كيمياء العذر

كيمياء العذر
يا رب،
خفّف اشتعال الداخل…
ففي صدري إعصاران:
واحدٌ جاء من سلالةٍ بعيدة
يسكن الجينات كسرٍّ قديم،
وآخرُ
تشعله شرارةٌ في المخ
كلما مرّ خاطرٌ
أو ارتجف يقين.
أنا لستُ فكرةً خالصة،
أنا تفاعل…
أنا معادلةٌ تمشي على قدمين،
إذا زاد فيها ناقلٌ عصبي
مال قلبي،
وإذا اختلّ ميزانُ هرمون
تعثّر الطريق.
دمي لا يجري فقط—
بل يقرّر،
يرسم انفعالي
كما يرسم النهرُ مجراه،
وفي رأسي
ترتفع موجات الدوبامين
فتضحك اللحظة،
ثم يهبط السيروتونين
فتنطفئ الأغنية فجأة.
أهذا أنا؟
أم تاريخٌ طويلٌ
يتكلم عبر خلاياي؟
جيناتي لا تنام،
تشدّني حينًا
وتتركني حينًا،
كأنها تقول:
“لك نصف القرار…
ونصفك الآخر
مكتوب قبل أن تولد.”
أنا بين ترددين:
غصنٌ
يميل للريح إن لامسته الخشية،
ويعلو
إن داعبته شمس العزم.
والاكتئاب—
ليس حزنًا فقط،
بل غيمةٌ كيميائية
تعبر المخ
فتحجب الضوء
دون أن تطفئه.
وفي عمق الصمت
شيءٌ آخر ينمو…
موهبةٌ
تتكوّن ببطء الجبال،
كأن الألم
يُعيد ترتيب الروح
بطريقته الخاصة.
يا علم،
يا من كشفتَ سرّ الإشارة
حين تقفز بين عصبٍ وعصب،
يا من قلتَ لنا:
إن القلب ليس وحده من يشعر،
بل الخلية أيضًا لها رأي.
لولاك
لبقينا نجلد ذواتنا،
نحسب كل انكسارٍ خطيئة،
وكل ترددٍ ضعفًا،
وأنت قلت:
“بعض ما فيك
ليس عليك.”
أنت العذر…
وأنت البداية.
يا ابن آدم،
فيك كونٌ مصغّر:
كهرباء،
كيمياء،
وذاكرةٌ وراثية
تكتب نصف الحكاية،
فاترك للنصف الآخر
أن يكونك.
لا تخف من السقوط،
فالوقوع ليس النهاية،
بل تجربةُ توازن
في جسدٍ يتعلم
كيف يقاوم نفسه.
اصنع من علمك قوسًا،
ومن وعيك سهمًا،
وصوّب نحو الحياة،
فالذين عرفوا أسرارهم
لم تغرقهم البحار.
والليل—
مهما طال—
يخفي في عتمته
وعد الفجر.
أنا لست ذنبًا كاملًا،
أنا احتمال…
أنا محاولةٌ مستمرة
لإعادة كتابة نفسي
فوق ورقٍ
كتب نصفه غيري.
ومع ذلك—
أقاوم،
أرتّب فوضاي،
وأمشي.
أرى العالم الآن
من ضوءٍ يتسرّب من شقوق الألم،
والمخ
يرسم سحبًا من المعنى
فوق سماء التعب.
افرح قليلًا،
حتى لو بلا سبب،
فبعض الفرح
قرارٌ كيميائي أيضًا.
ارقص…
فالحياة لا تنتظر المترددين،
والزمن
لا يعيد اللحن مرتين.
وإنني—
لا أتأخر عن وطني،
لكن داخلي معركة،
بين جينٍ قديم
وإنسانٍ يريد أن يكون جديدًا.
تمرّ بي لحظات كسوفٍ وخسوف،
لا يراها أحد،
ولا يحتملها كثيرون.
لا أحد يفهم
كيف يكون المخ
ساحة حربٍ صامتة…
ولا أحد يحتمل المرضى—
ولا أحد يحتملني.
لكنني هنا،
أكتب…
لأفهم،
وأفهم…
لأبقى.
إيهاب محمد زايد



