مقالات

مصر.. عمود خيمة المشرق وحارسة النواميس المقدسة

مصر.. عمود خيمة المشرق وحارسة النواميس المقدسة
إيهاب محمد زايد
يا أغلى اسم في الوجود.. مصر التي لا تنحني
يا أغلى اسم في الوجود، وبأخلاق الفرسان نبني أغلى كيان، وسلامٌ على أرض السلام التي لم تنحنِ لعاصفة، ولم تفرط في هوية. وهل يرى الشرقُ برفع الرأسِ بَعدي.. أم غفا مهدُ النبواتِ بعهدي؟ بهذه الكلمات الخالدة التي صاغها شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته “مصر تتحدث عن نفسها”، التي تعد بحق “الدستور الشعري” للهوية المصرية، نستلهم روح مصر الخالدة: “أنا إن قدّر الإله مماتي.. لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي” و”بنائي أمنّ من بناءِ الليالي.. ومن الفلكِ والزمانِ الفتيّ” .

وفي قصيدة “مصر التي في خاطري”، يتجلى المعنى ذاته: “هي حِصنُ الإلهِ في أرضهِ.. وملاذُ الشعوبِ في محنِها، مصرُ التي في خاطري وفي فمي.. أحبُّها من كل روحي ودمي”. يا مصر يا مهد الود والنبل، يا صخرةً تحطمت عليها أطماعُ الغزاة. فمصرُ التي علّمت الدنيا الضمير، لن تضلّ خُطاها في زحامِ العولمة .

تتجلى عبقرية الجغرافيا والتاريخ في تلك البقعة من العالم التي لم تكن يوماً مجرد حدود سياسية، بل كانت دوماً “الحالة الذهنية” والمركز الأخلاقي للشرق بأسره. إن المتأمل في مسيرة مصر عبر العصور يدرك أنها لم تقف يوماً موقف الحياد حينما كانت هوية المنطقة مهددة بالضياع أو الذوبان، بل كانت الصخرة التي تتكسر عليها أطماع التغريب والتمزيق. مصر، التي احتضنت النبوات وآوت الرسل، صاغت معادلة فريدة للتعايش؛ فهي التي دافعت عن جوهر الأديان السماوية الثلاثة باعتبارها مشكاة واحدة، ووقفت بصلابة ضد تيارات الجحود والوثنية الجديدة، مدركة أن قوة الشرق تكمن في روحانيته وتماسكه القيمي لا في ماديته الجافة.

الدرع الفكري في مواجهة فوضى المعتقدات
لم تكن معارك مصر يوماً عسكرية فحسب، بل كانت في جوهرها معارك بقاء للهوية المشرقية؛ ففي الوقت الذي تلاطمت فيه أمواج الإلحاد والتعصب الأعمى، كانت المنارة المصرية هي التي تضبط الإيقاع، نابذةً كل فكر متطرف يحاول اختطاف الدين أو تشويه الفطرة الإنسانية. إنها الدولة التي لم تفرق بين حماية الكنيسة وحماية المسجد، مؤكدة أن الحصانة تبدأ من الإيمان بالحق الإنساني في الوجود الكريم تحت مظلة العدل الإلهي. هذا الدور التاريخي جعل منها “المعادلة الصعبة” التي لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب إقليمي، فهي الضمانة لمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى “اللا هوية” أو التطرف الذي لا دين له .

وتدرك القيادة المصرية عمق هذه المسؤولية، فجاء مشروع “دولة التلاوة” الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي ليكون تجسيداً حياً لعبقرية الشخصية المصرية في مجال التلاوة والترتيل، وليكون نقطة انطلاق نحو “دولة العلم والإبداع والاختراع” . في احتفالية ليلة القدر لعام 2026، أكد الرئيس أن مصر هي المورد العذب الذي نهل منه العالم أجمع أصول التلاوة والترتيل، وهي الأرض التي قدمت عبر تاريخها أصواتاً ندية أضاءت قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بخشوعها وصفائها. هذا الربط بين التراث والهوية هو ما تحتاجه الدولة المصرية في معركتها الثقافية والدينية ضد الفكر المتطرف، حيث تعود الروح المصرية الوسطية لتصدر المشهد بجمالها وعذوبتها .

صمود الهوية أمام عواصف التغيير
سواء كان الحاكم في مصر ملكاً أو رئيساً، وسواء كانت الحقبة فرعونية، قبطية، أو إسلامية، ظل الثابت الوحيد هو “الشخصية المصرية” التي ترفض التبعية الثقافية المهينة. لقد كانت مصر دوماً هي المرجعية التي تعيد الشرق إلى صوابه كلما حادت به السبل، واقفة بالمرصاد لكل محاولات “الأدوات الناعمة” التي استهدفت تدمير الأسرة وتسطيح الانتماء. إن دفاع مصر عن الأديان السماوية ونبذها للإرهاب والوثنية الحديثة ليس مجرد اختيار سياسي، بل هو قدر وجودي تمارسه مصر بوصفها حارسة القيم المشرقية، وهي حقيقة يدركها القاصي والداني، وتظل هي الثابت المحوري في قلب عالم مضطرب، ولو كره الكارهون .

وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الثقافة المصرية مبادرة “عزة الهوية المصرية” لتعزيز الانتماء وترسيخ الهوية الوطنية من خلال أنشطة فنية وثقافية تستهدف كافة الأجيال، خاصة الشباب، مع التركيز على نشر الوعي بالتراث والحفاظ عليه، واستثمار الرموز التاريخية والفنية . تشمل المبادرة جولات تثقيفية للمتاحف، وعروض مسرح العرائس، وورش حكي ومسابقات تاريخية، وتعاوناً مشتركاً مع وزارات متعددة لبث الوعي الثقافي والتاريخي في الفضاءات العامة، لتظل مصر دائماً هي القلب النابض والمنارة التي تضيء طريق النهضة والاستقلال القائم على الوعي الاستراتيجي والأصالة الفكرية المتجردة .

الأعياد الإسلامية.. وسيلة عبادية لتوحيد الأمة
في هذه الأيام المباركة، تستطلع دار الإفتاء المصرية هلال شهر شوال لتعلن موعد عيد الفطر المبارك لعام 1447 هجرياً، في مشهد يتكرر كل عام ويعكس وحدة الأمة الإسلامية حول شعيرة من أعظم شعائرها . الأعياد الإسلامية ليست مجرد مناسبات للاحتفال والفرح، بل هي وسيلة عبادية عظيمة لتوحيد الأمة الإسلامية، تجمع المسلمين على اختلاف أقطارهم وألوانهم وأجناسهم حول قبلة واحدة، وشعيرة واحدة، وفرحة واحدة. توحيد الأمة ليس كلاماً، إنما هو أفعال، فإذا لم نتوحد على هلال رمضان فمتى نتوحد؟ .

هذه الوحدة التي تختزل معانيها في تكبيرات العيد، وصلاة الصبح، وتبادل التهاني، تمثل جوهر الهوية الإسلامية الجامعة التي تتجاوز الحدود السياسية والانتماءات القومية. وهي ذات الهوية التي تتعرض اليوم لحرب ناعمة شرسة، تستهدف تمزيقها وتفكيكها وإرباكها، في سياق صراعات إقليمية ودولية معقدة.

في قلب هذه المعركة الوجودية على الهوية، تبرز مصر مرة أخرى كصانعة للحدث، وكحاضنة للفكر الوسطي، وكحارس أمين للهوية العربية والإسلامية. فما فعلته مصر في الآونة الأخيرة بالذهاب إلى قلب الحرب ودعم الأشقاء، هو تأكيد على أن مصر تمتلك القدرة المعرفية والقدرة على الحركة والتمدد مهما كانت الظروف. إنها سمة مصرية قديمة، تجلت في مواقف تاريخية لا تعد ولا تحصى، من نصرة القضايا العربية إلى دعم الحقوق الفلسطينية إلى الوقوف مع الأشقاء في المحن . إن التجلي للسلام على أرض السلام لم يكن من فراغ، بل جاء من مهد الود والنبل والإنسانية. فمصر هي القلب النابض للعروبة، والحصن المنيع للإسلام، ومنارة العلم والحضارة التي تضيء الطريق للأمة . وهذا ما يميز رئيسها الحالي، الذي تجسد أفعاله قمة الأخلاق الحسنة التي تمثل جوهر الشخصية الإسلامية والمصرية المثلى.

الهوية الإسلامية في مرمى حروب الجيل الرابع
ما تتعرض له المنطقة اليوم من صراعات وتوترات له أبعاد وأهداف تتجاوز بكثير قضايا الطاقة والممرات البحرية. حروب الأجيال الرابعة والخامسة تمثل نقلة نوعية في الفكر العسكري، حيث تختفي الحدود الواضحة بين الحرب والسياسة، والعسكري والمدني، وتصبح الحرب حالة مستمرة غير معلنة . تعتمد هذه الحروب على أساليب نفسية عميقة، إعلامية متقدمة، واقتصادية مدروسة لإضعاف الدول من الداخل، دون الحاجة إلى غزو عسكري مباشر يتطلب موارد هائلة ويثير ردود فعل دولية. الهدف الرئيسي هو استهداف الوعي الشعبي بشكل مباشر، من خلال خلق انقسامات اجتماعية عميقة، تعزيز الشكوك في المؤسسات، وتشجيع ثورات مصنعة تبدو عفوية لكنها تؤدي إلى تفجير ذاتي للأوطان، مما يؤدي إلى انهيار داخلي يوفر على الخصم تكاليف الغزو .

الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حرباً ضد إيران، بدأت في 28 فبراير 2026 بهجوم مفاجئ استهدف قدراتها الصاروخية والعسكرية . لكن المعركة الأعمق التي تدرسانها بعناية هي معركة الهوية. إنهما تراقبان باهتمام بالغ ردة فعل المسلمين العاديين، خاصة في دول الخليج والمنطقة بشكل عام، وتخشيان أن يميل هؤلاء إلى التعاطف مع إيران أكثر من تعاطفهم مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، حتى لو تعرضت قواعدهم العسكرية الأمريكية أو منشآتهم الحيوية لهجوم صاروخي إيراني .

هذا الخوف الغربي-الإسرائيلي ليس وليد اللحظة، بل يستند إلى قراءة تاريخية دقيقة. فتاريخياً، كانت الهوية الدينية هي ما يوحد المسلمين حتى في أحلك المنعطفات التي مروا بها خلال القرون السابقة. واليوم، يدرس الغرب ذلك بعناية. بالنسبة لهم، غالباً ما تتفوق الهوية الدينية الإسلامية على الهوية الوطنية، لا سيما عندما يُنظر إلى إيران مقارنة مع إسرائيل التي أذاقت الشرق الأوسط الويل منذ الأربعينيات .

هذه المعادلة المعقدة هي ما يدفع الغرب إلى استثمار ضخم فيما يُعرف بـ “الحرب الناعمة”. وهي حرب تهدف إلى تشتيت الهوية الجمعية للمسلمين وتجزئتها، أو على الأقل إرباكها. مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية عصر العولمة، أدرك الغرب أن النصر العسكري لا يعني دوماً تحقيق نصر سياسي، بل قد يؤدي إلى مقاومات وازدياد كراهية الشعوب. كما أن هناك سبباً لا يقل أهمية وهو تخفيف الخسائر البشرية والنفقات العسكرية التي تدفع إلى الجمود في الاقتصاد نفسه . لذلك، تحول الغرب إلى الإغراء والإغواء بدلاً من القمع والقسر، والاستفادة من التفكك لضرب التماسك الداخلي. إن التفكيك والالتفاف أجدى وأرخص من التدمير والمواجهة. وتتنوع آليات الإغواء بين إيهام النخب المحلية بأنها شريكة في عمليات الاستثمار، وإغواء الشعوب عبر وسائل الإعلام العالمية وبيع أحلام الاستهلاك الوردية، وإثارة الأقليات ومشاكل الحدود، وتفكيك الأسرة باعتبارها الملجأ الأخير للإنسان . كل هذه الآليات تصب في هدف واحد هو ضرب الخصوصيات القومية والمرجعية الأخلاقية، حتى يفقد الجميع أية خصوصية وأية منظومة قيمية، ليصبحوا آلة إنتاجية استهلاكية لا تكف عن الإنتاج والاستهلاك دون أية تساؤلات .

وفي الجانب السيبراني، تُشكل الحرب السيبرانية أحد أبرز أبعاد المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، حيث تجاوزت ساحات الصراع العمليات العسكرية التقليدية لتشمل الفضاء الرقمي بوصفه جبهة موازية . يعكس هذا التحول اتساع دور الفضاء السيبراني في الحروب الحديثة، حيث لم تعد العمليات الرقمية وسيلة مساندة فحسب، بل أداة مركزية تؤثر في مسار الصراع وتكمل العمليات العسكرية الميدانية .

الصراع مع إيران.. بين السياسة والهوية
في خضم هذه الحرب الناعمة، يأتي الصراع الدائر مع إيران ليمثل اختباراً حقيقياً لوحدة الهوية الإسلامية. منذ بداية التصعيد العسكري في 28 فبراير 2026، الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بهدف تدمير قدراتها الصاروخية والعسكرية ومنعها من امتلاك سلاح نووي ، أصبح الموقف معقداً ومتشابكاً. البعض يحاول اختزال الصراع في ثنائية دعائية: إيران + المقاومة مقابل أمريكا + إسرائيل. وهذا تبسيط وتضليل في نفس الوقت، فالواقع أكثر تعقيداً.

كثير من الدول العربية لا ترى الصراع من زاوية “إيران في مواجهة أمريكا وإسرائيل” فقط، بل من زاوية تجربة مباشرة مع النفوذ الإيراني في الإقليم، في العراق وسوريا ولبنان واليمن. لذلك فإن تحفظ هذه الدول لا يعود إلى عجز عن نصرة المسلمين، بل إلى خشيتها من مشروع سياسي يرى في المنطقة مجالاً حيوياً لنفوذه . في المقابل، تطلق إيران تصريحات تستدعي الخطاب الديني بطريقة انتقائية، محاولة فرض تعريف إيراني للصراع الدائر. البعض في طهران يخاطبون المسلمين وكأنهم أوصياء على الإسلام، ويفترضون أن الوقوف مع إيران هو معيار نصرة الإسلام. وهذا خلط بين الدين بوصفه رابطة حضارية واسعة وبين مشروع سياسي لدولة بعينها. فالدول الإسلامية ليست ملزمة شرعاً ولا سياسياً بالاصطفاف وراء سياسات دولة أخرى لمجرد أنها تعلن نفسها ممثلةً للمقاومة. الإسلام ليس تفويضاً سياسياً لأي دولة كي تتحدث باسمه أو تُلزم الآخرين بمواقفها .

إن الدعوة إلى وحدة المسلمين فكرة نبيلة في أصلها، لكنها تفقد معناها عندما تصدر من موقع يفترض ضمنياً قيادة دولة بعينها لهذه الوحدة أو جعلها مركزها. فالوحدة لا تبنى على الاصطفاف خلف دولة واحدة، بل على علاقات متكافئة واحترام سيادة الدول ومصالح الشعوب. والعرب، الذين يشكلون قلب العالم الإسلامي التاريخي والحضاري، ليسوا ساحة لتصفية الصراعات الدولية أو الإقليمية، ولا مجالاً لتوسيع نفوذ أي دولة، أكانت غربية أم إقليمية .

مصر.. اختبار العقلانية والثبات
في وسط هذه العاصفة، تظهر مصر مرة أخرى كصوت للعقلانية والثبات. تشير تحليلات الخبراء إلى أن بعض الدول الخليجية تتصرف بعقلانية، معتمدة على التاريخ المشترك والمواقف السابقة. وتعتبر العلاقة مع كل من قطر وعُمان والكويت مثالاً جيداً على العلاقات الثنائية، حيث تساعد العلاقات التاريخية والثقة المتبادلة على تهدئة الموقف، مؤكدين أن “الأمن الإقليمي الجماعي هو النقطة الأهم والمجدية للاستقرار والثبات في هذه المنطقة” .

ما يميز الموقف المصري هو قدرته على الموازنة بين الثوابت والمتغيرات. مصر التي عرفت عبر تاريخها كيف تحافظ على هويتها الجامعة، وكيف توحد بين المسلمين والمسيحيين تحت راية الوطن، وكيف تتصدى لمحاولات التفتيت والتفكيك، تقف اليوم كحصن منيع في وجه حروب الهوية الناعمة . إن إدراك مصر لأهمية الحفاظ على الهوية الجمعية للمسلمين، مع احترام خصوصيات الدول وسيادتها، هو ما يمكنها من لعب دور محوري في المنطقة. هذا الإدراك يستند إلى فهم عميق لتاريخ المنطقة ودروس الماضي. فمن يقرأ التاريخ جيداً، يدرك أن محاولات تمزيق الهوية الإسلامية لم تبدأ اليوم، وأن المشاريع الطائفية والسياسية التي حاولت اختزال الإسلام في مذهب أو دولة بعينها قد باءت جميعها بالفشل. وستظل الهوية الإسلامية جامعة، رغم كل محاولات التشويش والتفتيت .

لقد حذر الرئيس السيسي في عدة مناسبات من أن حروب الجيل الرابع والخامس تمثل قضية شديدة الخطورة على أمن مصر الوطني، مشيراً إلى أنها تعتمد بشكل أساسي على الشائعات، التضليل الإعلامي، والحرب النفسية لتدمير الدولة من الداخل دون تدخل عسكري مباشر . أكد الرئيس أن هذه الحروب تستهدف الوعي الشعبي الجمعي بشكل مباشر وإثارة الفتن الداخلية التي قد تؤدي إلى انقسامات عميقة. في الندوة التثقيفية الـ32 للقوات المسلحة، شدد الرئيس على أن الوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الحروب، وأن بناء الإنسان المصري وتحصينه فكرياً هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الوطن .

الحفاظ على الهوية.. استراتيجية واعية لا ردود فعل انفعالية
الخلاصة التي نخرج بها من هذه القراءة أن الحفاظ على الهوية الإسلامية في ظل التحديات الراهنة لا يتم عبر ردود الفعل الانفعالية، بل من خلال الوعي الاستراتيجي، وإعادة بناء الأسس الفكرية، وتحسين المناهج التعليمية، وتعزيز الإعلام الهادف، والانفتاح الواعي على الآخر دون الانصهار فيه . إن الوعي بطبيعة الحرب الناعمة التي تستهدف الهوية الجمعية للمسلمين هو الخطوة الأولى في مواجهتها. إن إدراك أن ما يحدث ليس مجرد صراع سياسي أو عسكري عابر، بل هو حرب وجودية على الهوية والقيم، يضعنا في موقع يمكننا من بناء استراتيجيات فعالة للتصدي لهذه الحرب.

العرب والمسلمون مطالبون اليوم بأن يدركوا أن الصراع في منطقتهم ليس مجرد معادلة دعائية من نوع “إيران + المقاومة مقابل أمريكا + إسرائيل”. إن الصراع مع الكيان الصهيوني ومع الهيمنة الأجنبية هو قضية حقيقية ومركزية في الوعي العربي، لكن تحويله إلى غطاء لمشروع نفوذ إقليمي، أو إلى أداة للمزايدة الدينية على الآخرين، لا يخدمها بل يضر بها .

مصر التي تحملت عبر التاريخ أعباء الدفاع عن الأمة، والتي قدمت الغالي والنفيس دفاعاً عن قضاياها، تظل النموذج الأمثل في الحفاظ على الهوية الجامعة مع احترام الخصوصيات. إنها الأرض التي صنعت المجد واحتضنت الحضارات، والتي ستبقى مرفوعة الرأس، أبية لا تنحني، وقوية لا تُقهر، تحمل راية المجد والعزة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

فلسفة المبادرة ومنطلقاتها الاستراتيجية
تنبثق مبادرة “هويتي.. درع وأمان” من إيمان عميق بأن الوعي هو حائط الصد الأول في مواجهة التحديات المعاصرة، حيث تهدف المبادرة إلى تحويل مفهوم الهوية من شعار نظري إلى واقع معاش يحمي المجتمع وخاصة الشباب من موجات التفتيت الثقافي. تسعى هذه الرؤية إلى ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية باعتبارها الحاضنة الشرعية للهوية الإسلامية والعربية الوسطية، مما يخلق سياجاً فكرياً يمنع الاستقطاب السياسي أو الانزلاق نحو التبعية لمشاريع إقليمية غريبة عن النسيج المصري والأصيل، وبذلك يتحول الانتماء إلى قوة دافعة للبناء والاستقرار .

يتصدر المسار الرقمي أولويات المواجهة من خلال تأسيس منصة “وعي” التفاعلية التي توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتفنيد الشبهات التاريخية والدينية التي تُستخدم كأدوات لتفكيك الهوية الجمعية. يتكامل هذا الجهد مع إطلاق سلسلة “بودكاست الهوية” التي تستضيف نخبة من المفكرين والعلماء لتبسيط مفاهيم الحرب الناعمة بأسلوب عصري جذاب، بالتوازي مع إنتاج مقاطع مرئية قصيرة ومكثفة تستهدف منصات التواصل الاجتماعي للمقارنة بين القيم الأسرية الراسخة وبين أوهام الاستهلاك الزائف التي تروجها الماكينات الثقافية العولمية لتمزق الروابط المجتمعية .

يمتد العمل نحو بناء الإنسان من الداخل عبر مبادرة “سفراء الوسطية” التي تعمل على إعداد كوادر شبابية مؤهلة داخل الجامعات المصرية، تكون مهمتها توضيح الفوارق الجوهرية بين التمسك بصحيح الدين وبين الانجرار خلف الشعارات السياسية الموجهة من الخارج. وتتعزز هذه الجهود بإطلاق مسابقات وطنية لصناع المحتوى والمبدعين لتقديم أعمال فنية وتصاميم تجسد وحدة النسيج الوطني المصري بمسلميه ومسيحييه، مما يحول العملية التعليمية إلى ساحة لتعزيز الانتماء وصقل الشخصية المصرية القادرة على النقد والتحليل والفرز الثقافي الواعي .

تتجسد القوة الناعمة للمبادرة في إحياء الرمزية الكبرى للأعياد والمناسبات القومية من خلال مهرجان “أعيادنا وحدة” الذي ينظم فعاليات ثقافية ورياضية كبرى تحت رعاية الدولة، ليرسخ في الوجدان الشعبي أن العيد ليس مجرد طقس استهلاكي بل هو شعيرة عبادية ووطنية تعزز التماسك الاجتماعي . تهدف هذه الأنشطة إلى إعادة الاعتبار لمنظومة الأخلاق والقيم كالمروءة وإتقان العمل باعتبارها جوهر الهوية الإسلامية والمصرية، مما يقطع الطريق على محاولات تغييب الوعي أو تهميش الخصوصيات الثقافية والوطنية لصالح هويات هجينة ومشتتة.

ترتكز الرسالة الإعلامية للمبادرة على ترسيخ حقيقة أن قوة مصر واستقرارها يمثلان صمام الأمان للأمة العربية والإسلامية برمتها، وأن القرار الوطني المستقل هو الضمانة الوحيدة للنجاة من صراعات الوكالة المدمرة . يتم العمل من خلال هذا الميثاق على رفع مستوى الوعي بطبيعة الصراعات الدولية والتمييز الدقيق بين الانفتاح الثقافي المفيد وبين الغزو الذي يستهدف تفكيك الأسرة، لتظل مصر دائماً هي القلب النابض والمنارة التي تضيء طريق النهضة والاستقلال القائم على الوعي الاستراتيجي والأصالة الفكرية المتجردة .

خاتمة.. نحو مشروع استقلالي متوازن
في النهاية، يبقى الدرس الأهم الذي نستخلصه من هذه القراءة هو أن الطريق إلى نهضة الأمة واستقلال قرارها لا يمر عبر الاصطفاف خلف مشاريع الآخرين، ولا عبر استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، بل عبر بناء مشروع استقلالي متوازن يحفظ سيادة الأمة العربية ويمنع توظيف الدين في صراعات النفوذ .

مصر، بتاريخها العريق وحضارتها الضاربة في عمق الزمن، وبوعي شعبها وقدرة قيادتها على قراءة المتغيرات، هي المؤهلة لقيادة هذا المشروع. مشروع يعيد الاعتبار للهوية الجامعة، ويحميها من محاولات التمزيق والتفتيت، ويؤسس لخطاب وطني وديني متجرد، قادر على مواجهة طوفان الخوارزميات وحروب الهوية الناعمة . إنها مصر التي تختار من يحكمها بصفات الأخلاق الحسنة، وهي التي تمثل قمة الشخصية الإسلامية والمصرية المثلى، وستظل قادرة على الحركة والتمدد مهما كانت الظروف، لأنها تمتلك القدرة المعرفية، ولأنها مهد الود والنبل والإنسانية .

كما قال الرئيس السيسي في احتفالية ليلة القدر، إننا نتطلع إلى رؤية إبداعات مماثلة في كافة العلوم والميادين، حتى نرى بعد دولة التلاوة ميلاد دولة العلم، ودولة الإبداع والاختراع، ودولة الفصاحة . الدولة تسعى لتحقيق التوازن بين البناء الروحي والديني وبين النهضة العلمية والتكنولوجية، لتظل مصر رائدة في كل مجال كما هي رائدة في دولة التلاوة.

رسالة الرئيس للعالم كانت واضحة؛ مصر هي حارسة التراث الديني الوسطي، وهي التي تعيد صياغة علاقة المواطن بهويته الدينية الراقية بعيداً عن الجمود أو التشدد . إن ميلاد “دولة العلم” و”دولة الإبداع” الذي ينشده الرئيس هو امتداد طبيعي لنجاح “دولة التلاوة”، فالمسار واحد وهو مسار التميز والريادة المصرية.

سؤال للقارئ
هل تعتقد أن الوعي العربي والإسلامي بحروب الهوية الناعمة كاف لمواجهتها؟ وكيف يمكن لمصر أن تلعب دوراً أكبر في توحيد الصف العربي والإسلامي في مواجهة محاولات التمزيق والتفتيت التي تستهدف المنطقة، لا سيما في ظل التحديات الراهنة من حروب الجيل الرابع والخامس والهجمات السيبرانية التي تستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى