
والمواطن يدفع فاتورة الزيادات
بقلم _أسامه شحاته
منذ أن كُلِّف الدكتور مصطفى مدبولي بتشكيل الحكومة في يونيو 2018، دخل الاقتصاد المصري مرحلة جديدة اتسمت بإعادة هيكلة أسعار الطاقة، وخفض الدعم، وتحريك سعر الصرف، في ظل أزمات عالمية ومحلية متلاحقة ألقت بظلالها على حياة المواطنين.
لم تبدأ حكومة مدبولي من ظروف مستقرة؛ فقد تسلمت البلاد في وقت كانت فيه آثار برنامج الإصلاح الاقتصادي لا تزال مستمرة، مع ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة تكلفة الاستيراد، وضغوط كبيرة على الموازنة العامة. وخلال السنوات التالية شهد المواطن موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، جعلت دخله يلاحق الأسعار دون أن يتمكن من تعويض الزيادة في تكاليف المعيشة.
البنزين والسولار.. الزيادة الأكبر في تكلفة الحركة
في يونيو 2018، كان سعر لتر بنزين 80 يبلغ 5.50 جنيه، وبنزين 92 نحو 6.75 جنيه، وبنزين 95 نحو 7.75 جنيه، بينما كان سعر لتر السولار 5.50 جنيه.
أما في سبتمبر 2026، فقد وصل سعر بنزين 80 إلى 20.75 جنيه، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 إلى 24 جنيهًا، بينما بلغ سعر السولار 20.50 جنيه.
وبالحساب، ارتفع سعر بنزين 80 بنحو 277%، وبنزين 92 بنحو 230%، وبنزين 95 بنحو 210%، بينما زاد السولار بنحو 273%.
ولا تتوقف آثار هذه الزيادات عند محطات الوقود، فالسولار يدخل في تشغيل سيارات النقل والأتوبيسات والميكروباصات والآلات الزراعية والمخابز والمصانع، ولذلك تنتقل الزيادة سريعًا إلى أجور المواصلات وأسعار السلع والخدمات.
أسطوانة البوتاجاز.. من 50 إلى 275 جنيهًا
في عام 2018، كان سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية 50 جنيهًا، ثم ارتفع إلى 65 جنيهًا في 2019، و70 جنيهًا في 2021، و75 جنيهًا في 2022، قبل أن يقفز إلى 225 جنيهًا ثم إلى 275 جنيهًا في مارس 2026.
وبذلك تكون الأسطوانة قد ارتفعت بنسبة تقارب 450% خلال سنوات حكومة مدبولي، بينما وصل سعر الأسطوانة التجارية إلى 550 جنيهًا.
ورغم استمرار الدولة في دعم جزء من تكلفة البوتاجاز، فإن الزيادة أصبحت عبئًا كبيرًا على الأسر التي لا يصل إليها الغاز الطبيعي، خاصة في القرى والمناطق النائية.
الغاز الطبيعي.. زيادات متعددة على شرائح الاستهلاك
في يوليو 2018، كان سعر متر الغاز الطبيعي للمنازل يبدأ من 1.75 جنيه للشريحة الأولى، و2.50 جنيه للشريحة الثانية، و3 جنيهات للشريحة الثالثة.
أما في عام 2026، فأصبح سعر المتر 6 جنيهات للشريحة الأولى، و8 جنيهات للشريحة الثانية، و12 جنيهًا للشريحة الثالثة.
وبذلك ارتفعت الشريحة الأولى بنحو 243%، والثانية بنحو 220%، والثالثة بنحو 300%.
كما ارتفع سعر غاز تموين السيارات من 2.75 جنيه للمتر المكعب في 2018 إلى نحو 13.50 جنيه، بزيادة تقترب من 391%.
الكهرباء.. من 22 قرشًا إلى 2.89 جنيه
كانت تعريفة الكهرباء المنزلية في عام 2018 تبدأ من 22 قرشًا للكيلووات في الشريحة الأولى، و30 قرشًا للشريحة الثانية، و36 قرشًا للشريحة الثالثة، بينما وصلت الشريحة الأعلى إلى 1.45 جنيه للكيلووات.
وفي أغسطس 2026، أصبحت الشريحة الأولى 68 قرشًا، والثانية 87 قرشًا، والثالثة 1.06 جنيه، والرابعة 1.74 جنيه، والخامسة 2.18 جنيه، والسادسة 2.35 جنيه، بينما وصل سعر الشريحة التي تتجاوز ألف كيلووات إلى 2.89 جنيه.
وبذلك ارتفعت الشريحة الأولى بنحو 209%، والثانية 190%، والثالثة 194%، بينما تراوحت الزيادة في باقي الشرائح بين 74% و149% تقريبًا.
لكن المواطن لا يدفع سعر الكيلووات وحده، إذ تضاف رسوم خدمة العملاء والدمغات وفروق القراءة والتراكم، ما يجعل قيمة الفاتورة النهائية في كثير من الحالات أعلى من نسبة الزيادة المعلنة في سعر الكهرباء.
الدولار.. الجنيه فقد جزءًا كبيرًا من قيمته
في يونيو 2018، كان سعر الدولار الرسمي يقترب من 17.93 جنيه للبيع، بينما تجاوز في أحدث الأسعار الرسمية 52.7 جنيهًا.
وهذا يعني ارتفاع الدولار بنحو 194%، وهو ما انعكس على كل سلعة تعتمد على الاستيراد أو على مكونات مستوردة، من الأجهزة وقطع الغيار والأدوية إلى الأعلاف والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
ولم تكن أزمة الدولار مجرد ارتفاع في سعر العملة، بل أدت في فترات مختلفة إلى صعوبة تدبير العملة الأجنبية، وتراكم طلبات الاستيراد، وارتفاع أسعار السلع بسبب نقص المعروض وزيادة تكلفة الإفراج عن البضائع.
أزمات متلاحقة زادت الضغوط على المواطنين
واجهت حكومة مدبولي خلال سنواتها أزمات كبيرة، بدأت بجائحة كورونا التي أثرت على السياحة والاستثمار وتحويلات المصريين بالخارج، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتدفع أسعار القمح والطاقة والشحن إلى مستويات مرتفعة عالميًا.
كما شهدت البلاد ضغوطًا على إمدادات الغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، ما أدى في فترات مختلفة إلى تخفيف الأحمال وانقطاعات مؤقتة، واضطرت الدولة إلى تدبير شحنات من الغاز المسال لتلبية احتياجات السوق، خصوصًا خلال أشهر الصيف.
وتزامنت هذه الأزمات مع تنفيذ برامج إصلاح مالي وإعادة هيكلة للدعم، ارتبط بعضها بالتزامات مصر مع صندوق النقد الدولي، وهو ما أدى إلى تحريك أسعار الوقود والكهرباء والغاز، مع إعلان الحكومة التوسع في برامج الحماية الاجتماعية.
المواطن بين مبررات الإصلاح وارتفاع تكلفة الحياة
تؤكد الحكومة أن رفع أسعار الطاقة كان ضروريًا لتقليل عجز الموازنة، وضمان استدامة الخدمات، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، وجذب الاستثمارات، وتقليل الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع.
لكن المواطن ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة؛ فهو لا يتعامل مع سعر البنزين أو الكهرباء بصورة منفردة، بل مع فاتورة كاملة تشمل الطعام، والمواصلات، والإيجار، والتعليم، والعلاج، والملابس، والخدمات اليومية.
ولهذا فإن زيادة الأجور، مهما كانت نسبتها، تفقد جزءًا كبيرًا من تأثيرها عندما تسبقها موجة جديدة من ارتفاع الأسعار. فالمشكلة لم تعد في سلعة واحدة، وإنما في ارتفاع تكلفة المعيشة بصورة متواصلة.
الخلاصة
خلال الفترة من يونيو 2018 حتى سبتمبر 2026، ارتفع بنزين 80 بنحو 277%، والسولار بنحو 273%، وأنبوبة البوتاجاز بنحو 450%، وشرائح الغاز الطبيعي بنسب تراوحت بين 220% و300%، بينما ارتفعت شرائح الكهرباء بنسب وصلت إلى أكثر من 200%، وزاد الدولار بنحو 194%.
وبينما ترى الحكومة أن هذه الإجراءات جزء من إصلاح اقتصادي ضروري، يرى المواطن أن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بخفض الدعم أو ضبط الموازنة، وإنما بقدرته على تحمل تكلفة الحياة، والحصول على خدمة جيدة، وامتلاك دخل يحافظ على مستوى معيشته.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وحماية المواطنين، حتى لا يتحول الإصلاح من وسيلة لإنقاذ الاقتصاد إلى عبء دائم تتحمله الطبقة المتوسطة ومحدودو الدخل.



