لماذا يعود مصطفى محمود الآن؟ مسلسل رمضان 2027

لماذا يعود مصطفى محمود الآن؟ مسلسل رمضان 2027 وكشف “عوار” انتقاء الفكر في مصر
مصر: إيهاب محمد زايد
حين تموت الفكرة يموت الوطن، مصر لم تكن يوماً دولة تصنعها الجغرافيا وحدها، بل كانت ولا تزال فكرة قبل أن تكون أرضاً، فكرة أن النيل يمكن أن يجمع ما لا تجمعه الدماء، وأن الصحراء يمكن أن تكون حاجزاً لا عائقاً، وأن التناقض يمكن أن يكون ثروة لا فقراً، وعبر سبعة آلاف عام، كانت عبقرية مصر الحقيقية في قدرتها على استيعاب الأضداد، الفرعوني واليوناني والروماني والعربي، المسلم والمسيحي والعلماني، المتصوف والمتشدد، اليساري واليميني، كلهم وجدوا في مصر مكاناً، ليس لأنهم اتفقوا بل لأنهم اختلفوا، فتنوعت الأفكار، وتصارعت الرؤى، وتزاحمت المشاريع، ومن هذا التزاحم ولدت الحضارة.
لكن حين تموت الفكرة، أو حين تُختزل في فكر واحد، أو حين يُفرض تيار بعينه على حساب بقية التيارات، فإن مصر تفقد سرها الأعظم، تصبح دولة كغيرها، بل أسوأ من غيرها، لأنها دولة بلا رؤية، وبلا جدل، وبلا طاقة، والطاقة الحقيقية لأي مجتمع ليست في الاتفاق المطلق، بل في “الشيء وضده”، في التيار والتيار المعاكس، في الفكرة والنقيض، في الأطروحة والنقيض ثم التركيب، هذا هو قانون الحركة، وهذا هو قانون الحياة، وهذا هو قانون الحضارة التي لا تبنى بالإجماع بل بالاختلاف.
عندما نختار فكراً واحداً لنخلده، ونهمش بقية الأفكار، فإننا لا نقتل التيارات الأخرى فقط، بل نقتل التيار الذي نخلده أيضاً، لأنه يفقد حيويته، يفقد عدوه، يفقد مرآته، يصبح خطاباً جافاً بلا نقد، وعقيدة بلا جدل، ونصاً بلا تأويل، والنتيجة مجتمع راكد، عقول نائمة، وإبداع يموت في مهده، والكارثة الأكبر أننا نرفع قوماً على قوم، نقدس جيلاً على حساب جيل، نصنع آلهة من بشر، وننسى أن مصر ليست ملكاً لأحد، بل هي ملك لكل من حمل فكرته ودفع ثمنها، سواء وافقناها أم خالفناها.
مستقبل مصر لا يُبنى بمسلسل عن رجل واحد، مهما عظم، بل بجامعة مفتوحة لكل الأفكار، ومتحف حي لكل العقول، وسوق دائم للجدل، الوطن ليس معبداً لفكر واحد، بل هو ساحة مباراة لكل الأفكار، والفكرة الوحيدة التي تستحق التقديس هي فكرة “حرية الفكر” نفسها، والفكرة التي تستحق الخلود هي فكرة أن مصر لأهلها كلهم، وليس لتيار بعينه.
حين يخرج فيلم وثائقي عن رجل بينما ينام عمالقة الفكر في الظلام ففي رمضان 2027، يُزعم أن مسلسلاً تلفزيونياً سيعرض عن حياة الدكتور مصطفى محمود، ذلك الرجل الذي وقف أمام الكاميرا أربعة عقود يشرح “العلم والإيمان” ويوفق بين نظرية داروين وآيات القرآن، ويبهر الجمهور بثقافته الموسوعية التي قيل إنه قرأ فيها ربع مليون كتاب، وسفرياته إلى الخارج، ومكتبته التي كانت قبلة للباحثين، وأسئلته الوجودية التي جعلت منه “فيلسوف الشاشة” في زمن لم يكن فيه للفلسفة مكان على التلفزيون المصري، السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هذه الأيام ليس “من هو مصطفى محمود؟” بل “لماذا مصطفى محمود تحديداً الآن؟” ولماذا يخرج هذا العمل الدرامي عن رجل بعينه بينما هناك كوكبة من المفكرين المصريين العظام رحلوا بصمت، وناموا بصمت، وكُتبت عنهم أبحاث أكاديمية في جامعات السوربون وكولومبيا وكامبريدج، لكن الإعلام المصري لم يلتفت إليهم، لا في رمضان ولا في غيره؟
كوكبة النسيان: نصر أبو زيد الذي هز السماء ورحل في صمت
لنتوقف عند اسم واحد فقط من هذه الكوكبة التي تستحق أن تملأ خريطة رمضان لعشر سنوات قادمة، الدكتور نصر حامد أبو زيد، ذلك الرجل الذي فعل ما لم يفعله مصطفى محمود ولا غيره، أستاذ النقد الأدبي والدراسات الإسلامية بجامعة القاهرة، الذي قرر أن يطبق المنهج التاريخي والنقدي على النص القرآني نفسه، ليس بهدمه أو التشكيك فيه، بل بفهمه كخطاب ديني تشكل في سياق تاريخي محدد، وكانت جريمته الوحيدة أنه قال إن “النص القرآني منتج ثقافي بشري” في سياق فهمه كخطاب ديني، فكانت الفتوى بتكفيره، وكانت قضية “تفريق الزوجية” الشهيرة التي هزت مصر في التسعينيات، وأجبرته ورفيقة عمره الدكتورة إبنة الصحراء على النفي إلى هولندا حيث واصل أبحاثه حتى وفاته عام 2010.
في أوروبا، يُدرَّس فكر نصر أبو زيد في أقسام الدراسات الإسلامية والعربية في كبرى الجامعات، وتُعقد عنه المؤتمرات، وتُكتب عنه الأطروحات، ويُعتبر أحد أهم مفكري العالم الإسلامي في القرن العشرين، إلى جانب محمد أركون وحسن حنفي وعبد الكريم سروش، وفي نفس التوقيت، في مصر، لا يعرف معظم الشباب من هو نصر أبو زيد، وإذا عرفوه يعرفونه كـ “الملحد الذي طلقته زوجته”، بينما الحقيقة أنه كان مؤمناً عابدا يريد أن يجدد الخطاب الديني لا أن يهدمه، ومات غريباً في أرض الغربة، وحين مات لم تقم له الدنيا، ولا صنعت عنه الأعمال الدرامية، ولا تناولته البرامج الحوارية، لأن فكره كان “مزعجاً” للتيارات الدينية التي تمسك بمفاتيح الخطاب العام في مصر.
نوال السعداوي: سيدة الغضب التي نعتها الإعلام بين عشية وضحاها
وعلى الجانب الآخر تماماً من الطيف الفكري، وقفت الدكتورة نوال السعداوي، تلك المرأة التي لم تخف شيئاً، لا في جراحتها السياسية، ولا في مواقفها الجريئة من الإقصاء السياسي والقمع والطبقية والفساد، ولا في تحليلها للمقدس كمنتج ثقافي واجتماعي، السعداوي هي واحدة من أكثر المفكرات العربيات تأثيراً في العالم، تُرجمت كتبها إلى أكثر من 30 لغة، ودُرِّست في آلاف الجامعات، وكانت صوتاً لمن لا صوت لهم، لكنها في مصر كانت “مشكلة” تحتاج إلى تهميش، لم تظهر على شاشات التلفزيون الرسمي إلا نادراً، وحين ماتت عام 2021، كانت النعوة سريعة، والتغطية محدودة، والوداع رسمياً وبارداً.
والأكثر إيلاماً أن نوال السعدوي كانت من أشد منتقدي “تيار العلم والإيمان” الذي مثله مصطفى محمود، هي نفسها التي قالت عنه إنه “يستخدم الدين لترسيخ العلم، وهذا تشتيت لطريق العلم نفسه”، وكانت ترى أن المزج بين العلم والدين بهذه الطريقة المباشرة والساذجة أحياناً يخلط الأوراق ويعطي شرعية دينية لنظريات علمية لا تحتاج إلى شرعية، ويُلهي العقل العربي عن الأسئلة الحقيقية: لماذا تأخرنا علمياً؟ لماذا نخاف من النقد؟ لماذا نقدس رجال الدين ونهمش العقل النقدي؟ لم تكن السعداوي ضد مصطفى محمود كشخص، بل ضد “الموضة الفكرية” التي جعلت من “التوفيق بين العلم والدين” مشروعاً وطنياً، بينما المشروع الوطني الحقيقي هو “العلم بلا دين” و”الدين بلا وصاية”.
زكي نجيب محمود: الفيلسوف الذي لم يقرأه أحد لأنه لم يظهر على الشاشة
هناك اسم ثالث لا يقل أهمية عن أي من الأسماء السابقة، بل هو الأعمق فلسفياً والأكثر تأثيراً على الأجيال الأكاديمية، الدكتور زكي نجيب محمود، أحد أبرز فلاسفة مصر في القرن العشرين، وأول من أدخل الفلسفة الوضعية المنطقية إلى العالم العربي، وأحد رواد “تيار العلمانية” في مصر ، كان زكي نجيب محمود يرى أن الطريق الوحيد لتقدم العرب هو التخلي عن “الميتافيزيقا” (ما وراء الطبيعة) بكل أنواعها، والتركيز على العلم التجريبي والمنطق الوضعي، هذا الرجل كتب عشرات الكتب الفلسفية العميقة، وترجم أعظم الأعمال الفلسفية إلى العربية، وكان أستاذاً لأجيال من المفكرين المصريين، وكان تلميذاً للفيلسوف البريطاني العظيم برتراند راسل ، لكنه لم يظهر أبداً على شاشة التلفزيون، لأنه لم يكن “إعلامياً” بالمعنى الذي كان عليه مصطفى محمود، ولم يقدم “برنامجاً”، ولم يجلس في الاستوديو ليشرح “أسرار الكون”، رحل عام 1993 في صمت مطبق، ولم يصنع عنه مسلسل، ولا فيلم، ولا حتى حلقة تلفزيونية واحدة، لأنه كان “فلسفياً بحتاً” و”علمانياً” و”ناقداً للميتافيزيقا”، وهذا لا يصلح للعرض في رمضان كما يصلح “العلم والإيمان”.
عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ): المفسرة التي تحدثت باسم القرآن لكنها لم تكن مرغوبة
ولا ننسى الدكتورة عائشة عبد الرحمن، التي عُرفت بـ “بنت الشاطئ”، واحدة من أعمق من كتبوا في التفسير القرآني والأدب الإسلامي في القرن العشرين، وأول امرأة تُعيّن أستاذة جامعية في كلية اللغة العربية بجامعة القاهرة، كانت تمتلك مشروعاً تفسيرياً فريداً يعتمد على “التفسير البياني” الذي يقرأ النص القرآني كوحدة عضوية متماسكة، كانت متدينة بعمق، ومحافظة في لباسها وسلوكها، لكنها كانت أيضاً “صاحبة رأي” لا تخشى أحداً، وكانت ضد “أسلمة المعرفة” بالمعنى الأيديولوجي، وضد توظيف الدين في الصراعات السياسية، ولهذا أيضاً لم تكن “مرغوبة” في الإعلام الرسمي الذي يفضل الشخصيات “السهلة” القابلة للتسويق، عاشت حتى عام 1998، ورحلت في هدوء، ولم يُصنع عنها مسلسل، ولا فيلم، ولا حتى حلقة تذكارية، لأنها كانت “مرتفعة السقف” فكرياً، والإعلام المصري يحب “البسطاء” وليس “العظماء”.
أنيس منصور: الكاتب الذي كان يملك الشعبية لكنه لم يكن فيلسوفاً
وبالطبع لا يمكن أن ننسى الأديب والصحفي الكبير أنيس منصور، الذي كان الأكثر شعبية بين كل هؤلاء، وأقربهم إلى روح المواطن العادي، صاحب “ألف ليلة وليلة” الشهيرة في الصحافة المصرية، وكاتب مئات الكتب الخفيفة الظل والعميقة المعنى في نفس الوقت، والذي عُرف بولعه بالسفر والغموض والموسوعية، أنيس منصور كان صديقاً مقرباً لمصطفى محمود، وشاركه حبه للمعرفة والاطلاع والسفر، لكنه كان مختلفاً عنه تماماً في المنهج، فحيث كان مصطفى محمود “فيلسوفاً” يبحث عن إجابات يقينية، كان أنيس منصور “حكواتياً” يحب طرح الأسئلة دون إجابات، وكان “أديباً” وليس “عالماً”، كان يقول: “أنا لا أدعي العلم، أنا فقط أحكي ما رأيت وسمعت”.
لكن أنيس منصور، رغم شعبيته الجارفة، لم يُصنع عنه مسلسل طوال حياته، ولا بعد مماته، وحين رحل عام 2011، كان خبر وفاته ثانوياً في النشرات الإخبارية، لأنه لم يكن “صاحب مشروع”، بل كان “كاتباً مسلياً”، وهذا يعيدنا إلى السؤال نفسه: لماذا يُصنع مسلسل عن مصطفى محمود تحديداً؟ ألأنه كان صاحب “مشروع”؟ ألأن “مشروعه” كان متوافقاً مع تيار ديني وسياسي معين؟ ألأنه كان الأكثر “تصديراً” إعلامياً بفضل برنامجه الذي استمر 25 عاماً على شاشة التلفزيون المصري والذي كان يُنتج بتمويل من جهات خارجية، ومنها السعودية التي كانت في تلك الفترة تدعم “الصحوة الإسلامية” في كل مكان؟
من فلسفة الإصلاح إلى التأويلية: كوكبة من العمالقة الذين نسيهم الإعلام
لكن قائمة العمالقة الذين عاصروا مصطفى محمود وتركوا بصمتهم في الفلسفة والفكر لا تتوقف عند الأسماء التي ذكرناها، فهناك جيل كامل من الفلاسفة المصريين الذين أسسوا لمدارس فكرية كاملة، وماتوا في صمت لأنهم لم يظهروا على شاشة التلفزيون، وفي مقدمة هؤلاء نذكر الدكتور مراد وهبة، أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس، الذي وصفه الدكتور مصطفى الفقي بأنه “ابن رشد العصر”، وهو فيلسوف مصري كبير له عشرات المؤلفات الفلسفية العميقة، وعمل في العديد من المؤسسات الفلسفية العالمية، وكتب مقالاته الأسبوعية في جريدة الأهرام لسنوات طويلة، لكنه ظل بعيداً عن الأضواء الإعلامية لأنه كان “فيلسوفاً” صرفاً، يعتقد أن الفلسفة ليست ترفيهاً ولا خطابة، بل هي مشقة فكرية وتفكيك للمسلمات .
وهناك الدكتور فؤاد زكريا، أحد أبرز الفلاسفة المصريين في القرن العشرين، وهو من تلامذة زكي نجيب محمود، وواحد من أعمق المفكرين العرب في مجال فلسفة العلم والمنهجية، كتب عشرات الكتب التي ناقشت قضايا التراث والتجديد والعلمانية في الفكر العربي، وكان من أشد المدافعين عن العقل النقدي والعلمي في مواجهة التيارات الدينية المتشددة ، وكان يرى أن الخلاص الوحيد للعرب هو في الانفتاح الكامل على العلم الحديث والعقل النقدي الغربي، دون خوف من “التغريب” أو “التبعية”، مات فؤاد زكريا عام 2010 في صمت، ولم يُصنع عنه مسلسل، ولا فيلم، لأنه كان “علمانياً” بكل ما تحمله الكلمة من معنى في سياق مصري وعربي.
وهناك الدكتور عبد الرحمن بدوي، أحد أبرز فلاسفة الوجودية في العالم العربي، وهو أول مصري يحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة القاهرة، وكان أستاذاً للفلسفة في جامعات مصر والكويت، وله أكثر من 150 كتاباً في الفلسفة، وهو من نقل الفكر الوجودي الأوروبي إلى العالم العربي، وكان تلميذاً للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر نفسه، وصفه عميد الأدب العربي طه حسين بأنه “أول فيلسوف مصري” حين قال: “اليوم نشهد ميلاد أول فيلسوف مصري” ، كان بدوي موسوعي الثقافة، متعدد اللغات، غزير الإنتاج، لكنه أيضاً كان مثيراً للجدل بسبب آرائه الفلسفية الجريئة ومواقفه السياسية، رحل عام 2002، ولم يلتفت إليه الإعلام، لأنه لم يقدم “برنامجاً دينياً” يوفق بين العلم والإيمان.
وهناك الدكتور حسن حنفي، أحد أهم فلاسفة “اليسار الإسلامي” في مصر والعالم العربي، وأستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، وصاحب مشروع “التراث والتجديد” الذي أراد فيه إعادة قراءة التراث الإسلامي برؤية نقدية معاصرة، كان حنفي من تلامذة المستشرق الفرنسي الكبير جاك بيرك، وتأثر بالوجودية الفرنسية والفكر الماركسي، وحاول أن يقدم قراءة تقدمية للإسلام تتناسب مع متطلبات العصر، كان يعتقد أن النهضة العربية والإسلامية لن تتحقق إلا من خلال “ثورة فكرية” شاملة تعيد النظر في كل المسلمات التراثية ، رحل حسن حنفي عام 2021، بعد أن قضى حياته الأكاديمية في التدريس والتأليف، لكن الإعلام المصري لم يلتفت إليه، لأنه كان “يسارياً” و”ماركسياً” و”ناقداً للمؤسسة الدينية”، وهذه كلها صفات لا تصلح للظهور على شاشة التلفزيون الرسمي.
وهناك الدكتور زغلول النجار، عالم الجيولوجيا المصري الذي عُرف باهتمامه بالإعجاز العلمي في القرآن، وهو أقرب الفلاسفة والمفكرين إلى مصطفى محمود من حيث الاهتمامات، حيث أمضى حياته يبحث عن آيات الله في الكون وفي كتابه المنزل، وله عشرات المؤلفات في هذا المجال، وهو أيضاً من الشخصيات التي ظهرت كثيراً على شاشات التلفزيون، لكنه لم يحظَ بمسلسل عن حياته حتى الآن .
وهناك الدكتور محمود زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق وأستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، وهو من تلامذة المستشرق الألماني الكبير المستشرق أنيماري شيمل، وله مؤلفات عديدة في الفلسفة الإسلامية والحوار بين الأديان، كان شخصية محبوبة لدى الكثيرين، لكنه أيضاً مات في صمت نسبي، ولم يُصنع عنه مسلسل .
وهناك الدكتور أمين الخولي، أحد رواد تجديد الفكر الديني في مصر في القرن العشرين، وأستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، وهو من تلامذة طه حسين، وكان مؤسس “مدرسة التفسير الأدبي” للقرآن، وآزرته في مشروعه زوجته الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، كان يرى أن التفسير القرآني التقليدي يحتاج إلى تطوير، وأن القرآن يجب أن يُقرأ كخطاب أدبي وليس فقط كمجموعة من الأحكام، وهو من المفكرين الذين تأثروا بالمناهج النقدية الغربية، ومات قبل أن يحظى بأي تكريم إعلامي حقيقي .
وهناك الدكتور محمد عبد الله دراز، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر وباريس، وصاحب الموسوعة الفلسفية الشهيرة “دستور الأخلاق في القرآن”، وهو من المفكرين الذين جمعوا بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة الغربية، وكان أستاذاً للدكتور مصطفى محمود نفسه في مرحلة من المراحل، لكنه ظل في الظل الإعلامي، لأنه كان “أكاديمياً” بحتاً، لا يصلح للظهور على شاشات التلفزيون.
وهناك أيضاً رفاعة الطهطاوي (توفي 1873) وعلي عبد الرازق (توفي 1966) وقاسم أمين (توفي 1908) ولوطفي السيد (توفي 1963)، وهؤلاء جميعاً رواد النهضة والتنوير في مصر الحديثة، الذين وضعوا اللبنات الأولى للدولة الوطنية والعلمانية والمجتمع المدني في مصر، لكنهم شخصيات تاريخية بعيدة، ولم يصنع عنهم مسلسلات، لأنهم “مثيرون للجدل” و”علمانيون” و”ليبراليون” .
عمالقة الإبداع بين العلم والأدب: سيمفونية من العبقرية المصرية
ولم تقتصر العبقرية المصرية في ذلك العصر على الفلسفة والفكر فقط، بل امتدت إلى كل مجالات الإبداع، وفي طليعة هؤلاء العملاق الروائي والأديب العالمي الدكتور نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، الذي خلق عالماً روائياً متكاملاً يعكس تاريخ مصر الاجتماعي والسياسي والثقافي عبر الثلاثية وأولاد حارتنا والطريق والسمان والخريف، كان نجيب محفوظ فيلسوفاً بالأدب قبل أن يكون فيلسوفاً بالمنطق، طرح أسئلة الوجود والعدل والخير والشر والسلطة والدين من خلال شخصياته الروائية، لكنه لم يُصنع عنه مسلسل درامي طوال حياته، وحين رحل عام 2006 كان الحزن كبيراً لكن التكريم الإعلامي كان محدوداً، لأنه كان “روائياً” وليس “إعلامياً”، ولأنه رفض أن يكون “نجماً” تلفزيونياً، وآثر العزلة والهدوء والإبداع .
وهناك الدكتور يحيى الرخاوي، الطبيب النفسي والفيلسوف والأديب المصري الكبير، الذي جمع بين الطب والفلسفة والأدب بطريقة فريدة، واشتهر بنظريته في “الطب النفسي التطوري”، وكان أستاذاً للطب النفسي بجامعة القاهرة، وله مؤلفات عديدة في الفلسفة وعلم النفس والأدب، كان أحد تلامذة الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، وترجم الكثير من أعماله إلى العربية، كما كان ناقداً سينمائياً وأديباً مرموقاً، جمع بين العلم والإنسانيات في سيمفونية فريدة، رحل عام 2006، وبعد عشرين عاماً من رحيله، أقامت مكتبة الإسكندرية ندوة لتكريمه عام 2026، لكنه لم يحظَ بمسلسل يخلد سيرته، لأنه كان “طبيباً فيلسوفاً”، وهذا النوع من العبقرية لا يصلح للتلفزيون في رأي صناع القرار .
وهناك الدكتور حسام بدراوي، الطبيب والسياسي والمفكر المصري المعاصر، الذي لا يزال على قيد الحياة، وهو أحد أهم المفكرين المصريين في جيله، له مؤلفات فلسفية عميقة مثل “نيتشه في الإسكندرية” الذي صدر في جزأين، ويناقش فيه الفلسفة الغربية والوجودية من منظور مصري وعربي معاصر ، وهو من الشخصيات القليلة التي ما زالت تحمل راية التنوير والعلمانية والفكر النقدي في مصر، ورغم أنه ما زال حياً، فإن حضوره الإعلامي محدود جداً مقارنة بتأثيره الفكري، لأنه “فيلسوف” في زمن لا يحب الفلسفة، و”عقلاني” في زمن يقدس العاطفة.
وهناك الدكتور أمين الخولي الفيلسوف والمفكر الإسلامي الذي سبق عصره بقرون في منهجه النقدي للتفسير القرآني، والذي وصف بأنه “أول هيرمينوطيقي في تاريخ الإسلام” ، وهو صاحب مدرسة فكرية كاملة تخرج منها أعلام كبار مثل الدكتور نصر أبو زيد والدكتورة عائشة عبد الرحمن وآخرين، كان يرى أن النص الديني يحتاج إلى “تأويل” (هيرمينوطيقا) يختلف باختلاف العصور والسياقات، وهي رؤية ثورية في زمانها، جعلته محل هجوم من التيارات المحافظة، مات قبل أن يحظى بأي تكريم إعلامي يليق بمكانته، لأنه كان “مثيراً للجدل” و”متقدماً على عصره”.
إشكالية التمويل السعودي ودعم “الأصولية” باسم العلم والإيمان
هنا نصل إلى نقطة حساسة لا يمكن تجاوزها، برنامج “العلم والإيمان” لم يكن مجرد برنامج علمي ديني عابر، بل كان مشروعاً فكرياً منظمًا له أبعاد سياسية وأيديولوجية واضحة، في فترة السبعينيات والثمانينيات، كانت السعودية تمول مشاريع إعلامية وثقافية في كل العالم العربي لنشر “الأصولية الإسلامية” كبديل عن “القومية العربية” و”اليسار” اللذين كانا يشكلان تهديداً للنظام الملكي السعودي، وفي مصر، كان التلفزيون المصري الذي كان يتعاون مع التلفزيون السعودي والقنوات الخليجية الأخرى يبث برامج مثل “العلم والإيمان” التي تقدم صورة “مباركة” للدين، وتخلط بين العلم والدين بطريقة تجعل من الصعب الفصل بينهما، وتسويغ فكرة أن “الإسلام هو الحل” في كل شيء، من الطب إلى الفيزياء إلى السياسة.
هذا لا يعني أن مصطفى محمود كان “عميلاً” لأحد، أو أن برنامجه كان “مؤامرة”، فمصطفى محمود كان مخلصاً لقناعاته، وكان يملك من الثقافة والعلم ما يؤهله للحديث في هذه القضايا بثقة، لكن السياق العام الذي انطلق فيه البرنامج، والتمويل الذي كان وراء استمراره ربع قرن، والأيديولوجية التي كان يروج لها (وإن كانت غير مباشرة)، كلها عوامل تجعل من الضروري النظر إلى “ظاهرة مصطفى محمود” بعين نقدية، وليس بعين التبجيل والقداسة.
العوار الفكري: لماذا ننتقي فكراً عن فكر في مصر؟
السؤال الأكبر والأعمق الذي يطرحه مسلسل “مصطفى محمود” المزمع عرضه عام 2027 هو سؤال “الانتقاء”، لماذا تختار المؤسسة الثقافية والإعلامية في مصر شخصية بعينها لتخلدها، وتتجاهل شخصيات أخرى لا تقل عنها أهمية بل تزيد؟ الجواب يتعلق بطبيعة “السلطة” و”الخطاب المسموح”، مصطفى محمود كان “آمناً”، كان “مباركاً”، كان “سهلاً”، كان رجلاً متديناً ظاهرياً، يقدس النص، وينتقد الإلحاد واليسار، ويحارب الشيوعية في برنامجه قبل أن يحاربها السادات في السياسة، كان “صديقاً للنظام” في معظم فترات حياته، وكان فكره متوافقاً مع “الخطاب الرسمي” الذي تريد الدولة نشره: مصر دولة إسلامية، والعلم يجب أن يخدم الدين، والإيمان هو أساس النهضة.
أما نصر أبو زيد فكان “خطيراً” لأنه مس النص، وكان “مشكلة” لأنه أثار غضب التيارات الدينية التي كانت تملك أدوات الضغط على الدولة، أما نوال السعدوي فكانت “فضيحة” لأنها كشفت عورات المجتمع وتابوهاته، وكانت “محرجة” لأنها قالت كلمة حق في وجه كل الأنظمة، أما زكي نجيب محمود فكان “معقداً” لأن فلسفته تحتاج إلى تركيز وقراءة، ولا تصلح للتقديم في برنامج نصف ساعة، أما فؤاد زكريا فكان “علمانياً” بامتياز، وهذا وحده كافٍ لإبعاده عن الشاشات، أما عبد الرحمن بدوي فكان “وجودياً” و”مثيراً للجدل” وكانت له مواقف سياسية لا تنسجم مع خطاب النظام، أما مراد وهبة فكان “فيلسوفاً” صرفاً لا يصلح للتلفزيون، أما حسن حنفي فكان “يسارياً إسلامياً” وهو مزيج لا يحبه لا اليمين ولا اليسار، أما يحيى الرخاوي فكان “طبيباً فيلسوفاً” وهو تخصص لا يفهمه عامة الناس، أما حسام بدراوي فهو ما زال حياً، وصناعة مسلسل عن شخص حي قد تكون “محرجة” لأنه قد يختلف مع السيناريو أو يطلب تعديلات.
هذا “العوار الفكري” هو الذي يجعل مصر في أزمة، ليس أزمة مياه أو اقتصاد فقط، بل أزمة “انتقاء النخبة”، نحن نختار من نخلد ومن ننسى، ومن نقدس ومن نلعن، ومن نصنع له مسلسلاً ومن ندفنه في أرشيف النسيان، وهذا الانتخاب ليس محايداً، بل هو نتاج صراع أيديولوجي طويل، ونتاج “هيمنة ثقافية” لتيار بعينه استطاع أن يفرض نفسه على مؤسسات الدولة، وأن يتحكم في مفاتيح الإعلام والتعليم والثقافة، وأن يقرر “من يتكلم” و”من يسكت”.
الخلاصة: مصر لأهلها كلهم، وليس لتيار بعينه
مصر ليست ملكاً لتيار سياسي أو ديني أو فكري، مصر لأهلها كلهم، للمتدينين والعلمانيين، لليساريين واليمينيين، للفلاسفة والأدباء، للصوفيين والسلفيين، لكل من يحمل جنسية هذا البلد ويعمل على نهضته ورفعته، وعندما نصنع عملاً درامياً عن مفكر مصري، يجب أن نصنعه عن “المنظومة الفكرية المصرية” ككل، لا عن “نجم واحد” يلتهم الضوء ويحجب بقية الكواكب، يجب أن نصنع مسلسلاً عن نصر أبو زيد ونوال السعدوي وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وعبد الرحمن بدوي ومراد وهبة وحسن حنفي وعائشة عبد الرحمن وأنيس منصور ويحيى الرخاوي وحسام بدراوي وأمين الخولي ونجيب محفوظ ومصطفى محمود معاً، لا عن واحد دون الآخر.
المسلسل المزعم عن مصطفى محمود في رمضان 2027 قد يكون عملاً فنياً رائعاً، وقد يكون تكريماً لرجل كان له فضل على جيل كامل، لكنه في نفس الوقت قد يكون “اختطافاً” لمصر من قبل تيار بعينه، و”محوًا” لعمالقة الفكر الذين لم يظهروا على الشاشة لأنهم لم يكونوا “إعلاميين”، أو لأنهم “زعجوا” التيار الغالب، أو لأنهم “خالفوا” الرأي العام، أو لأنهم كانوا “علمانيين” في زمن أصبح فيه “التدين” هو عملة التداول الثقافي الوحيدة.
مصر التي نريدها في 2050 ليست مصر “التجربة المصرية بعهد صاحب المسلسل”، بل مصر “التجربة المصرية بعهد كل عظمائها”، مصر التي تستوعب التناقض، وتحترم الاختلاف، وتُخرج المسلسلات عن الجميع، وتقرأ ربع مليون كتاب كما قرأ مصطفى محمود، وتنقد المقدس كما فعل نصر أبو زيد، وتكشف العورات كما فعلت نوال السعدوي، وتفلسف العلم كما فعل زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا، وتكتب الفلسفة الوجودية كما فعل عبد الرحمن بدوي، ويحلل التراث كما فعل حسن حنفي ومراد وهبة، ويجمع بين الطب والفلسفة كما فعل يحيى الرخاوي، ويكتب الرواية الفلسفية كما فعل نجيب محفوظ، ويسافر ويكتب الأدب الساخر كما فعل أنيس منصور، ويتأمل الوجود والنيتشوية من منظور مصري كما يفعل حسام بدراوي اليوم، ويؤسس مدرسة في التأويل القرآني كما فعل أمين الخولي، وتفسر القرآن بلاغياً كما فعلت بنت الشاطئ، وعندها فقط تصبح مصر “أم الدنيا” مرة أخرى، ليس لأنها أكبر دولة في المنطقة، بل لأنها أكبر دولة في العقول.



