تاريخ ناصع.. وآخر يُضرب بالقلل


يكتبها
أسامة شحاتة
في البداية، يبقى التاريخ دائمًا، بينما ينتهي الخلاف بزوال أصحابه. وتظل الناس تتذكر العظماء الذين تركوا بصمات حقيقية وإنجازات خالدة، تحفظها الأجيال جيلاً بعد جيل.
وقد التقيت خلال مسيرتي بقامات بترولية عظيمة، قدمت الكثير للقطاع، وهم كُثر، وتاريخهم ناصع ومشرف. وعندما يحين موعد تقاعدهم، يحزن الناس على رحيلهم، ويستعيدون إنجازاتهم بكل تقدير وامتنان.
وفي المقابل، هناك آخرون إذا ذُكر اسمهم، تجد الوجوه تنصرف، والآذان لم تعد تحتمل الحديث عنهم. هؤلاء يترك العاملون معهم المكان وهم يلقون القلل خلفهم فور مغادرتهم المقر، تعبيرًا عن رغبتهم في عدم عودتهم مرة أخرى.
ومهما حاول البعض تزييف الواقع أو صناعة إنجازات مدفوعة الثمن، فإن الناس لا تنخدع بالكلمات، لأنها تعيش الواقع وتراه بعينها، وتدرك الحقيقة من الأحداث التي تدور بينها كل يوم.
أما قصة “القلل”، فهي من العادات الشعبية المصرية ذات الجذور القديمة، التي توارثها المصريون عبر الأجيال. وكان كسر القلة أو إلقاؤها يرمز إلى التخلص من شخصٍ ما، وعدم عودته للمكان مرة أخرى، خاصة إذا تسبب في أضرار، أو نشر الفتن، أو صنع شللية، أو مكّن مجموعة بعينها من السيطرة على المكان لمصالح لا يعلمها إلا الله.
وهنا يبدأ العقل في التساؤل: لماذا يحدث هذا؟ وكيف تتم التفرقة بين الناس؟ ولماذا تُمنح الامتيازات للبعض، بينما يُظلم آخرون؟ ولماذا تُنفذ تعليمات مخالفة، بل ويُرفض أحيانًا تنفيذ أحكام القضاء التي يجب أن تكون فوق الجميع؟
كل هذه الممارسات تدفع الناس إلى الصبر، انتظارًا ليوم الرحيل. وعندها، تكون الغالبية في استقبال هذا الرحيل بإلقاء القلل خلف صاحبه، ومحاولة نسيان مرحلة توليه المسؤولية. بل إن البعض يظل مكروهًا حتى بعد مغادرته، فيبتعد عنه الناس في المناسبات، ولا يسعون للاحتكاك به.
وفي هذه الحالة، إما أن يثخن جلده ويتجاهل، أو يبتعد ويدرك حجم ما صنعه بيده
وخلال الأيام القادمة، هناك من سيترك موقعه، والكل يعد الأيام يومًا بيوم، انتظارًا للخلاص من شخصية تحتاج إلى طن كامل من القلل
ورسالة إلى كل قادم جديد: إياك والشللية، وإياك والتفرقة بين الناس، حتى لا يأتي يوم تُستقبل فيه بالقلل
اللهم اكفِ أحبائي وأصدقائي، وكل من يعمل بجد وإخلاص، شر القلل ولعنة الفراعنة
والله الموفق والمستعان.



