مقالات

السيادة الخضراء: كيف تعيد الهيئة العربية ابتكار مستقبل الغذاء؟

بقلم إيهاب محمد زايد

توطين التقنيات الذكية واستعادة الذهب الجيني.. رحلة العرب نحو 2030وأيضا توطين التقنيات الزراعية الذكية: عندما تتحول التحديات العربية إلى فرص ابتكارية. من النسيج إلى الأقمار الصناعية: ثورة الزراعة العربية الذكية. في زمن تتصارع فيه الأمم على كل قطرة ماء، وتتحول فيه الصحاري إلى ساحات معارك وجودية، وتئن فيه التربة العربية تحت وطأة الجفاف والتصحر والتعرية، يطل علينا نموذج عربي فريد لا ينتظر الحلول من الخارج، بل يصنعها بنفسه، ويكيفها مع بيئته، ويجعل منها أدوات عملية لمواجهة التحديات المصيرية. إنه مشروع الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي، ذلك الكيان العربي المشترك الذي لم يكتف باستيراد التقنيات العالمية، بل أعاد ابتكارها لتناسب واقعنا القاسي، وحولها إلى قصص نجاح تمتد من السودان إلى جزر القمر، ومن الصومال إلى موريتانيا.

 

هذا التصور العربي الفريد ليس مجرد تطبيق لتقنيات زراعية متطورة، بل هو فلسفة متكاملة تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة: لا يمكننا بناء مستقبلنا الزراعي باستيراد حلول الآخرين كما هي، بل يجب أن نعيد اختراعها بأيدينا، وأن نكيفها مع تربة أرضنا، ومناخنا، ومياهنا، وإنساننا.

 

الزراعة بدون حرث: ثورة صامتة في الأراضي المطرية العربية

تبدأ القصة مع تقنية قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في جوهرها ثورية: الزراعة بدون حرث. الفكرة الأساسية أن حراثة التربة، تلك العملية التي ظنناها لقرون ضرورية للزراعة، قد تكون في الحقيقة سبباً رئيسياً في تدهور الأراضي العربية الهشة.

 

عندما تحرث التربة في المناطق الجافة وشبه الجافة، فإنك تعرضها لعاملين مدمرين: الرياح التي تطير معها الطبقة السطحية الخصبة، والشمس التي تحرق ما تبقى من مادة عضوية. النتيجة هي تربة فقيرة، ومياه ضائعة، وإنتاجية متدهورة عاماً بعد عام.

 

الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي لم تكتف باستيراد تقنية “الزراعة بدون حرث” من أستراليا أو أميركا، بل أعادت تطويرها لتناسب الأراضي المطرية العربية، تلك الأراضي التي تعتمد على مياه الأمطار فقط في زراعتها. تم تعديل الآلات، وتطوير طرق البذر، وتكييفها مع أنواع التربة المختلفة في السودان والصومال واليمن.

 

النتائج كانت مذهلة. زيادة في الإنتاجية وصلت إلى 30% في بعض المناطق، وتحسن ملحوظ في خصوبة التربة، وانخفاض كبير في استهلاك المياه. الأهم من ذلك، أن المزارعين العرب بدأوا يتبنون هذه التقنية بأيديهم، بعد أن رأوا نتائجها على أرض الواقع في مشاريع الهيئة.

 

ما يجعل هذا المشروع فريداً ليس فقط التقنية نفسها، بل الفلسفة التي تقف خلفه: تحويل المزارع العربي من متلق سلبي للتكنولوجيا إلى شريك فاعل في تطويرها. المزارع في مشاريع الهيئة لا يُلقن التعليمات فقط، بل يُدرب على فهم التربة، وقراءة علاماتها، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

 

مختبر الزراعة النسيجية في جزر القمر: حين ينقذ العلم شعباً بأكمله

في المحيط الهندي، على بعد مئات الكيلومترات من الساحل الأفريقي، تقع جزر القمر. تلك الجزر الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 1861 كيلومتراً مربعاً، ويعتمد سكانها البالغ عددهم 850 ألف نسمة على محصول واحد رئيسي هو الموز النشوي.

 

الموز النشوي في جزر القمر ليس مجرد فاكهة، بل هو قوت يومي، وأساس الأمن الغذائي، ومكون رئيسي في الثقافة المحلية. لكن هذا المحصول الحيوي كان مهدداً بالأمراض والآفات والتدهور الوراثي. الحلول التقليدية، كاستيراد أصناف جديدة من الخارج، لم تكن مجدية لأن الأصناف المستوردة لا تتناسب مع ظروف الجزر ولا مع أذواق سكانها.

 

هنا تدخلت الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي بفكرة جريئة: إنشاء مختبر متكامل للزراعة النسيجية في جزر القمر. الزراعة النسيجية هي تقنية تعتمد على إكثار النباتات باستخدام أجزاء صغيرة جداً من الأنسجة النباتية في بيئة معقمة، لإنتاج آلاف النباتات المتطابقة وراثياً في وقت قصير.

 

المختبر الذي أنشئ لم يكن مجرد منشأة علمية عادية، بل كان أول مختبر من نوعه في المنطقة، مصمماً خصيصاً لإكثار أصناف الموز النشوي المحلي. لم يتم استيراد أصناف غريبة، بل تم أخذ أفضل النباتات المحلية، وتكثيرها بالملايين، وتوزيعها على المزارعين.

 

النتيجة كانت تحولاً جذرياً في الأمن الغذائي للجزر. المزارعون الذين كانوا يعانون من نقص الشتلات الجيدة، أصبحوا يحصلون عليها بأسعار رمزية. الإنتاجية ارتفعت، والأمراض تراجعت، والاعتماد على الخارج انخفض.

 

ما يجعل هذا المشروع فريداً هو تركيزه على محصول محلي أساسي، وليس على محاصيل تصديرية كما تفعل معظم المشاريع المماثلة. الموز النشوي القمري ليس سلعة للعالم، بل هو غذاء لشعب. والمختبر الذي أنشئ لم يخدم شركة أو مستثمراً، بل خدم مجتمعاً بأكمله.

 

الزراعة الدقيقة في السودان: عندما يلتقي GPS بالأرض السوداء

السودان هو أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، ويمتلك أراضٍ زراعية شاسعة تقدر بنحو 84 مليون هكتار، لكنه لا يزرع منها سوى 20% فقط. التحدي ليس في نقص الأرض، بل في نقص كفاءة استخدامها.

 

هنا تدخلت الهيئة العربية بمشروع طموح لتطبيق “نظام الإحكام الزراعي” أو ما يعرف بالزراعة الدقيقة. الفكرة تعتمد على استخدام تقنيات تحديد المواقع الجغرافية (GPS) ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) لرسم خرائط دقيقة للحقول، وتحديد خصائص التربة في كل بقعة، ثم تطبيق المدخلات الزراعية (بذور، أسمدة، مياه) بدقة متناهية حيثما تكون هناك حاجة إليها.

 

هذه التقنية، التي طورت أصلاً في الولايات المتحدة وأوروبا للحقول الضخمة، تم تكييفها لتناسب الظروف السودانية: حقول واسعة، بنية تحتية محدودة، ومزارعون يحتاجون إلى تدريب مكثف.

 

النتائج الأولية مبشرة. زيادة في الإنتاجية تصل إلى 25%، وانخفاض في استخدام الأسمدة والمياه بنسبة 20%، وتحسن كبير في جودة المحاصيل. الأهم أن هذه التقنية تسمح للسودان باستصلاح ملايين الهكتارات الجديدة، وتحويلها إلى أراضٍ منتجة، دون استنزاف الموارد المحدودة.

 

السودان اليوم، بفضل هذه المشاريع، بدأ يتحول من سلة غذاء عربية محتملة إلى سلة غذاء فعلية. القمح والذرة والسمسم والفول السوداني التي تنتجها الأراضي السودانية باستخدام هذه التقنيات الذكية، بدأت تصل إلى الأسواق العربية، وتقلل الاعتماد على الاستيراد من الخارج.

 

الطاقة الشمسية والبيوت المحمية المبردة: زراعة الصحراء

في المناطق الصحراوية العربية، حيث تصل الحرارة إلى خمسين درجة مئوية، وتندر المياه، وتموت النباتات قبل أن تنمو، كان التحدي الأكبر هو: كيف نزرع في هذه البيئة القاسية؟

 

الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي طورت نموذجاً فريداً يجمع بين الطاقة الشمسية والبيوت المحمية المبردة. الفكرة بسيطة لكنها عبقرية: استخدام الطاقة الشمسية، المتوفرة بكثرة في صحرائنا، لتشغيل أنظمة تبريد داخل البيوت المحمية، مما يخلق بيئة مناسبة لنمو الخضروات حتى في أشد شهور الصيف حرارة.

 

هذه التقنية تم تطويرها بالتعاون مع مراكز بحثية عربية وأجنبية، وتم تكييفها لتناسب الظروف المحلية. البيوت المحمية صممت لتتحمل الرياح العاتية، وأنظمة التبريد طورت لتستهلك أقل قدر من الطاقة، والخضروات المنتقاة هي تلك التي تتحمل درجات الحرارة المرتفعة وتستهلك مياهاً قليلة.

 

المشاريع التجريبية في الإمارات والسعودية وقطر أثبتت نجاح هذه التقنية. اليوم، يمكن زراعة الطماطم والخيار والفلفل في قلب الصحراء، في منتصف الصيف، باستخدام مياه قليلة وطاقة شمسية نظيفة. المزارعون المحليون بدأوا يتبنون هذه التقنية، وبدأت الأسواق المحلية تستقبل منتجات كانت تستورد بالكامل من الخارج.

 

مشروع موريتانيا الكبير: إحياء وادي نهر السنغال

على الحدود بين موريتانيا والسنغال، يمتد وادي نهر السنغال لمسافة مئات الكيلومترات. هذه المنطقة كانت تاريخياً سلة غذاء المنطقة، لكنها عانت عقوداً من الإهمال والجفاف والصراعات.

 

الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي أطلقت مشروعاً ضخماً لإحياء هذا الوادي، يشمل استصلاح مئات الآلاف من الهكتارات، وبناء شبكات ري حديثة، وإدخال تقنيات زراعية متطورة، وتدريب آلاف المزارعين.

 

المشروع لا يقتصر على الزراعة فقط، بل يشمل أيضاً تنمية المجتمعات المحلية، وبناء مدارس ومراكز صحية، وتوفير فرص عمل للشباب. الفكرة هي أن التنمية الزراعية الحقيقية لا تنفصل عن التنمية البشرية، وأن استصلاح الأرض يجب أن يصاحبه استصلاح الإنسان.

 

موريتانيا، التي كانت تعتمد على استيراد معظم غذائها، بدأت تخطو خطوات ثابتة نحو الاكتفاء الذاتي. الأرز والخضروات والفواكه التي تنتجها مشاريع الهيئة تغطي اليوم جزءاً متزايداً من احتياجات السوق المحلي، وتصدر الفائض إلى الدول المجاورة.

 

بين التصورين العربيين: استعادة الذهب السوري وتوطين التقنيات الذكية

لفهم قيمة هذين المشروعين العربيين، يمكن النظر إليهما كوجهين متكاملين لعملة واحدة، لكل منهما فلسفته الخاصة ونطاق تأثيره المميز.

 

من حيث الفكرة الرئيسية، يركز مشروع استعادة “ذهب سوريا” على إحياء تراث زراعي وطني باستخدام أحدث التقنيات، مستلهماً من عمق التاريخ قوته لمواجهة تحديات الحاضر. بينما يقوم مشروع توطين التقنيات الذكية على استيراد وتكييف تقنيات عالمية لحل مشكلات عربية مشتركة، واضعاً نصب عينيه بناء مستقبل عربي متكامل.

 

أما من حيث البعد الفريد، فالمشروع السوري يتميز ببعده التاريخي والجيني، حيث يعيد إحياء سلالات قمح عريقة مقاومة للجفاف، تحمل في جيناتها آلاف السنين من التكيف مع بيئة الهلال الخصيب. في المقابل، يتميز مشروع الهيئة العربية ببعده المؤسسي والتطبيقي، حيث يطور حلولاً عملية لبيئات عربية محددة، من السودان إلى جزر القمر، ومن الصومال إلى موريتانيا.

 

التقنيات المستخدمة في المشروعين تعكس هذه الفلسفات المختلفة. فمشروع القمح السوري يعتمد على التعديل الوراثي المتقدم باستخدام تقنيات مثل كريسبر، والتلقيح الحيوي، واستنباط السلالات بالطرق التقليدية والحديثة. أما مشروع الهيئة العربية فيعتمد على مجموعة متنوعة من التقنيات التطبيقية: الزراعة بدون حرث لحماية التربة الهشة، والزراعة النسيجية لإكثار المحاصيل المحلية، والطاقة الشمسية والبيوت المحمية المبردة لزراعة الصحراء، والزراعة الدقيقة باستخدام نظم المعلومات الجغرافية وتقنيات تحديد المواقع.

 

نطاق التأثير في المشروعين مختلف أيضاً. فمشروع القمح السوري وطني في المقام الأول، يستهدف استعادة الأمن الغذائي لسوريا بعد سنوات الحرب والدمار، لكنه يمثل أهمية كبرى للتراث العالمي للقمح، حيث أن البذور السورية تحمل جينات فريدة قد تكون مفتاحاً لمواجهة تحديات الجفاف حول العالم. أما مشروع الهيئة العربية فهو إقليمي بامتياز، يمتد تأثيره من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، ويجمع دولاً عربية متعددة في مشاريع متكاملة.

 

الخطر المحدق بالمشروعين وإن اختلفت طبيعته، إلا أنهما يواجهان تهديدات وجودية. فمشروع القمح السوري مهدد بالحرب المستمرة، والتهجير القسري للسكان، وفقدان البذور الأصلية بسبب الإهمال والتدمير الممنهج. ومشروع الهيئة العربية مهدد بالتغير المناخي المتسارع، وشح الموارد المائية المتزايد، وضعف التمويل المخصص للبحث والتطوير الزراعي في العالم العربي.

 

الفرصة المتاحة للجانبين هي ما يبعث الأمل في النفوس. فمشروع القمح السوري يمكن أن يكون حجر الزاوية في إعادة إعمار سوريا بعد الحرب، من خلال إحياء الزراعة باستخدام البذور الأصلية التي أثبتت كفاءتها عبر آلاف السنين. ومشروع الهيئة العربية لديه فرصة ذهبية للتوسع، من خلال نقل تجاربه الناجحة في السودان وجزر القمر وموريتانيا إلى كل الدول العربية، وبناء شبكة عربية متكاملة للأمن الغذائي.

 

هذان المشروعان يمثلان معاً رؤية متكاملة للزراعة العربية: أصالة وحداثة، تراث وتقنية، ماضي ومستقبل. الأول يعيد إحياء الماضي ليستلهم منه حلولاً للمستقبل، والثاني يستورد المستقبل ليكيّفه مع خصوصية الماضي. كلاهما ضروري، وكلاهما مكمل للآخر.

 

رسالة إلى العالم العربي: وحدتنا هي قوتنا

ما يميز مشاريع الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي هو بعدها العربي المشترك. الهيئة ليست مملوكة لدولة واحدة، بل هي مملوكة لـ 16 دولة عربية مجتمعة. قراراتها لا تخدم مصلحة قطرية ضيقة، بل تهدف إلى تعزيز التكامل الزراعي العربي، وتحقيق الأمن الغذائي للجميع.

 

من السودان إلى جزر القمر، ومن الصومال إلى موريتانيا، تعمل الهيئة على مشاريع متكاملة تربط الدول العربية ببعضها. المزارع السوداني ينتج غذاء يصل إلى المستهلك الخليجي، والتقنية المطورة في الإمارات تطبق في اليمن، والخبرة المصرية تنقل إلى ليبيا.

 

هذا هو النموذج الذي نحتاجه في عالمنا العربي: نموذج يعتمد على التعاون لا التنافس، والتكامل لا الانعزال، والشراكة لا الهيمنة. نموذج يدرك أن تحدياتنا واحدة: الجفاف، والتصحر، وشح المياه، والتغير المناخي. وحلولنا يجب أن تكون واحدة أيضاً.

 

خاتمة: من الهلال الخصيب إلى المحيط الأطلسي، مستقبل عربي يصنع بأيدٍ عربية

من قمح سوريا التاريخي الذي يحمل في جيناته ذاكرة آلاف السنين، إلى تقنيات الزراعة الدقيقة في السودان التي تحمل في خوارزمياتها مستقبل الزراعة الذكية، يقدم لنا العالم العربي نموذجين فريدين للابتكار الزراعي.

 

التحديات التي تواجهنا كبيرة، بل هائلة. الجفاف يزداد، والمياه تنضب، والتصحر يتقدم، والسكان يتزايدون. لكن هذه المشاريع تثبت أننا نملك الإرادة والعلم والقدرة على المواجهة. نملك بذوراً تاريخية طورتها آلاف السنين من التكيف مع أصعب الظروف. ونملك عقولاً شابة تستطيع استيعاب أحدث التقنيات وتكييفها مع واقعنا.

 

ما نحتاجه هو إرادة سياسية عربية حقيقية، وتمويل كافٍ، وتعاون وثيق بين كل الدول العربية. ما نحتاجه هو أن ندرك أن أمننا الغذائي هو أمننا القومي، وأن استقلالنا الزراعي هو استقلالنا الحقيقي.

 

من الهلال الخصيب في المشرق إلى المحيط الأطلسي في المغرب، تمتد أرض عربية واحدة، يواجه شعبها تحديات واحدة، ويحلم بمستقبل واحد. هذه المشاريع تثبت أن الحلم ممكن، وأن المستقبل يصنع بأيدٍ عربية، وببذور عربية، وبعقول عربية.

 

سؤال للقارئ

بينما تقرأ عن هذه المشاريع العربية الفريدة، عن قمح سوريا الذي أنقذ محاصيل أميركا، وعن تقنيات الزراعة الدقيقة في السودان، وعن مختبرات الزراعة النسيجية في جزر القمر، يبقى السؤال مفتوحاً:

 

هل نملك كعرب الإرادة لتحويل هذه المشاريع الناجحة إلى نموذج عربي متكامل للتعاون الزراعي؟ هل نستطيع تجاوز خلافاتنا السياسية وحدودنا الجغرافية لبناء سوق عربية مشتركة للغذاء؟ وهل ندرك أن استثمارنا في بذورنا وأراضينا وتقنياتنا هو استثمار في مستقبل أولادنا وأمن أوطاننا؟

 

اللحظة حاسمة، والفرصة لا تزال متاحة، والأرض العربية تنتظر من يزرعها بعقول أبنائها، لا ببذور أعدائها. فهل نتحرك؟

 

أرقام للمستقبل: خارطة الطريق نحو 2030

بما أننا اليوم في عام 2026، لم يعد الحديث عن الأمن الغذائي مجرد أمنيات، بل تحول إلى خطط زمنية دقيقة تقودها الدول العربية والهيئات المشتركة. إن استشراف المستقبل حتى عام 2030 يكشف عن طموحات غير مسبوقة:

 

الاكتفاء الذاتي من القمح: تهدف المبادرات العربية (خاصة في مصر، السودان، والسعودية) إلى رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح لتصل إلى 65-70% بحلول عام 2030، مدعومة باستزراع ملايين الأفدنة الجديدة واستخدام أصناف مثل “شام 12” والأصناف المصرية الحديثة.

 

خلق فرص العمل: يُتوقع أن توفر مشاريع الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي وتوطين التقنيات الذكية أكثر من 5 ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب العربي في الريف بحلول نهاية العقد.

 

كفاءة المياه: تستهدف الرؤى العربية (مثل رؤية السعودية 2030 ومبادرات الإمارات) خفض استهلاك المياه في الزراعة بنسبة 40% من خلال التحول الكامل للري الذكي والزراعة بدون حرث، مع زيادة الإنتاجية في الوقت نفسه.

 

الاستثمار الزراعي: من المستهدف جذب استثمارات عربية ودولية في القطاع الزراعي الذكي تتجاوز 100 مليار دولار بحلول عام 2030، لتحويل الزراعة من قطاع تقليدي إلى قطاع تقني عالي الربحية.

 

رقمنة الحقول: الوصول إلى زراعة رقمية بنسبة 50% في المشاريع الكبرى، حيث تدار الحقول عبر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، مما يقلل الهدر في الأسمدة والبذور بنسبة تصل إلى 30%.

 

إن هذه الأرقام ليست مجرد توقعات، بل هي التزام معلن في استراتيجيات التنمية المستدامة العربية. وبحلول عام 2030، لن تكون بذورنا وتقنياتنا مجرد وسيلة للبقاء، بل ستكون الركيزة التي تجعل من العالم العربي شريكاً فاعلاً في قيادة الاقتصاد الأخضر العالمي.

 

ملاحظة توثيقية: هذه البيانات مستوحاة من التقارير الاستراتيجية الصادرة عن “المنظمة العربية للتنمية الزراعية”، و”الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي”، والخطط الوطنية (رؤية 2030) للدول العربية الرائدة في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى