حين تضيق المنطقة… تتجه الأنظار إلى مصر

بقلم: أسامة شحاتة
في اللحظات الصعبة، لا تبحث الشعوب عن أصحاب الشعارات، بل عن الدول القادرة على إطفاء النيران قبل أن تلتهم الجميع. واليوم، بينما تتصاعد التوترات في المنطقة وتتسع دائرة الخوف من حرب لا يعرف أحد أين تنتهي، تعود الأنظار من جديد إلى مصر؛ الدولة التي ظلت، رغم ما تحملته من أعباء، صمام أمانٍ للعالم العربي.
مصر لم تتأخر يومًا عن أشقائها، ولم تتعامل مع أزمات العرب بمنطق المصالح الضيقة. دفعت من دماء أبنائها، وتحملت أعباء الحروب، وتأخر جزء من مسيرتها التنموية نتيجة انشغالها بالدفاع عن الأمن العربي. ومع ذلك، لم تغلق أبوابها يومًا في وجه شقيق، ولم تتخلَّ عن مسؤوليتها التاريخية تجاه الأمة.
واليوم، فإن الوقوف مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل واجب تفرضه روابط الدم والمصير المشترك. فأمن السعودية من أمن مصر، وأمن الخليج امتداد مباشر للأمن القومي المصري، وأي نار تشتعل في دولة عربية لن تتوقف آثارها عند حدودها.
لكن المنطقة لا تحتاج إلى المزيد من الصواريخ والتهديدات، بل إلى عقلٍ كبير يجمع الأطراف حول طاولة واحدة. وهنا يظهر الدور المصري الذي لا يستطيع أحد إنكاره؛ فالقاهرة تمتلك الخبرة السياسية، والثقل الإقليمي، والعلاقات التي تؤهلها لفتح قنوات اتصال مع السعودية وإيران ودول الخليج، والدعوة إلى مؤتمر إقليمي عاجل يوقف التصعيد ويمنع انزلاق الشرق الأوسط نحو الهاوية.
إن تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسي بصفته قائد أكبر دولة عربية قد يفتح بابًا حقيقيًا للتهدئة؛ ليس انحيازًا إلى طرف ضد آخر، وإنما دفاعًا عن شعوب المنطقة التي ستدفع وحدها ثمن أي حرب جديدة.
لقد جرب الشرق الأوسط الحروب طويلًا، وكانت النتيجة دولًا مدمرة، وشعوبًا مشردة، واقتصادات منهكة، بينما خرج المستفيدون الحقيقيون من خارج المنطقة أكثر قوةً ونفوذًا. ولذلك، فإن السلام اليوم ليس ضعفًا، والتفاوض ليس تنازلًا، بل هما أعلى درجات القوة والحكمة.
آن الأوان لأن تدرك الدول العربية وإيران أن الجغرافيا تجمعها، وأن الخلاف مهما اشتد لن يلغي حقيقة الجوار. المطلوب تفاهمات واضحة تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، ووقف تهديد أمنها، وتسوية الأزمات بالطرق السياسية.
مصر قادرة على أن تقود هذه اللحظة التاريخية، وأن تجمع الفرقاء قبل فوات الأوان. فالمنطقة لا ينقصها السلاح، وإنما ينقصها القرار الحكيم، والموقف الموحد، والإرادة التي تضع حياة الشعوب فوق الحسابات الضيقة.
حين تضيق المنطقة بالجميع، تبقى القاهرة هي الباب الذي يمكن أن يُفتح منه طريق السلام.
حفظ الله مصر، وحفظ المملكة العربية السعودية، وحفظ شعوب المنطقة من شر الحروب والفتن.
بقلم: أسامة شحاتة



