سامح فهمي يشعل المنصات..

بقلم _ اسامه شحاته

أشعل حوار المهندس سامح فهمي، وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق، مع قناة «العربية» منصات التواصل الاجتماعي، وفتح بابًا واسعًا من الجدل والتساؤلات حول ملفات الطاقة والإنتاج ومستقبل قطاع البترول في مصر.
لكن الحوار لم يكشف فقط عن تفاصيل من الماضي، بل كشف كذلك عن أزمة إعلامية تستحق التوقف أمامها.
فعندما يتساءل إعلامي بحجم عمرو أديب: «كنا فين من الحوار؟»، فإن السؤال لا يتعلق بحوار واحد، بقدر ما يفتح ملفًا أكبر: لماذا ننتظر الأزمات حتى نبحث عن أصحاب الخبرة؟ ولماذا تُترك شخصيات عاشت المشكلات، وشاركت في صناعة القرارات، ووضعت حلولًا حقيقية، بعيدًا عن دوائر النقاش العام لسنوات؟
سامح فهمي لم يظهر ليقدم ذكريات، وإنما تحدث بلغة رجل عاش التجربة من داخلها.
في عهده كان تعداد السكان أقل بكثير من اليوم، وكانت معادلة الإنتاج والاستهلاك مختلفة، لكن ما لفت الانتباه في حديثه هو ما تحقق وقتها من توسع في التصنيع المحلي لمهمات البترول، وإقامة شراكات سمحت بتصنيع جانب مهم من احتياجات القطاع داخل مصر، بدلًا من استيراد كل شيء بالعملة الصعبة.
وهنا تكمن قيمة الرؤية.
فالدولة التي تصنع احتياجاتها، وتدفع جانبًا منها بالجنيه المصري، وتحافظ على الدولار للاستثمارات والاحتياجات الاستراتيجية، هي دولة تبني قاعدة اقتصادية حقيقية، وليست مجرد دولة مستهلكة.
كما أن مشروعات إسالة الغاز التي أُنشئت خلال تلك المرحلة أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من البنية التي يمكن أن تدعم طموح مصر لأن تكون مركزًا إقليميًا للطاقة.
والسؤال الذي لا بد من طرحه بوضوح: هل خاف الإعلام، أو تردد، في الاقتراب من سامح فهمي لأنه كان وزيرًا في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام مشكلة حقيقية.
لأن الخبرة لا تسقط بسقوط منصب، ولا تُلغى بتغير نظام سياسي.
والحقيقة أن كثيرًا من المسؤولين والوزراء والقيادات الذين برزوا في مراحل سابقة ما زالوا يعملون ويقدمون خبراتهم، وبعضهم عاد إلى المشهد من بوابات مختلفة، لأن الدول الجادة لا تهدر الخبرات، وإنما تستفيد منها وتناقشها وتراجعها.
لسنا مطالبين بتقديس الماضي، كما أننا لسنا مطالبين بمحوه.
المطلوب هو الإنصاف.
أن نسمع من نجح، وأن نناقش من أخفق، وأن نعرف كيف اتُخذ القرار، ولماذا نجح مشروع وفشل آخر، لأن الخبرة المتراكمة هي إحدى أهم ثروات الدول.
حوار سامح فهمي نجح لأنه قدم للجمهور شيئًا افتقده كثيرًا: رجل مسؤول يتحدث عن تجربة عاشها، لا عن ملفات قرأ عنها أو سمع عنها.
ولهذا انتشرت مقاطع الحوار، وتناقلها المتابعون، وبدأت المقارنات، وظهرت الأسئلة، وتحول اسم سامح فهمي مجددًا إلى واحد من أكثر الأسماء حضورًا في النقاش حول قطاع البترول والطاقة.
قد نتفق معه، وقد نختلف.
لكن المؤكد أن الحوار أثبت أن هناك شخصيات وطنية تمتلك من الخبرة والرؤية ما يجعل الاستماع إليها ضرورة، خاصة في الأوقات الصعبة.
فالوطن لا يحتاج فقط إلى وجوه جديدة، وإنما يحتاج أيضًا إلى ذاكرة حقيقية، وإلى رجال يعرفون أين كانت المشكلات، وكيف عولجت، وأي القرارات نجحت وأيها لم ينجح.
ولهذا فإن عودة سامح فهمي إلى واجهة النقاش لم تكن مجرد ظهور إعلامي عابر.
إنها رسالة للإعلام قبل أي شخص آخر:
لا تنتظروا الأزمة حتى تبحثوا عن أصحاب الحلول.
ابحثوا عن الخبرة قبل أن يصبح السؤال: «كنا فين؟»



