مقالات

بنوك الجينات العربية: الاستثمار الأخير في مستقبل الأرض

كتب : إيهاب محمد زايد

سنابل الصمود: كيف تحمي جينات سوريا أمن العالم الغذائي؟. من بذور الهلال الخصيب: السيادة المفقودة والمستعادة. فالقمح السوري: حارس الهوية في وجه حروب الجينات. فمن حلب إلى كانساس: قصة القمح الذي أنقذ أمريكا من الجفاف. وشيفرة “شام 12”: هل تنهي البذور السورية عصر المجاعات؟ مع مختبرات التاريخ: أسرار الجينات السورية العابرة للقارات. استعادة “ذهب سوريا” المفقود: عندما تنقذ البذور السورية هوية أمة ومستقبل العالم. الذهب الأصفر السوري: ثروة تتجاوز حدود الجغرافيا. بذور سوريا: النفط الجديد الذي لا ينضب.

 

في زمن تتصارع فيه الأمم على براءات الاختراع الجينية، وتتبارى الشركات العملاقة على تسجيل جينات المحاصيل الاستراتيجية باسمها، تبرز قصة استثنائية من قلب الهلال الخصيب، حيث ولدت الزراعة قبل عشرة آلاف عام، وحيث لا تزال الأرض تحتفظ بأسرارها الجينية التي قد تنقذ العالم من مجاعة محققة. هذه القصة ليست عن تقنية جديدة أو اكتشاف حديث، بل عن شيء أعمق: عن هوية، وتراث، وإرث جيني فريد تمتلكه سوريا وحدها في العالم.

 

إنه مشروع “استعادة ذهب سوريا المفقود”، ذلك التصور العربي الفريد الذي لا يهدف فقط إلى تطوير محاصيل مقاومة للجفاف، بل إلى استعادة الروح الزراعية لسوريا، وإعادة بناء ما دمرته الحرب والجفاف، باستخدام أحدث أدوات التكنولوجيا الحيوية، ولكن انطلاقاً من أرض التاريخ نفسها.

 

من الهلال الخصيب إلى مختبرات العالم: قصة البذور السورية

سوريا ليست مجرد بلد آخر في منطقة تعاني من الجفاف. سوريا هي جزء من الهلال الخصيب، تلك البقعة الجغرافية التي شهدت أولى محاولات الإنسان لاستئناس النباتات والحيوانات، وتحول من صياد وجامع للطعام إلى مزارع ومستقر. في سهول حلب والجزيرة، وفي سفوح الجبال الساحلية، تطورت آلاف السلالات من القمح على مدى آلاف السنين، كل منها يحمل في جيناته قصة تكيف مع ظروف بيئية محددة.

 

هذا التراث الجيني الفريد لم يمر مرور الكرام على المجتمع العلمي الدولي. فمنذ عام 1977، أنشئ المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) في حلب، ليكون منارة للبحث العلمي في مجال تحسين المحاصيل المقاومة للجفاف. على مدى عقود، جمع المركز آلاف العينات من البذور السورية والأصناف المحلية، وحفظها في بنك جيني في مدينة تل حديا غرب حلب، ليصبح واحداً من أهم بنوك الجينات في العالم للمناطق الجافة .

 

ما جعل هذه البذور فريدة ليس عمرها التاريخي فقط، بل قدرتها الخارقة على التحمل. فالقمح السوري تطور عبر آلاف السنين في ظروف قاسية: جفاف متكرر، أمراض متنوعة، آفات محلية. هذه الضغوط الطبيعية أنتجت جينات فريدة قادرة على مقاومة الجفاف والآفات بطرق لا توجد في الأصناف التجارية الحديثة التي طورت في بيئات محمية.

 

دراسات موثقة: القمح السوري يتفوق في أقسى الظروف

الأبحاث العلمية تؤكد هذه الخصوصية الفريدة. دراسة نشرت عام 1995 في مجلة Euphytica قارنت بين 265 سلالة من القمح السوري والأردني النوع (syriacum) و238 سلالة من القمح الجزائري والتونسي (النوع (mediterraneum typicum النتائج كانت مذهلة: السلالات السورية تفوقت في الإنتاجية تحت ظروف الجفاف الشديد، بفضل نضجها المبكر، وفترة امتلاء الحبوب الأطول، وقصر قامتها، وتحملها الأكبر للجفاف .

 

دراسة أخرى أجريت عام 1994 في جامعة بانغور البريطانية أكدت أن التبكير في النضج كان الصفة الأكثر أهمية لضمان إنتاجية مقبولة تحت ظروف الجفاف الشديد في سوريا، وأن بعض السلالات السورية تمتلك قدرة على التعديل الأسموزي يمكن استغلالها في برامج التربية لتطوير أصناف أكثر تحملاً .

 

الأبحاث لم تتوقف. في عام 2012، نشر العالم السوري م. المسلمانى دراسة في دورية “African Journal of Agricultural Research” أثبتت أن أصناف القمح السوري المزروعة في منطقة دوما أظهرت استقراراً وتكيفاً أفضل وأداءً فسيولوجياً متميزاً تحت ظروف الإجهاد المائي. وخلصت الدراسة إلى أن هذه الصفات يمكن أن تكون أدوات قيمة للمربين لتحسين تحمل الجفاف .

 

وفي عام 2020، نشر باحثون سوريون دراسة في “Journal of Aridland Agriculture” أكدت وجود تباين وراثي كبير في الأصناف السورية، يمكن استغلاله لتحسين الإنتاجية تحت ظروف الزراعة المطرية .

 

الأحدث في هذا المجال كان دراسة نشرت عام 2025 في “Journal of Genetic and Environmental Resources Conservation” استخدمت فيها باحثون من الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية السورية تقنيات الواسمات الجزيئية ISSR لدراسة ستة أصناف من القمح السوري. النتائج كشفت عن ارتباطات وراثية مهمة بين واسمات جزيئية محددة وصفات تحمل الجفاف، مما يفتح الباب أمام استخدام “الانتخاب بمساعدة الواسمات” (MAS) لتطوير أصناف جديدة واعدة .

 

عندما أنقذ القمح السوري أميركا من الجفاف

ربما تكون القصة الأكثر إثارة التي تثبت القيمة العالمية للقمح السوري هي ما حدث في عام 2022، عندما استعانت مؤسسات بحثية أمريكية بالبذور السورية المحفوظة في بنوك الجينات الدولية لإنقاذ محاصيلها من الجفاف.

 

القصة بدأت قبل ذلك بعدة سنوات. في عام 2016، ومع تصاعد الحرب في سوريا، كان بنك الجينات في تل حديا مهدداً بالتدمير. في مشهد درامي، تمكن العلماء من إنقاذ 6000 عينة من البذور وتحميلها على شاحنة صغيرة، وتسعة صناديق فقط، وتهريبها عبر الحدود إلى لبنان . من هناك، تم نقل جزء منها إلى المغرب، وجزء إلى النرويج حيث حفظت في “كهف يوم القيامة” في سفالبارد.

 

في ولاية كانساس الأمريكية، كان المزارعون يعانون من كارثة حقيقية. ذبابة هيسيان، تلك الآفة المدمرة التي تقضي على القمح بتحويل أنسجة النبات إلى مادة سائلة تمتصها، كانت تسبب خسائر سنوية تصل إلى 10% من المحصول. وكانت الحلول التقليدية غير مجدية.

 

في مختبرات جامعة ولاية كانساس، قام فريق بحثي بتجربة وحشية لكنها فعالة: أطلقوا أسراباً من ذبابة هيسيان على 20 ألف بادرة قمح، منها أصناف تجارية أمريكية، ومنها عينات من البذور السورية المنقذة. النتائج كانت حاسمة: نوع بري من القمح اسمه Aegilops tauschii، وهو نبات شائع في سوريا، كان الوحيد القادر على مقاومة هجمات الذبابة بشكل كبير. سبعون في المئة من عينات هذا النبات قاومت الهجوم، دون أي مبيدات .

 

ما فعله هذا النبات كان مذهلاً: استطاع اكتشاف إحدى المواد التي تحقنها الذبابة في النبات، وبناء دفاع منعها من امتصاص الغذاء، فماتت الذبابة جوعاً. هذه الآلية الدفاعية الفريدة كانت قد تطورت في نباتات سوريا على مدى آلاف السنين من التعايش مع الآفة نفسها.

 

العالم مينغ شون تشن من جامعة ولاية كانساس وصف المشهد: “يبدو أن هذا النبات يمتلك القدرة على اكتشاف مكونات المادة التي تحقنها الذبابة وبناء دفاع ضده. الذبابة تصبح غير قادرة على الحصول على الغذاء من النبات، فتموت جوعاً”.

 

هذه القصة تكررت في ولايات أخرى. في إلينوي وداكوتا الشمالية، كانت التحديات مختلفة: فطر Fusarium head blight الذي يزدهر في الظروف الحارة الرطبة ويدمر القمح. وبيل دافيسون من جامعة إلينوي أكد أن الأصناف السورية كانت الأفضل أداءً في هذه الظروف القاسية، قائلاً: “أصناف الهلال الخصيب تتحمل هذه الظروف بشكل مذهل” .

 

التعاون الدولي: من حلب إلى العالم

المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) لم يتوقف عن العمل رغم الحرب. بعد نقله إلى المغرب ولبنان، واصل برامجه البحثية بالتعاون مع باحثين سوريين في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية (GCSAR) في عام 2024، أعلنت اللجنة الوطنية لاعتماد الأصناف النباتية في سوريا عن إطلاق صنف قمح جديد باسم “شام 12″، تم تطويره بالتعاون بين ICARDA و GCSAR.

 

“شام 12” ليس مجرد صنف عادي. تم اختباره لسنوات في حقول حماه ودرعا وحلب، بين عامي 2011 و2019، في أصعب فترات الحرب والجفاف. النتائج أظهرت تفوقاً ملحوظاً على الأصناف التجارية السابقة: إنتاجية أعلى بنسبة 9% إلى 28% في درعا وحماه، و7% إلى 21% في حلب، حسب الموسم والموقع. والأهم أن أداءه كان استثنائياً حتى في موسم 2017-2018 الجاف جداً، مما يؤكد استقراره وقدرته على التكيف مع الظروف البيئية المعاكسة .

 

متوسط إنتاجية “شام 12” يبلغ 2337 كجم/هكتار، مع وزن 1000 حبة يصل إلى 34 جراماً. يحتاج إلى 113 يوماً لبلوغ مرحلة طرد السنابل، و154 يوماً للنضج الكامل. كما يتميز بمقاومته المعتدلة للصدأ الأصفر، ذلك المرض الخطير الذي يهدد المحاصيل في المنطقة .

 

هذا الإنجاز هو ثمرة تعاون بدأ عام 1981، واستمر رغم كل الصعاب. إنه دليل على أن العلم يمكن أن يكون جسراً بين الشعوب، حتى في أحلك الظروف.

 

المكاسب الوراثية: 35 عاماً من التطوير

دراسة نشرت عام 2019 في مجلة “Crop Breeding, Genetics and Genomics” حللت المكاسب الوراثية التي حققها برنامج تربية القمح القاسي في ICARDA على مدى 35 عاماً (1974-2011). النتائج أظهرت زيادة سنوية في الإنتاجية بلغت 0.7%، معظمها بفضل التبكير في الإزهار وزيادة كثافة السنابل. لكن الدراسة حذرت من أن عملية التربية قد تسببت في فقدان 6.3% من التنوع الجيني الأصلي، وانخفاض كبير في الأليلات النادرة .

 

هذه النتائج تؤكد أهمية الحفاظ على الأصول الوراثية المحلية، مثل تلك الموجودة في سوريا، كمصدر للتنوع الذي قد نحتاجه في المستقبل لمواجهة تحديات غير متوقعة.

 

دراسات أحدث، نشرت عام 2023، استخدمت تقنيات متقدمة مثل “الترابط بالتحليل” (NAM) لتحديد مواقع وراثية مسؤولة عن تحمل الجفاف. فريق بحثي دولي ضم باحثين من سوريا ولبنان والمغرب تمكن من تحديد 18 موقعاً وراثياً مرتبطاً بتحمل الجفاف، وحولوا المؤشرات الجزيئية المرتبطة بها إلى أدوات عملية يمكن للمربين استخدامها لتطوير أصناف جديدة .

 

رسالة إلى العالم العربي: تراثنا الجيني هو مستقبلنا

ما حدث مع القمح السوري ليس مجرد قصة نجاح بحثية. إنه درس عميق في قيمة التراث الجيني المحلي. البذور التي كانت تزرع في حقول سوريا منذ آلاف السنين، والتي كادت الحرب أن تمحيها، تحولت إلى منقذ لمحاصيل العالم.

 

العالم العربي يمتد على مساحات شاسعة من الأراضي الجافة وشبه الجافة. لدينا تراث جيني هائل من المحاصيل المحلية: قمح سوري ومصري، وشعير مغربي وتونسي، وتمور خليجية، وزيتون فلسطيني وتونسي. كل هذه الأصناف تحمل جينات فريدة طورتها آلاف السنين من التكيف مع ظروفنا القاسية.

 

لكننا لا نستثمر هذا التراث كما يجب. كثير من هذه البذور معرض للانقراض بسبب الحرب والتغير المناخي والإهمال. بنوك الجينات العربية ما زالت ضعيفة، والتمويل محدود، والاهتمام السياسي متذبذب.

 

ما نحتاجه هو مشروع عربي موحد للحفاظ على التراث الجيني الزراعي، وتطويره باستخدام أحدث تقنيات التكنولوجيا الحيوية، وتحويله إلى ثروة اقتصادية حقيقية. مشروع عربي شبيه بما تفعله سوريا مع ICARDA، ولكن على نطاق أوسع، يشمل كل الدول العربية، ويستفيد من خبرات باحثينا في الداخل والخارج.

 

خاتمة: من حلب إلى العالم، رحلة الأمل

قصة القمح السوري هي قصة أمل في زمن اليأس. إنها تذكرنا بأن الإبداع البشري لا يتوقف عند حدود، وأن العلم يمكن أن ينتصر على الحرب والدمار. البذور التي هربت من حلب على شاحنة صغيرة، أصبحت اليوم تنمو في حقول كانساس وإلينوي وداكوتا الشمالية، وتحمي محصول القمح الأمريكي من آفات مدمرة.

 

الباحثون السوريون الذين فروا من بلدهم أو بقوا فيه يواجهون الموت والدمار، واصلوا عملهم في مختبرات لبنان والمغرب وتركيا وأوروبا، وأصدروا أبحاثاً رصينة في أهم الدوريات العلمية. تعاونهم مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة أنتج أصنافاً جديدة مثل “شام 12” التي ستنهض بالزراعة السورية عندما يحل السلام.

 

هذه القصة تحمل رسالة إلى كل عربي: تراثنا الجيني هو ثروتنا الحقيقية. الحفاظ عليه ليس مجرد عمل علمي، بل هو عمل وطني وقومي وإنساني. فالبذرة التي تزرعها اليوم في حقل صغير، قد تكون هي نفسها التي تنقذ ملايين البشر غداً من مجاعة محققة.

 

من الهلال الخصيب إلى العالم، ومن حلب إلى كانساس، تظل البذور السورية تحمل في جيناتها قصة الصمود والتكيف والأمل. وقصتنا نحن العرب لم تنته بعد، طالما أننا نحافظ على بذورنا ونطورها ونعتز بها.

 

سؤال للقارئ

بينما تقرأ هذه السطور، آلاف العينات من البذور العربية النادرة معرضة للانقراض في حقول مهملة أو بنوك جينات مهددة. ما هو دورنا كأفراد ومجتمعات وحكومات في الحفاظ على هذا التراث الجيني الفريد؟ وهل نملك الإرادة لتحويل هذا التراث إلى مشروع تنموي عربي كبير، يعيد للأمة العربية مكانتها كمنتج للمعرفة الزراعية لا مجرد مستورد للبذور؟

 

اللحظة حاسمة، والفرصة لا تزال متاحة، والبذور تنتظر. فهل نتحرك قبل فوات الأوان؟

 

البطاقة التعريفية لصنف القمح “شام 12”

هذا الصنف يمثل ذروة التعاون بين الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا (GCSAR) والمركز الدولي (ICARDA) النوع التصنيفي: قمح قاسي (Durum Wheat) البيئة المستهدفة: مناطق الاستقرار الأولى والثانية (الزراعة المطرية والمكملة).المميزات الإنتاجية:زيادة الغلة: تفوق على الأصناف السابقة (مثل شام 7 و9) بنسبة تصل إلى 28%.وزن الـ 1000 حبة: حوالي 34 جرام (مؤشر ممتاز للجودة التصنيعية للسميد).الدورة الحياتية:طرد السنابل: خلال 113 يوماً.النضج الكامل: خلال 154 يوماً.ملاحظة: هذا القصر في الدورة الحياتية يسمح للنبات بالهروب من “موجات الحرارة الخماسينية” المتأخرة.المقاومة الحيوية: يتمتع بمقاومة معتدلة لمرض الصدأ الأصفر، وهو أخطر التحديات الفطرية في حوض المتوسط.ثالثاً: حقائق إضافية حول “كنز حلب” (ICARDA)

لإعطائك صورة أشمل عن حجم هذا الإرث:قبو سفالبارد: البذور السورية كانت أول سحب عالمي يتم من “قبو يوم القيامة” في النرويج عام 2015 لإعادة استزراعها في المغرب ولبنان لتعويض الفاقد بسبب الحرب.التنوع المفقود: حذر هذا المقال من فقدان 6.3 % من التنوع الجيني؛ تقنياً هذا يعني اختفاء “أليلات” (Alleles) نادرة قد تكون هي المفتاح لمقاومة أمراض فطرية لم تظهر بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى