية نيويورك الأمريكية، تقع غابة القاهرة الأحفورية، وهي ثاني أقدم غابة أحفورية في العالم عمرها 385 مليون عام، وتضم بعضاً من أقدم الأشجار في العالم بالإضافة إلى أقدم نماذج معروفة لأشجار ذات أوراق وجذوع خشبية سميكة . تنتمي معظم هذه الأشجار إلى نوع يُدعى “أركيوبتريس”، وهو من النباتات المنقرضة التي تشبه في بعض خصائصها الأشجار الحديثة، بأوراق مسطحة، وجذوع خشبية قوية، وجذور واسعة تعمقت في التربة . لكن الأهمية الحقيقية لهذه الغابة لا تكمن في شكلها الغريب فقط، بل في دورها المحوري في تغيير كوكب الأرض، فقد مثلت أشجار الأركيوبتريس نقطة تحول في تاريخ الأرض، إذ ساعدت على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وحبسه من الهواء، مما غير تركيب الغلاف الجوي للكوكب، كما سرعت عملية التجوية حيث تتشابك الجذور وتكسر الصخور، مما يعرضها للهواء ويحفز تفاعلاً كيميائياً يحول ثاني أكسيد الكربون إلى أيونات كربونات، وفي نهاية المطاف تصل هذه الأيونات إلى المحيط وتتحد لتكوين الحجر الجيري . هذه الأشجار، رغم غرابتها، هي التي مهدت الطريق للحياة كما نعرفها اليوم.
في نيوجيرسي بكندا، اكتشف الباحثون نوعاً آخر من الأشجار الغريبة التي عاشت قبل 350 مليون سنة، أطلق عليها اسم “سانفوردياكوليس”، لها شكل تاج ثلاثي الأبعاد فريد من نوعه. يقول روبرت غاستالدو من كلية كولبي في ولاية مين: “إن الطريقة التي أنتجت بها هذه الشجرة أوراقًا طويلة جدًا حول جذعها النحيل، والعدد الهائل منها على طول الجذع القصير، أمر مذهل”. تتجمع الأوراق الوظيفية في السرخس أو أشجار النخيل في الأعلى وهي قليلة نسبياً، أما “سانفوردياكوليس” فتحافظ على أكثر من 250 ورقة حول جذعها، إذ تمتد كل ورقة محفوظة جزئياً بمقدار 1.75 متراً منه، ويقدر الباحثون أن كل ورقة نمت على الأقل متراً آخر قبل أن تنتهي، مما يعني أن هذه الشجرة كانت تمتلك مظلة كثيفة من الأوراق امتدت على الأقل 5.5 أمتار حول جذع غير خشبي يبلغ قطره 16 سنتيمتراً فقط، ويصفها الباحثون بأنها تبدو وكأنها من خيال الدكتور سوس.
نباتات آكلة اللحوم.. عندما تصبح الفريسة هي الصياد
إذا كانت أشجار ما قبل التاريخ غريبة بشكلها، فإن النباتات آكلة اللحوم غريبة بسلوكها. هناك ما لا يقل عن 600 نوع من النباتات التي تتغذى بشكل دوري على الحشرات والعناكب والديدان، بل وقد يكون بوسعها أن تتغذى على بعض الثدييات الصغيرة. تعيش هذه النباتات في بيئات قاسية حيث تفتقر التربة إلى النيتروجين والعناصر الغذائية الأساسية، فكان الحل أن تحصل على غذائها من مصدر غير متوقع: اللحوم.
نبات إبريق أتنبره، واسمه العلمي نيبينثيس أتنبرويي، هو واحد من أكبر النباتات آكلة اللحوم حجماً، حيث يصل ارتفاع جرته إلى 30 سنتيمتراً، ويستطيع أن يصطاد الحشرات والجرذان . لم تُكتشف هذه النباتات إلا في عام 2007 عندما قام فريق من علماء النباتات بتسلق جبل فكتوريا في بالاوان بالفلبين، وكان قد تم إبلاغهم بشأنها من قبل اثنين من المبشرين المسيحيين، وسُمي النبات بهذا الاسم تيمُّناً بمقدم البرامج التلفزيونية البريطاني والمولع بالتاريخ الطبيعي، ديفيد أتنبره . يُصنف نبات الأبريق باعتباره من النباتات آكلة اللحوم، حيث تتصيد الحيوانات في أوعية مملوءة بسائل وتشبه الأباريق، ويُعتقد أن المتبقي منها هو بضع مئات فقط .
نبات الديونيا أو خناق الذباب، واسمه العلمي Dionaea muscipula، هو الأكثر شهرة بين النباتات آكلة اللحوم، وقد وصفه تشارلز داروين بأنه “واحدة من أكثر النباتات روعة في العالم” . تحتوي أوراقه على شعيرات حساسة، وما أن تلمس أي حشرة هذه الشعيرات حتى تنطبق النبتة عليها في أجزاء من الثانية لتقوم بإفراز إنزيمات حارقة تقوم بقتل الحشرة وتحليلها وتحويلها إلى مواد تتغذى عليها النبتة . إذا كانت الحشرة كبيرة، تظهر فائدة الأسنان الحادة التي توجد على أطراف الزهرة، فما أن تطبق على الحشرة حتى تتشابك هذه الأسنان لتمنعها من الهروب، وما أن تنتهي من وجبتها حتى تفتح مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن . توجد هذه النبتة المتوحشة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً في ولايتي كارولينا الشمالية والجنوبية .
نبات الندية أو الدروسيرة يقوم مبدأ صيده على إفراز عصارة لزجة، فتعلق بها الحشرة ثم تمتص وتهضم، فالجزء الأعلى من أوراق النبتة مكسو بنتوءات صغيرة تشبه الشعر تفرز قطرات تشبه الندى، ما أن تلامس حشرة واحدة من هذه الشعرات حتى تعلق بها، فتطبق جميع الشعرات على الحشرة منحنية باتجاه وسط الورقة حيث يوجد سائل يعمل على هضمها، وتستمر هذه العملية لمدة يومين. نبات الكوبرا ليلي أو زنبق الكوبرا، واسمه العلمي Darlingtonia californica، هو نبات آكل للحوم ينمو في المستنقعات، وقد اشتق اسمه من قمته الأنبوبية التي تشبه غطاء الكوبرا، بينما تبدو أوراقه المتشعبة وكأنها لسان . يصطاد النبات الحشرات عن طريق جذبها للدخول عبر الفتحة الموجودة في الجانب السفلي من أوراقه ذات الغطاء، وبمجرد دخول الفريسة، يمنع الضوء الذي يخترق الغطاء الشفاف الحشرة من العثور على المخرج، بينما تضمن الشعيرات المتجهة للأسفل في الداخل أن تكون رحلة الحشرة بلا عودة .
نبات هيدنورا أفريكانا، واسمه العلمي Hydnora Africana، ينمو تحت الأرض ولا يظهر منه سوى زهرة غريبة الشكل . تعتبر من النباتات الطفيلية، ولها نشاط فيزيائي غريب حيث تبدو مشابهة بشكل مدهش للفطر، وجسم النبتة خال من الأوراق بشكل كامل وبلون بني إلى رمادي يتحول مع التقدم بالعمر إلى رمادي غامق إلى أسود . تنتشر هذه النبتة في صحاري جنوب أفريقيا، وتعد مصيدة تصطاد بها النبتة فرائسها من الخنافس من خلال إطلاق رائحة كريهة تقوم بجذب الخنافس إليها . نبات دراكونكولاس فولجارز أو شجرة التنين عبارة عن ساق بنفسجية اللون مرتبط معها أوراق عديدة بعرض 30 سنتيمتراً أو أكثر، ومثل سابقاتها تتميز هذه النبتة برائحتها الكريهة وتتغذى على الحشرات الطائرة .
هذه النباتات تواجه معضلة فريدة: فهي تحتاج إلى جذب الحشرات لالتهامها، ولكنها في نفس الوقت تحتاج إلى الحشرات لتلقيح أزهارها، وقد طورت استراتيجيات ذكية لحل هذه المعضلة، مثل جعل الأزهار بعيدة عن الفخاخ، أو جعل الفخاخ نشطة في أوقات مختلفة عن الأزهار.
نباتات تزهر تحت الأرض وأخرى تعيش ألف عام
من أغرب النباتات على الإطلاق، نبات يعيش جل حياته تحت سطح الأرض، حتى أنه يزهر تحت الأرض. إنها الزهرة الغربية تحت الأرضية أو ريزانثيلا غاردينري، التي تنمو فقط بين الشجيرات في أدغال “برووم” غربي استراليا . تنتج كل نبتة أكثر من مئة زهرة ذات ألوان بيضاء وحمراء وذات عطر قوي، ولكنها تزهر تحت سطح الأرض في أواخر شهر مايو وأوائل يونيو . هذا النبات ينقصه مادة الكلوروفيل، لذا لا يمكنه أن يستمد الطاقة من أشعة الشمس مثل باقي النباتات، وعوضاً عن ذلك فإنه يأخذ ما يغذيه من جذور شجيرات البرووم عن طريق الفطريات الطفيلية التي ترتبط بها . ويعتقد أن ما يوجد منها لا يتجاوز 50 نبتة في الوقت الحالي، وهي مصنفة باعتبارها مهددة بالانقراض بشكل حرج .
نبات فليفيتشيا ميرابيلس أو ولفيتشيا، المسمى علمياً Welwitschia Mirabilis، هو أحد أغرب النباتات في العالم، ويمكن القول بأنه لا يوجد شيء يشبهها على وجه الأرض . تتكون النبتة الراشدة من ورقتين وقاعدة ساق وجذور فقط، وورقتاها الدائمتان تتميزان بشكلهما الغريب الذي لا يوجد مثيل له في مملكة النباتات حيث تعتبران أوراقها الأصلية عندما كانت نبتة واستمرتا في النمو . توجد في صحاري جنوب غرب أفريقيا، وهي بطيئة النمو جداً، وتتضخم الورقتان بشكل مخيف حتى يصل طولها لمترين وعرضهما لثمانية أمتار، وتعيش هذه النبتة ما بين 400 و 1500 سنة . للورقتين خاصية فريدة تسمح له بسقي جذوره بنفسه، حيث تجمع التكثيف من الضباب الصباحي، وسطح الورقة يحتوي على العديد من الثغور التي تمتص هذا التكثيف. الظباء ووحيد القرن تمضغ أوراق ولفيتشيا للترطيب خلال فترات الجفاف، وكان يستخدم مخروط النبات الأنثوي كغذاء للناس في العصور القديمة حيث كان يؤكل نيئاً أو يُخبز في الرماد الحار، واسمه المحلي “أونيانغا” يعني “بصل الصحراء”. على الرغم من أن النبات ليس مهدداً بالانقراض، إلا أنه محمي بموجب القانون، ويعتبر من الكنوز الطبيعية النادرة.
نبات سيلاجينيلا ليبيدوفيلا، الذي يعود أصله إلى صحراء شيهواهوان المكسيكية، يبدو كأنه نبتة عادية لكنه يتمتع بقدرة مذهلة على البقاء . عندما تشعر هذه النبتة بالجفاف، تنكمش على نفسها وتبدو كما لو كانت ميتة، وما أن تشعر بالرطوبة أو بوجود مياه حتى تعود للحياة مرة أخرى . حينما بحث العلماء في سر هذا التصرف العجيب، وجدوا أن السبب هو نوع غير مألوف من السكر الذي يحفظ الخلايا من الموت، فقام العلماء باستخدامه لتغليف الخلايا المعرضة للتلف مثل البكتيريا والفيروسات أثناء نقلها من دولة لأخرى . شجرة الباوباب، التي يصل طولها إلى 30 متراً بمحيط جذر يصل إلى 12 متراً، تستطيع تخزين 120 ألف لتر من المياه داخلها، لذا تعرف أيضاً باسم شجرة الزجاجة . يصل عمرها إلى 4000 سنة، ومن غرائب استخداماتها أن بعض القبائل الأفريقية كانت تحفرها من الداخل وتجعلها سجناً، والبعض يحولونها لمكاتب وحمامات، وثمارها غنية بالكالسيوم بكميات توازي ضعف نظيرتها في الحليب الطبيعي .
نبات ميموسا بوديكا أو النبتة الخجولة، تعرف أيضاً باسم النبتة الحساسة، فإذا قمت بلمسها ستنكمش على نفسها وتنكمش أوراقها ولن تعود إلى حالتها إلا إذا تركتها لبضع دقائق . تنتشر هذه النبتة العجيبة في إندونيسيا والعديد من المناطق الاستوائية .
نباتات سامة وغريبة الشكل.. من عيون الدمية إلى زهرة الجثة
العالم مليء بالنباتات ذات الأشكال الغريبة التي تستحق التأمل، وبعضها يحمل أسماء مرعبة تتناسب مع مظهرها. زهرة نزيف القلب، موطنها الأصلي سيبيريا وشمال الصين وكوريا واليابان، وهي عبارة عن زهرة لونها وردي على شكل قلب يخرج منها قطرات بيضاء تشبه النزيف . هذه النبتة تعيش في الظل وتذبل فور تعرضها لأشعة الشمس القوية، وعند تعرض الإنسان أو الحيوان لتلك القطرات تصيبهم بالتسمم والتهيج الجلدي وقد تؤدي أيضاً إلى الوفاة أحياناً . عشبة الدم الياباني تشبه المسامير ذات اللون الأحمر الدموي، وهي نبات معمر يحظى بشعبية بسبب لونه، كما أنها من النباتات شديدة الاشتعال حيث تحترق في درجات حرارة أعلى من الحشائش المحلية ما قد يؤدي إلى حرائق الغابات .
الباذنجان القاتل أو ست الحسن، هو عشب شديد السمية يسبب الهذيان والهلوسة والموت عند تناوله . خلال العصور الوسطى، كانت النساء تستخدم عصير التوت لتوسيع حدقة العين ليبدون أكثر جاذبية، لكن هذا الأمر شديد الخطورة ولا يجب تجربته . لعنة الذئب هو نوع من النباتات المزهرة في عائلة Ranunculaceae، وهو سم سريع المفعول يمكن أن يؤدي إلى الغثيان والقيء والشلل ومشاكل في القلب قبل الوفاة . تم استخدامه لصنع سهام سامة في الصين، وقد أطلق عليه هذا الاسم عند استخدامه في تسميم الذئاب والفهود في القرن الثامن عشر .
عيون الدمية أو التوت الأبيض، تعرف باسم “عيون الدمية” بسبب المياسم السوداء في التوت الأبيض التي تجعلها تبدو وكأنها مجموعة من مقل العيون على سيقان . إذا لم يكن مظهرها المخيف كافياً لردعك، فهي أيضاً سامة للإنسان وتسبب استجابة مهدئة فورية في الأنسجة العضلية، لكن الطيور تجد التوت غير ضار وهي الطريقة الرئيسية التي تنتشر بها بذور النبات .
زهرة الجثة أو رافليسيا أرنولدي، هي أكبر زهرة في العالم حيث يصل قطرها إلى متر واحد ووزنها إلى 11 كيلوجراماً . تنمو في الغابات المطيرة بجنوب شرق آسيا خاصة في ماليزيا وإندونيسيا، وتتميز بكونها ليس لها جذور أو أوراق أو سيقان، فهي تعيش كطفيلي عالة على النباتات المحيطة بها مثل الفطر . العجيب فيها أنها تستغرق سنوات عديدة لتنمو وتُزهر لفترة قصيرة جداً لا تتجاوز 48 ساعة، وخلال هذه الفترة تطلق رائحة كريهة تشبه رائحة الجثث المتحللة لجذب الحشرات والخنافس للمساعدة في عملية التلقيح . زهرة الجثة أو تيتان أروم، واسمها العلمي Amorphophallus titanium، هو نبات آخر له رائحة كريهة تشبه رائحة الجثث المتعفنة عند تفتح أزهاره . يمكن أن تستغرق زهرة الجثة من خمس إلى عشر سنوات لتتفتح للمرة الأولى، وقد تستغرق من عامين إلى عشرة أعوام أخرى لتتفتح مرة أخرى، لذا فإن شم رائحتها تجربة نادرة، ويصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار . اسمها العلمي مشتق من الكلمة اليونانية التي تعني “العضو الذكري الضخم المشوه” .
زهرة قرص الديك أو سيليوزيا، لها أزهار كثيفة تشبه الدماغ، وتُلقب بأزهار الصوف أو دماغ السيليوزيا . على الرغم من مظهرها المزعج، إلا أن لها تاريخاً غنياً في الطب التقليدي حيث استخدمت لعلاج كل شيء من الصداع إلى تقلصات الدورة الشهرية .
نباتات عربية فريدة.. كنوز طبيعية تنتظر الاهتمام
العالم العربي يمتلك كنوزاً نباتية فريدة، تتصدرها شجرة دم التنين أو شجرة دم الأخوين، التي تعتبر واحدة من الرموز الطبيعية الفريدة لجزيرة سقطرى اليمنية . تنمو في المناطق الجبلية القاحلة والجافة للجزيرة، حيث تطورت لتتحمل ظروف الطقس الصعبة . يعود تاريخ هذه الشجرة لأكثر من 50 مليون سنة، وعلى الرغم من ندرتها الشديدة إلا أن لها استخدامات وقيمة طبية كبيرة حيث ذكرها العالم ابن سينا، وتستخدم المواد المستخرجة من لحائها في علاج الجروح والتقرحات وتقوية الجهاز الهضمي . عُرفت منذ العصور القديمة بفضل عصارتها الحمراء التي تشبه الدم، والتي تُستخدم في الطب التقليدي كعلاج للجروح وللعديد من الأمراض، كما تُستخدم أيضاً في صناعة الطلاء والورنيش، ولها قيمة ثقافية كبيرة في الفلكلور المحلي . شكلها المظلي المميز يجعلها واحدة من أكثر الأشجار جذباً للسياح والباحثين.
نبات الأرطى ينمو في صحاري شبه الجزيرة العربية، ويُستخدم في تثبيت الرمال ومنع التصحر، ويوفر غذاءً للإبل وله أهمية بيئية كبيرة. العرفج هو من النباتات المحلية في الخليج العربي، يُستخدم في تغذية الحيوانات وله خصائص طبية تقليدية، ويتميز بقدرته على تحمل الملوحة العالية والجفاف. نبات اللبان يُزرع بشكل أساسي في عُمان واليمن، ويُستخدم منذ القدم في صناعة البخور، وله أهمية طبية لعلاج الالتهابات وتعزيز المناعة، ويتم تصديره عالمياً ويُعتبر جزءاً من التراث الثقافي في المنطقة. السدر شجرة معمرة تنتشر في العديد من الدول العربية خاصة في المناطق الجافة، وثمارها (النبق) غنية بالعناصر الغذائية، وأوراقها تُستخدم في العلاجات التقليدية والعناية بالشعر. نبات الغاف يُعتبر رمزاً ثقافياً وبيئياً في الإمارات العربية المتحدة، ويوفر مأوى للحياة البرية ويُستخدم في مشاريع إعادة التشجير ومكافحة التصحر. النباتات المتحملة للملوحة مثل نبتة الساليكورنيا، توجد في مناطق الساحل والصحراء وتُستخدم كمصدر غذائي بديل وتحمل أهمية اقتصادية كبيرة .
الصحاري العربية تُعد موطناً لتنوع نباتي فريد، رغم قساوة المناخ وندرة المياه، وقد طورت هذه النباتات خصائص استثنائية للبقاء في ظروف شديدة الصعوبة، مثل التكيف مع الجفاف والحرارة العالية .
نباتات مهددة بالانقراض.. سباق مع الزمن لإنقاذ كنوز الطبيعة
كشفت دراسة حديثة نشرتها منظمة الحفاظ على الحدائق النباتية حول العالم (BGCI) أن ثلث أنواع الأشجار حول العالم مُعرّض لخطر الانقراض، بما في ذلك أشجار الماغنوليا والبلوط والقيقب . وفق الدراسة، فإن 142 نوعاً من الأشجار حول العالم قد انقرضت بالفعل، وعزت المنظمة ذلك إلى النشاط البشري بالدرجة الأولى، إذ لا تزال عمليات قطع الأخشاب منتشرة بشكل كبير، إضافة إلى التغييرات المناخية والحرائق والفيضانات .
قائمة النباتات المهددة بالانقراض طويلة ومحزنة، لكن بعضها يستحق الذكر لغرابته وندرته. النخلة الانتحارية هي شجرة نخيل عملاقة تنمو في بقاع نائية شمال غربي جزيرة مدغشقر . تعمر هذه النخلة لمدة 50 سنة، ثم تزهر مرة واحدة فقط لتموت بعدها بفترة قصيرة، ومن هنا جاء اسمها . اكتشفت عام 2005 من قبل مدير لمزرعة الكاجو خلال جولة عائلية، وتم وصفها رسمياً عام 2008، ويصل الجذع فيها إلى ارتفاع 18 متراً وتنتشر أوراقها الضخمة فوق مسافة تصل إلى 5 أمتار، ويوجد منها قرابة 90 نخلة فقط في البرّية .
نبتة كرة الغولف هي نبتة صبار صغيرة تميل إلى البياض وتشبه كرة الغولف، توجد فقط في جبال كويريتارو بالمكسيك . جعلتها زهرتها الوردية الجميلة ذات شعبية بين المولعين بأزهار البساتين، مما أدى إلى جمعها بشكل غير قانوني وانخفض عددها بنسبة 95 في المئة خلال العشرين سنة الأخيرة . شجيرة فيندا سايكاد توجد فقط في ولاية ليمبابو بجنوب أفريقيا، وقد وصفت لأول مرة عام 1996، وشكلها يشبه الشعر في مظهرها، وهي مهددة بالانقراض بسبب جمعها غير القانوني للزينة، ويُعتقد أنها قد انقرضت بالفعل في الحياة البرية .
شجيرة قنديل البحر كان يُعتقد أنها انقرضت حتى أعيد اكتشافها عام 1970، وربما استمدت اسمها من ثمرتها التي تشبه عند شقّها قنديل البحر . تنمو في جزيرة ماهي بالسيشل، وهي العضو الوحيد الذي لا يزال حياً من العائلة النباتية مدوساغيناسيا، ويوجد ما يقرب من 86 من شجيرات قنديل البحر كاملة النمو في البرّية . عشبة البقدونس السرخسية في جزيرة أسنسيون تشبه عشبة بقدونس مصغّرة، وتوجد فقط على جزيرة أسنسيون البركانية في جنوب المحيط الأطلسي . كان يُعتقد لخمسين سنة خلت أنها قد انقرضت، حتى عام 2009 عندما صادف فريق من علماء النبات أربع نبتات منها كانت تنمو عرضياً على وجه منحدر غير مستقر في الجبل الأخضر في ظروف قاسية وجافة . للحفاظ عليها، هبط الباحثون على حافة ذلك المنحدر مستخدمين حبال الأمان لسقيها وإزالة الأعشاب الضارة حولها، ويوجد الآن قرابة 40 نبتة كاملة النمو منها في البرّية .
الشجرة المرجانية بزهورها الحمراء الزاهية وجذعها الشوكي، توجد فقط في الغابات النائية في الجنوب الشرقي لدولة تنزانيا . اعتبرت منقرضة في عام 1998، ثم أعيد اكتشافها في عام 2001، ثم أعيد اكتشافها مرة أخرى في عام 2011، ويوجد منها الآن ما لا يزيد عن 50 نبتة في البرّية في منطقة وحيدة وغير محمية .
خاتمة.. مسؤوليتنا تجاه كنوز الطبيعة
من أشجار ما قبل التاريخ التي تبدو وكأنها من كوكب آخر، إلى نباتات آكلة اللحوم تتصيد الفئران، إلى نباتات تزهر تحت الأرض، إلى أخرى تعمر 1500 سنة بورقتين فقط، تثبت لنا مملكة النباتات أن الخيال العلمي لا يقارن بواقع الطبيعة. كل اكتشاف جديد يكشف لنا عن طبقة أخرى من التعقيد والجمال في هذا العالم، وما زلنا في البداية، فهناك آلاف الأنواع التي لم تكتشف بعد، وأسرار لا تزال مخبأة في غابات مطيرة وصحاري قاحلة وأعماق محيطات.
ما تقدمه هذه النباتات الغريبة من دروس يتجاوز حدود علم النبات، ويمس علاقتنا بالطبيعة والتنوع البيولوجي. التنوع البيولوجي ثروة لا تقدر بثمن، فكل نبات منقرض هو خسارة لا تعوض، والنباتات التي نراها غريبة اليوم قد تحمل في جيناتها أسراراً لعلاج أمراض مستقبلية، أو حلولاً لتحديات بيئية قادمة. الحفاظ على البيئة واجب إنساني، والنباتات المهددة بالانقراض في العالم العربي مثل بعض أنواع النخيل والنباتات الصحراوية تحتاج إلى حماية وجهد للحفاظ عليها للأجيال القادمة. الاستثمار في البحث العلمي لاكتشاف وتوثيق هذه النباتات يتطلب بعثات علمية وأبحاثاً مستمرة، والعالم العربي بحاجة إلى دعم هذا النوع من البحث. النباتات النادرة والغريبة يمكن أن تكون مصدر جذب للسياحة البيئية وتساهم في الاقتصاد المحلي.
كما يقول الباحثون عن شجرة سانفوردياكوليس: “يتكون تاريخ الحياة على اليابسة من نباتات وحيوانات تختلف تمامًا عن أي من تلك الموجودة حاليًا. على مدى التاريخ البعيد، أدت آليات التطور إلى ظهور كائنات حية نجحت في البقاء لفترات زمنية طويلة، مع ذلك اتخذت أشكال هذه الكائنات وأنماط نموها ودورات حياتها مسارات واستراتيجيات مختلفة”. في المرة القادمة التي تمر فيها بجانب نبات عادي، تذكر أنك تشاهد نتيجة ملايين السنين من التجارب التطورية، وأن هذا النبات العادي قد يكون له أقارب غرباء في مكان ما من العالم، أو أسلاف عاشوا قبل مئات الملايين من السنين وكان شكلهم لا يشبه أي شيء على وجه الأرض.
سؤال للقارئ
كم من الغرابة والعجب لا يزال مخبأً في زوايا هذا الكوكب؟ وكيف يمكن للعالم العربي أن يساهم في اكتشاف وحماية هذا التراث الطبيعي الفريد الذي يمتد من شجرة دم التنين في سقطرى إلى نباتات الصحراء العربية المتحملة للملوحة؟ وهل نحن مستعدون لتحمل مسؤوليتنا تجاه هذه الكنوز الطبيعية قبل فوات الأوان؟



