الطاقه اليوم

ميناء الحمراء.. هل تولد على شاطئ العلمين «فجيرة المتوسط»؟

 

القرار 65 يفتح الباب أمام مشروع عملاق لرفع التخزين إلى 10.5 مليون برميل وتحويل مصر إلى لاعب مؤثر في تجارة الطاقة

بقلم: أسامة شحاتة

لم يعد السؤال المطروح على ساحل العلمين الجديدة هو: كم برميلًا من خام الصحراء الغربية يستطيع ميناء الحمراء استقباله وتصديره؟ بل أصبح السؤال الأكبر: هل تتحول مصر من دولة يمر عبرها البترول إلى دولة تشارك في تخزينه وتجهيزه وخلطه وتجارته وإعادة تصديره؟

هذا هو جوهر المشروع الجديد المرتبط بقرار مجلس الوزراء رقم 65 لسنة 2026، بإنشاء منطقة حرة خاصة داخل نطاق توسعات ميناء الحمراء البترولي، على مساحة تقارب 737 ألفًا و915 مترًا مربعًا، في الجزء الجنوبي من طريق الإسكندرية–مطروح الساحلي.

نحن لا نتحدث عن إضافة مجموعة من الخزانات إلى ميناء قائم، وإنما عن محاولة لبناء مركز إقليمي متكامل للطاقة على البحر المتوسط، قادر على استقبال النفط الخام والمنتجات البترولية وتخزينها وتداولها وإجراء عمليات صناعية وتجهيزية عليها، ثم إعادة تصديرها إلى الأسواق العالمية.

من بوابة للصحراء الغربية إلى منصة دولية

ظل ميناء الحمراء، التابع لشركة بترول الصحراء الغربية «ويبكو»، يؤدي دورًا استراتيجيًا في استقبال وتخزين وشحن خامات الصحراء الغربية، من خلال منشآته البرية والبحرية والشمندورة المخصصة لتداول الخام.

لكن المشروع الجديد ينقل الميناء إلى مستوى مختلف تمامًا.

فالخطة تستهدف رفع طاقته التخزينية من نحو 2.8 مليون برميل إلى قرابة 10.5 مليون برميل؛ أي ما يقرب من أربعة أمثال قدرته الحالية.

وهذه القفزة ليست مجرد توسع هندسي، بل تغيير في وظيفة الميناء نفسه؛ من منشأة مرتبطة أساسًا بإنتاج الصحراء الغربية إلى مركز مفتوح أمام حركة النفط والمنتجات البترولية القادمة من أسواق ومناطق متعددة.

هنا يصبح ميناء الحمراء جزءًا من خريطة التجارة الدولية للطاقة، وليس مجرد محطة نهائية لأنابيب الإنتاج المحلي.

المنطقة الحرة.. قلب المشروع

إنشاء منطقة حرة خاصة يعني منح المشروع إطارًا استثماريًا وتجاريًا يسمح باستقبال الشحنات وتخزينها وتجهيزها وإعادة تصديرها بمرونة أكبر.

والهدف لا يتوقف عند تأجير الخزانات أو تحصيل رسوم انتظار السفن، بل يمتد إلى منظومة تشمل تخزين الخام والمنتجات البترولية، وخلط أنواع مختلفة من الخامات للوصول إلى المواصفات المطلوبة، وتنفيذ عمليات تجهيزية وصناعية، ثم إعادة تصدير الشحنات في التوقيت الذي يحقق أفضل عائد.

كما يفتح المشروع الباب أمام تقديم خدمات الشحن والتفريغ والقياس والفحص والتأمين والتموين والصيانة والخدمات البحرية واللوجستية.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمشروع؛ فالدولة لا تحصل فقط على مقابل مرور البرميل، بل تستفيد من تخزينه ومناولته وفحصه وخلطه وتجهيزه وإعادة شحنه.

كل خدمة يحصل عليها البرميل داخل مصر تعني قيمة مضافة وعائدًا دولاريًا وفرصة عمل جديدة.

لماذا ميناء الحمراء؟

اختيار ميناء الحمراء لم يأتِ من فراغ.

فالميناء يقع على الساحل الشمالي لمصر، بالقرب من طرق الملاحة والأسواق الأوروبية وموانئ البحر المتوسط، كما يمتلك بنية أساسية بترولية قائمة وخبرة تشغيلية متراكمة وشبكة لاستقبال وتخزين وشحن الخام.

ويأتي المشروع داخل نطاق العلمين الجديدة، بما تشهده من تطوير عمراني وشبكات طرق ومرافق واستثمارات ضخمة.

وبذلك قد لا تبقى العلمين مدينة سياحية وموسمية فقط، بل تتحول إلى مدينة ذات ثلاثة أوجه متكاملة: السياحة والعمران والطاقة.

وإذا نجح المشروع في جذب حركة تجارية منتظمة، فسوف تمتد آثاره إلى شركات النقل البحري والخدمات الهندسية والصيانة والتأمين والإمداد والفحص المعملي وتكنولوجيا التشغيل، فضلًا عن فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

«الفجيرة العلمين».. الخبرة الإماراتية تصل إلى المتوسط

يحمل تأسيس شركة «الفجيرة العلمين للنفط والغاز» دلالة تتجاوز الاسم؛ فالمشروع يأتي في إطار التعاون الاستراتيجي والاقتصادي بين مصر والإمارات، واستكمالًا لمذكرة التفاهم الموقعة بين وزارة البترول وحكومة إمارة الفجيرة.

وتُعد الفجيرة من أهم مراكز تخزين وتداول وتموين النفط في المنطقة، بفضل موقعها وبنيتها التخزينية وخدماتها البحرية والتجارية المتكاملة.

ومن هنا، لا تقتصر قيمة الشراكة على التمويل، بل تمتد إلى نقل الخبرات التشغيلية والتجارية والتكنولوجية: كيف تُدار الخزانات؟ وكيف تُجذب شركات تجارة الطاقة؟ وكيف تُدار المخاطر؟ وكيف يتحول الموقع الجغرافي إلى إيرادات مستدامة؟

المطلوب ليس استنساخ تجربة الفجيرة، وإنما الاستفادة منها في بناء نموذج مصري يناسب البحر المتوسط، ويستثمر موقع مصر وقناة السويس وشبكة خطوط الأنابيب والموانئ الوطنية.

هل ينافس الحمراء «سوميد»؟

المقارنة بين ميناء الحمراء وشركة «سوميد» مشروعة، لكنها تحتاج إلى دقة.

فسوميد ليست مجرد خط لتحصيل رسوم عبور البترول، بل تمتلك بنية استراتيجية لنقل وتخزين وتداول الخام والمنتجات البترولية، وتؤدي دورًا مهمًا في ربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.

أما مشروع الحمراء فيضيف منصة جديدة على الساحل الشمالي، تقوم بصورة أساسية على التخزين والتداول والخدمات اللوجستية والتجهيز وإعادة التصدير داخل منطقة حرة.

لذلك، فالعلاقة المثالية بينهما ليست المنافسة، بل التكامل الوطني؛ فسوميد تربط بين البحرين وتخدم حركة العبور والتداول، بينما يوسع الحمراء قدرة مصر على التخزين والتجارة وتقديم الخدمات على المتوسط.

وعندما تعمل الموانئ والخطوط والمستودعات المصرية داخل شبكة واحدة، تتحول مصر بأكملها إلى منصة طاقة مترابطة، بدلًا من بقاء كل منشأة جزيرة منفصلة.

الناقلات تمر بالقرب منا.. فهل تنجح مصر في جذبها؟

تمر عبر قناة السويس وبالقرب من السواحل المصرية حركة ضخمة من ناقلات النفط والمنتجات البترولية. والتحدي الحقيقي هو جذب نسبة من هذه الحركة لاستخدام الموانئ والخدمات المصرية.

فالموقع الجغرافي وحده لا يصنع مركزًا إقليميًا.

المركز الحقيقي يحتاج إلى أسعار تنافسية، وسرعة في تداول الشحنات، ووضوح في الإجراءات، وقدرة على استقبال السفن بكفاءة، ونظم قياس وفحص معترف بها دوليًا، وأعلى معايير السلامة وحماية البيئة، فضلًا عن عقود طويلة الأجل تضمن تشغيل السعات التخزينية.

فالخزان الفارغ لا يصنع أرباحًا، والميناء لا يتحول إلى مركز عالمي بمجرد صدور قرار.

النجاح يبدأ عندما توقع الشركات الدولية عقودها، وتصل الناقلات، وتتحرك الشحنات، وتدور عجلة التداول بصورة منتظمة.

مليارات محتملة تتجاوز رسوم المرور

إذا نُفذ المشروع وفق المعايير المستهدفة، يمكن لمصر تحقيق عوائد دولارية متنوعة من تأجير السعات التخزينية، ورسوم المناولة والشحن والتفريغ، وعمليات الخلط والتجهيز، والخدمات البحرية وتموين السفن، والفحص والقياس والتحليل، وإعادة تصدير الخام والمنتجات.

كما يمكن للمشروع جذب شركات تجارة الطاقة العالمية، وتشغيل الشركات المصرية العاملة في الإنشاءات والصيانة والنقل والخدمات اللوجستية.

لكن هذه المكاسب ليست مضمونة تلقائيًا، بل ترتبط بحجم التداول الفعلي، ونسب إشغال الخزانات، وقوة التسويق الدولي، وتكلفة الخدمات مقارنة بالمراكز المنافسة.

القرار 65.. بداية الطريق

قرار مجلس الوزراء رقم 65 لسنة 2026 يمنح المشروع إطارًا قانونيًا ومساحة واضحة للعمل، لكنه يمثل بداية الطريق وليس نهايته.

فالتحول إلى مركز إقليمي يحتاج إلى جدول زمني معلن، واستثمارات محددة، وعقود تشغيل، ومراحل تنفيذ قابلة للقياس، وإفصاح واضح عن نسب الإنجاز والعائد الاقتصادي المتوقع.

كما يتطلب المشروع رقابة صارمة على اشتراطات الأمان ومكافحة الحرائق والتسربات وحماية البيئة البحرية، خصوصًا أن الموقع يقع على واحد من أهم السواحل السياحية والعمرانية في مصر.

التنمية البترولية والسياحة ليستا متعارضتين، بشرط تطبيق أعلى المعايير الدولية وعدم السماح بأن تتحول المكاسب الاقتصادية إلى تكلفة بيئية تدفعها الأجيال المقبلة.

الحمراء أمام فرصة تاريخية

ما يجري على شاطئ العلمين قد يكون واحدًا من أهم التحولات في خريطة الطاقة المصرية خلال السنوات المقبلة.

فمصر تمتلك الموقع وقناة السويس والموانئ وخطوط الأنابيب والخبرات البشرية والسوق المحلية والعلاقات الممتدة بين الشرق والغرب. وما ينقص هذه العناصر هو جمعها داخل منظومة تجارية قادرة على المنافسة وجذب الشحنات والاستثمارات.

إذا اكتمل التوسع، وارتفعت السعة إلى 10.5 مليون برميل، ونجحت شركة «الفجيرة العلمين» في جلب الخبرة والعملاء والعقود، فلن يبقى ميناء الحمراء مجرد بوابة لتصدير خام الصحراء الغربية.

بل سيصبح مرشحًا ليكون مخزنًا للمتوسط، وسوقًا لتداول الطاقة، ومحطة لإعادة التصدير، ومصدرًا جديدًا للعملة الأجنبية.

أما إذا اقتصر المشروع على إنشاء الخزانات دون بناء سوق حقيقية حولها، فستبقى الأرقام ضخمة على الورق، بينما تظل القيمة المضافة محدودة.

المعركة ليست معركة خرسانة وخزانات، بل معركة إدارة وتسويق وثقة وسرعة وكفاءة.

القرار صدر، والمساحة خُصصت، والشراكة بدأت.. ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة: هل تنجح مصر في صناعة «فجيرة المتوسط» على أرض العلمين؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى