منوعات

مؤتمر القاهرة العربي الأفريقي الأول للبروتينات والأنظمة الغذائية المستدامة..

مؤتمر القاهرة العربي الأفريقي الأول للبروتينات والأنظمة الغذائية المستدامة..

جسر عربي أفريقي لصناعة غذاء المستقبل

إيهاب محمد زايد
هذا المقال لتمدد مصر إلي جذورها الطبعية ودورها الجغرافي و التاريخي من خلال ميثاق القاهرة للأمن الغذائي المستدام وصناعة البروتين
(من وادي النيل إلى قلب أفريقيا: رؤية 2050)
أولاً: السيادة الوراثية وحماية الأصول البيولوجية المشتركة
إن حجر الزاوية في أمننا الغذائي يبدأ من امتلاكنا لشيفراتنا الوراثية الوطنية، حيث يتعهد الموقعون على هذا الميثاق بتدشين “البنك العربي الأفريقي الموحد للمصادر الوراثية”، بهدف حصر وتوصيف السلالات النباتية والميكروبية المحلية ذات الكفاءة البروتينية العالية، وهو ما يستدعي صياغة أطر قانونية صارمة لمكافحة “القرصنة البيولوجية” وضمان حقوق المزارعين والمبتكرين في منطقتنا، مع التركيز على استنباط أصناف قادرة على مجابهة التغيرات المناخية الحادة عبر تقنيات الانتخاب الجزيئي والهندسة الوراثية المتقدمة، لضمان استدامة الإنتاج في بيئاتنا القاسية.

ثانياً: التمويل السيادي كرافعة استراتيجية للبنية التحتية
لا يمكن للابتكار العلمي أن يغادر أروقة المختبرات دون ظهير مالي صلب، ولذا فإن الميثاق يؤكد على ضرورة توجيه استثمارات “صناديق الثروة السيادية” نحو بناء ممرات لوجستية ذكية تربط بين منابع المواد الخام في أفريقيا ومراكز التصنيع المتطورة في العالم العربي، مما يساهم في بناء مفاعلات حيويةBioreactors عملاقة لإنتاج البروتينات البديلة والمخمرة، ويحول رأس المال العربي من مستهلك للتكنولوجيا إلى مالك لوسائل إنتاج الغذاء، ويضمن في الوقت ذاته تقليل الهدر وتحويل فوائض الإنتاج الزراعي إلى منتجات ذات قيمة مضافة تضاعف العوائد الاقتصادية للقارة.

ثالثاً: التحالف العلمي لمكافحة “الجوع الخفي” والتقزم
إن الالتزام الأخلاقي تجاه شعوبنا يفرض علينا توظيف التكنولوجيا الحيوية كأداة للعدالة الاجتماعية، وذلك من خلال إطلاق “شبكة البروتين الميسر” التي تستهدف القضاء على نقص المغذيات الدقيقة عبر تقنيات “التدعيم الحيوي” للأغذية التقليدية، حيث يلتزم الباحثون بتطوير بدائل بروتينية مدعمة بالحديد والزنك والفيتامينات الأساسية لتصل إلى الفئات الأكثر احتياجاً بأسعار عادلة، وهو ما يمثل خط الدفاع الأول ضد أمراض سوء التغذية والتقزم، ويضمن بناء أجيال عربية وأفريقية تمتلك كامل طاقتها الجسدية والذهنية للمشاركة في بناء المستقبل.

رابعاً: توحيد معايير “الحلال” كعلامة تجارية عالمية
يمثل سوق الحلال فرصة استراتيجية تتجاوز البعد الديني لتصبح معياراً عالمياً للجودة والسلامة، ومن هنا يقر الميثاق بضرورة تأسيس “الهيئة العربية الأفريقية الموحدة لاعتماد الحلال”، والتي ستتولى وضع الأطر التشريعية لمنتجات البروتينات البديلة واللحوم المزروعة، بما يضمن مواءمتها للشريعة الإسلامية والمعايير الصحية الدولية، مما يفتح آفاقاً رحبة أمام الصادرات الغذائية المشتركة لاختراق الأسواق العالمية بهوية موحدة وقوة تفاوضية كبرى، تحول منطقتنا إلى المركز اللوجستي الأول لصناعة الحلال في العالم.

خامساً: مختبرات الغذاء الحية وتوطين الابتكار الشعبي
إن الانتقال نحو النظم الغذائية المستدامة يتطلب دمج العلم بالمجتمع، ولذا يعلن الميثاق عن إنشاء شبكة “مختبرات القاهرة للابتكار الغذائي” في مختلف الأقاليم العربية والأفريقية، لتكون حاضنات ميدانية تجمع بين العلماء والمزارعين ورواد الأعمال لتطوير حلول غذائية نابعة من البيئة المحلية، مع التركيز على إعادة إحياء المحاصيل التقليدية المنسية ودمجها في صناعات غذائية حديثة، مما يحفز ريادة الأعمال الشبابية ويخلق فرص عمل خضراء، ويضمن أن تظل عملية الابتكار مستمرة ومتجددة، لا تكتفي باستيراد الحلول بل تصدرها للعالم.

من وادي النيل إلى قلب أفريقيا.. لماذا نحتاج مؤتمراً عربياً أفريقياً؟
في زمن تتصاعد فيه موجات الجفاف والتصحر، وتتسارع فيه تحولات سلاسل الإمداد الغذائي العالمية، وتتصدر فيه قضايا الأمن الغذائي والاستدامة أجندة الحكومات العربية والأفريقية، يبرز سؤال مصيري: كيف يمكن لمنطقتين غنيتين بالموارد الطبيعية، متجاورتين جغرافيا، متشابهتين في التحديات، أن تتحدا لصناعة غذاء المستقبل بأيديهما؟

قبل أن نتعمق في التفاصيل، دعونا نتأمل في هذه الحقيقة المذهلة: العالم العربي وأفريقيا ينتجان معاً نحو 15% فقط من البروتين الحيواني الذي يستهلكانه، بينما يستوردان الباقي من قارات بعيدة بأسعار تتضاعف أضعافاً . المفارقة أن المنطقة العربية الأفريقية تمتلك ثروة هائلة من الموارد الطبيعية غير المستغلة: أراضٍ شاسعة صالحة للزراعة، وتنوعاً بيولوجياً فريداً، وتراثاً غذائياً غنياً، ومواقع استراتيجية على طرق التجارة العالمية. لكن هذه الثروات تظل حبيسة الإمكانات، في انتظار من يحررها.

في مايو 2025، احتضنت فرانكفورت الدورة الاستثنائية لمعرض IFFA، حيث اجتمع أكثر من 1000 عارض من 52 دولة، واستقطب 63,117 زائراً من 144 دولة . هناك، في قاعات العرض التي امتدت على 116 ألف متر مربع، كانت مشاركة الدول العربية والأفريقية محدودة، رغم أن المنطقة تمتلك من المقومات ما يجعلها مؤهلة لأن تكون لاعباً رئيسياً في هذا القطاع الحيوي.

في العام نفسه، وتحديداً في يناير 2026، شهدت دبي الدورة الاستثنائية لمعرض Gulfood، حيث تجاوزت مساحة العرض 28 ألف متر مربع، وشارك 8500 عارض من 195 دولة . هناك، كانت مشاركة الشركات العربية والأفريقية لافتة، لكنها كانت في الغالب مشاركة استهلاكية أو تسويقية، وليست مشاركة ابتكارية أو إنتاجية.

بين هذين الحدثين العالميين، وبين تحديات الأمن الغذائي المشتركة، وبين الفرص الهائلة التي تنتظر من يستغلها، تبرز فكرة: ماذا لو كان للعالم العربي وأفريقيا مؤتمر خاص بهما، يجمع تحت سقف واحد القطاع الحكومي والخاص والأكاديمي والبحثي، ليرسم خارطة طريق مشتركة لصناعة اللحوم والبروتينات البديلة في المنطقة؟ مؤتمر لا يكون مجرد منصة لعرض المنتجات، بل مختبراً حياً للابتكار، وورشة عمل لتوطين التقنيات، ومنصة للحوار حول السياسات والتشريعات، وجسراً للربط بين منتجي المواد الخام ومصنعي المنتجات النهائية.

هذا هو المقترح الذي نطرحه: مؤتمر القاهرة العربي الأفريقي الأول للبروتينات والأنظمة الغذائية المستدامة، ليكون منصة تجمع بين الخبرات العالمية والطموحات الإقليمية، وبين الابتكارات التكنولوجية والاحتياجات المحلية، وبين الأمن الغذائي والفرص الاستثمارية، وبين التراث الغذائي العربي الأفريقي الغني وأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحيوية. مؤتمر ينطلق من القاهرة، عاصمة مصر، قلب العالم العربي، ليمتد تأثيره إلى أعماق أفريقيا، عبر بوابة التاريخ المشترك والمستقبل المترابط.

المبررات الاستراتيجية.. لماذا الآن ولماذا عربياً أفريقياً؟
أولاً: التحول العالمي نحو البروتينات البديلة. في IFFA 2025، كان القسم الأكثر ازدحاماً هو “عالم البروتينات الجديدة” الذي خصص له قاعة كاملة لأول مرة في تاريخ المعرض . هناك، عرضت شركات من جميع أنحاء العالم ابتكاراتها في مجال البروتينات النباتية، والبروتينات المخمرة باستخدام الفطريات والخمائر، واللحوم المزروعة في المختبرات. هذا التحول ليس موضة عابرة، بل هو استجابة لتحديات عالمية كبرى: تزايد عدد سكان العالم نحو 10 مليارات بحلول 2050، وارتفاع الطلب على البروتين الحيواني بنسبة 70%، والضغوط البيئية المتزايدة المرتبطة بتربية الماشية التي تساهم بنحو 14.5% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية . المنطقة العربية الأفريقية، التي تقع في قلب المناطق الأكثر تضرراً من التغير المناخي، لا يمكنها أن تظل متفرجة على هذه الثورة.

ثانياً: التراث الغذائي المشترك والتنوع البيولوجي الفريد. تضم المنطقة العربية الأفريقية آلاف الأنواع من المحاصيل التقليدية والأغذية المحلية التي طالما شكلت أساساً للنظم الغذائية المستدامة. دراسات حديثة تشير إلى أن إعادة إحياء المحاصيل الأفريقية التقليدية والأغذية المحلية يمكن أن تساهم بشكل كبير في تعزيز الأمن الغذائي والتغذية في القارة . ففي أوغندا، نجح مشروع HealthyFoodAfrica في إنشاء تعاونيات نسائية لإنتاج ومعالجة الحبوب المحلية، مما أدى إلى تحسين الدخل والتغذية في المجتمعات الريفية . في غانا، ساعدت السياسات الداعمة للمحاصيل التقليدية في زيادة إنتاجيتها وتحسين وصولها إلى الأسواق . هذا التراث الغذائي الغني هو ميزة تنافسية فريدة للمنطقة، ويمكن أن يشكل أساساً لصناعة بروتينات بديلة ذات نكهات وقيم غذائية فريدة لا تضاهى.

ثالثاً: سوق الحلال كفرصة استراتيجية. وفقاً لتقارير Gulfood 2026، شهد المعرض حضوراً لافتاً من الشركات العالمية التي تقدم منتجات حلال، من البرازيل إلى أوروبا إلى أمريكا الشمالية . شركات مثل Casa Alhambra الإسبانية فازت بجوائز عن منتجاتها الحلال، وشركات مثل Solmaz Foods الكندية أصبحت أول شركة كندية تصدر منتجات اللحوم الحلال إلى الإمارات . هذه الشركات تدرك أن سوق الحلال العالمي، الذي يقدر حجمه بأكثر من 2 تريليون دولار، ليس مجرد سوق استهلاكي، بل هو فرصة استثمارية كبرى. والعالم العربي الأفريقي، بموقعه الجغرافي وتراثه الثقافي وخبراته في صناعة الأغذية، هو المؤهل الطبيعي ليكون مركزاً لهذه الصناعة.

رابعاً: التحول من استيراد الغذاء إلى تصنيع القيمة المضافة. أعلن وزير الاقتصاد الإماراتي في يناير 2026 أن قطاع الأغذية والتصنيع الغذائي هو الفرصة الاستثمارية الأولى في الإمارات، مؤكداً أن القيمة الحقيقية لا تكمن في زراعة الكيلوغرام من الخيار، بل في تحويله إلى منتج نهائي يباع بعشرين ضعف سعره . هذا التحول من الاستيراد إلى التصنيع المحلي هو ما يحدث الآن في دول الخليج، حيث تستثمر شركات مثل Al Ghurair Foods 20 مليون دولار في مصانع لأنظمة تغليف اللحوم، وتطلق علامات تجارية جديدة للمكونات الغذائية. هذه النماذج الناجحة تحتاج إلى منصة إقليمية تتيح تبادل الخبرات وتوسيع نطاقها إلى أفريقيا، حيث تعاني القارة من فجوة كبيرة في القدرات التصنيعية. تقارير متخصصة تشير إلى أن القارة الأفريقية تصدر المواد الخام الزراعية وتستورد المنتجات النهائية بأسعار مضاعفة، مما يفقدها قيمة مضافة هائلة تقدر بمليارات الدولارات سنوياً .

خامساً: توطين التقنيات الحديثة في سياق إقليمي. في IFFA 2025، كانت القضية الأكثر إلحاحاً هي نقص العمالة الماهرة، والحل الذي قدمته الشركات كان في الأتمتة والذكاء الاصطناعي والروبوتات . معهد فراونهوفر الألماني عرض نظاماً للتنظيف الآلي باستخدام مستشعرات ذكية وتقنيات الواقع الافتراضي، وروبوتاً متحركاً للتنظيف في المناطق الحرجة . هذه التقنيات ليست رفاهية، بل هي ضرورة لمواجهة تحديات نقص العمالة وارتفاع التكاليف. العالم العربي الأفريقي بحاجة إلى منصة تنقل هذه التقنيات وتوطنها، مع تكييفها لتناسب الظروف المحلية وحجم المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

سادساً: الأمن الغذائي كأولوية قومية وقارية. تواجه أنظمة الغذاء في أفريقيا ضغوطاً غير مسبوقة من التغير المناخي والصراعات والأزمات الاقتصادية. تشير تحليلات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن أكثر من 678 مليون أفريقي كانوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي قبل جائحة كوفيد-19، وأن الوضع تدهور بشكل كبير بعدها . في المنطقة العربية، يعاني نحو 70 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، مع اعتماد كبير على استيراد الحبوب الأساسية. هذا الوضع الهش يستدعي تحولاً جذرياً في أنظمة الغذاء، نحو مزيد من الاعتماد على الذات والتنويع والمرونة.

رؤية المؤتمر.. محاور مبتكرة تخرج عن النمط التقليدي
انطلاقاً من هذه المبررات، نطرح رؤية متكاملة للمؤتمر العربي الأفريقي الأول للبروتينات والأنظمة الغذائية المستدامة، الذي سيعقد في القاهرة تحت رعاية جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، وبالشراكة مع وزارات الزراعة والصناعة والغذاء في الدول العربية والأفريقية، وبالتعاون مع الاتحادات العربية والأفريقية للصناعات الغذائية.

المحور الأول: مختبرات الغذاء الحية.. من الحلول العالمية إلى النماذج المحلية
هذا المحور ينطلق من فكرة أن الحلول الفعالة لأنظمة الغذاء لا يمكن استيرادها جاهزة، بل يجب أن تُبتكر في سياقها المحلي. يعتمد المحور على نموذج “مختبرات الغذاء الحية” الذي طُبق بنجاح في ست دول أفريقية ضمن مشروع HealthyFoodAfrica، حيث تم إنشاء عشرة مختبرات محلية في بنين وإثيوبيا وغانا وكينيا وأوغندا وزامبيا، كل منها يعالج تحديات محددة تتعلق بالتغذية والإنتاج المستدام وسلامة الغذاء . هذه المختبرات لم تكن مجرد منصات بحثية، بل كانت مساحات للتعايش والابتكار المشترك بين العلماء والمزارعين والمستهلكين وصناع القرار.

في إطار المؤتمر، سيتحول هذا النموذج إلى تجربة عربية أفريقية فريدة. سيتم إنشاء شبكة من “مختبرات الغذاء الحية” تمتد من المغرب إلى مصر إلى جنوب أفريقيا، تجمع بين الخبرات العربية والأفريقية في مجال معالجة اللحوم والبروتينات البديلة. كل مختبر سيركز على محاصيل وموارد محلية محددة، مثل التمور العربية في إنتاج البروتينات النباتية، أو الدخن والذرة الرفيعة الأفريقية في تطوير بدائل اللحوم، أو منتجات الألبان التقليدية في تعزيز القيمة المضافة. هذه المختبرات ستكون بمثابة حاضنات للابتكار، حيث يجتمع الباحثون من مراكز البحوث العربية والأفريقية مع رواد الأعمال والمستثمرين المحليين، لتطوير نماذج أولية لمنتجات بروتينية جديدة تلبي احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية.

المحور الثاني: من المزرعة إلى المائدة.. ربط سلاسل القيمة عربياً وأفريقياً
يركز هذا المحور على إحدى أكبر التحديات التي تواجه أنظمة الغذاء في المنطقة: الفجوة بين المنتجين والمستهلكين، وبين المواد الخام والمنتجات النهائية. تقارير متخصصة تشير إلى أن القارة الأفريقية تفقد قيمة هائلة بسبب تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة . في مجال اللحوم والبروتينات، تتكرر نفس المعادلة: تصدير الحيوانات الحية واللحوم المجمدة بأسعار منخفضة، واستيراد المنتجات المصنعة بأسعار مضاعفة.

يهدف هذا المحور إلى قلب هذه المعادلة، من خلال بناء جسور بين منتجي المواد الخام في أفريقيا ومصنعي المنتجات النهائية في العالم العربي. تخيل أن الماشية التي تربى في السودان أو تشاد أو النيجر، بدلاً من أن تُصدر حية بأسعار بخسة، تُنقل إلى مصانع في مصر أو السعودية أو الإمارات، حيث تُحول إلى منتجات لحوم عالية الجودة تحمل علامات تجارية عربية أفريقية مشتركة، تُصدر بعد ذلك إلى الأسواق العالمية تحت مظلة شهادة حلال موحدة. هذا النموذج لا يخلق قيمة مضافة فحسب، بل يعزز التكامل الاقتصادي بين الدول العربية والأفريقية، ويخلق فرص عمل في كلا الجانبين.

سيتضمن هذا المحور جلسات حوار بين كبرى شركات تجارة الماشية واللحوم في أفريقيا، وشركات التصنيع الغذائي في العالم العربي، وصناديق الاستثمار المتخصصة، لاستكشاف نماذج شراكة مبتكرة تمتد عبر الحدود. كما سيتضمن عروضاً حية لتقنيات التصنيع المتطورة التي يمكنها تحويل المواد الخام إلى منتجات نهائية عالية الجودة، مع التركيز على الحلول المناسبة للأسواق الناشئة.

المحور الثالث: التراث الغذائي العربي الأفريقي.. إعادة اكتشاف كنوز الجيل القادم
ربما يكون هذا المحور هو الأكثر ابتكاراً وجاذبية. فهو ينطلق من فكرة أن الإجابة عن تحديات الغذاء المستقبلية قد تكون مخبأة في ماضينا الغذائي. دراسات حديثة تؤكد أن إعادة إحياء المحاصيل الأفريقية التقليدية والأغذية المحلية يمكن أن تساهم بشكل كبير في تحسين التغذية وتعزيز مرونة أنظمة الغذاء . هذه المحاصيل، التي طالما تجاهلتها السياسات الزراعية وأبحاث التطوير، تحمل في جيناتها صفات فريدة من مقاومة الجفاف والملوحة والآفات، وقيم غذائية عالية.

في العالم العربي، لدينا تراث غذائي غني لا يقل أهمية. من التمور العربية التي تمتلك أكثر من 2000 صنف، إلى الحمص والفول والعدس التي شكلت أساس البروتين النباتي في المنطقة لآلاف السنين، إلى منتجات الألبان التقليدية مثل الجبن واللبن التي تمتلك تقنيات تخمير فريدة. هذا التراث الغذائي هو كنز حقيقي يمكن استثماره في تطوير بروتينات بديلة تحمل نكهات وقيم غذائية فريدة، وتجمع بين الأصالة والحداثة.

سيخصص هذا المحور مساحة لعرض هذه المنتجات التقليدية بطرق حديثة، مع التركيز على إمكانيات تطويرها صناعياً وتسويقها عالمياً. كما سيشمل جلسات تذوق وتقييم حسي، وورش عمل لتطوير منتجات مبتكرة تعتمد على المكونات التقليدية، ومسابقات لأفضل ابتكار غذائي يجمع بين التراث والتكنولوجيا الحديثة.

المحور الرابع: الحلال بين الجودة والقيمة المضافة.. بناء علامة تجارية عربية أفريقية عالمية
في عالم تتزايد فيه شكوك المستهلكين تجاه المنتجات الغذائية غير المألوفة، تصبح شهادة الحلال أداة قوية لبناء الثقة وفتح الأسواق. لكن مشكلة شهادة الحلال في العالم العربي الأفريقي أنها متفرقة بين عشرات الهيئات، مما يضعف القوة التفاوضية للمنطقة ويعيق التبادل التجاري. هذا المحور يهدف إلى توحيد معايير الحلال في المنطقة، ورفعها من مجرد مطلب تنظيمي إلى عامل تنافسي يضيف قيمة للمنتجات العربية الأفريقية.

سيتضمن المحور نقاشات حول إنشاء هيئة عربية أفريقية مشتركة لاعتماد الحلال، تعتمد على أفضل الممارسات العالمية وتستفيد من الخبرات المتراكمة في الدول العربية المختلفة. كما سيركز على كيفية تحويل شهادة الحلال إلى أداة تسويقية قوية، من خلال قصص نجاح لعلامات تجارية عربية وأفريقية استطاعت اقتحام الأسواق العالمية مستفيدة من هذه الشهادة. وسيتم استعراض تجارب شركات مثل Al Islami Foods الإماراتية، التي استطاعت بناء علامة تجارية عالمية في مجال اللحوم الحلال، لتكون نموذجاً يُحتذى به.

المحور الخامس: السياسات والتشريعات.. نحو إطار عربي أفريقي موحد
لا يمكن لصناعة اللحوم والبروتينات البديلة أن تنمو في بيئة قانونية غير مستقرة أو متفرقة. هذا المحور يهدف إلى وضع إطار تشريعي عربي أفريقي موحد ينظم هذا القطاع الحيوي، بما في ذلك معايير السلامة والجودة والوسم والاعتماد الحلال. سيتم الاستفادة من التجارب الناجحة في دول المنطقة، مثل القوانين الإماراتية والسعودية في تنظيم الغذاء، والنماذج الأفريقية في وضع معايير الجودة المشتركة ضمن إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

كما سيركز المحور على قضايا الملكية الفكرية في مجال التقنيات الحيوية المرتبطة بالبروتينات البديلة، وحماية حقوق المزارعين في الأصول الوراثية المحلية، وضمان وصول صغار المنتجين إلى الأسواق. سيشمل المحور جلسات حوار بين المشرعين والخبراء القانونيين والباحثين، لوضع توصيات عملية يمكن اعتمادها على المستويين العربي والأفريقي.

المحور السادس: من القاهرة إلى كيب تاون.. ربط أنظمة الغذاء لتحقيق الأمن الغذائي القاري
في ختام المؤتمر، سينطلق هذا المحور ليربط بين ما تم مناقشته على مدى أيام المؤتمر، وبين الرؤية الأوسع لتحقيق الأمن الغذائي في القارة الأفريقية والعالم العربي. سيشمل المحور عروضاً من قادة الفكر في مجال أنظمة الغذاء، ومن صانعي القرار على المستويين العربي والأفريقي، ومنظمات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي.

كما سيشهد هذا المحور إطلاق “مبادرة القاهرة لأنظمة الغذاء المستدامة”، وهي مبادرة تهدف إلى إنشاء شبكة عربية أفريقية لتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا في مجال اللحوم والبروتينات البديلة. ستكون هذه المبادرة بمثابة إطار عمل مستدام، يتابع تنفيذ التوصيات الصادرة عن المؤتمر، ويعزز التعاون بين الدول العربية والأفريقية في هذا القطاع الحيوي.

تصميم المؤتمر.. عوالم تفاعلية وتجارب إقليمية فريدة
استلهاماً من تجربة IFFA 2025 التي قسمت المعرض إلى “عوالم IFFA” الخمسة لتسهيل التنقل وتجميع المنتجات المتشابهة ، نقترح أن يتضمن المؤتمر مساحة عرض مقسمة إلى عوالم متخصصة، مصممة لتعكس الخصوصيات العربية والأفريقية وتجمع بين التراث والحداثة.

عالم التراث الغذائي سيكون بمثابة متحف حي للمكونات والمنتجات التقليدية العربية والأفريقية. هنا، سيعرض المزارعون والحرفيون من جميع أنحاء المنطقة منتجاتهم التقليدية، من التمور العربية إلى الحبوب الأفريقية، ومن منتجات الألبان التقليدية إلى طرق التخمير والتجفيف القديمة. هذا العالم سيكون نقطة انطلاق للابتكار، حيث يمكن لزوار المؤتمر من الباحثين والمصنعين التعرف على هذه الكنوز الغذائية واستلهام أفكار لتطويرها.

عالم الابتكار والبروتينات البديلة سيكون القلب النابض للمؤتمر، حيث ستعرض الشركات الناشئة والمراكز البحثية العربية والأفريقية أحدث ابتكاراتها في مجال البروتينات النباتية والمخمرة والمزروعة. سيشمل هذا العالم مسابقة لأفضل ابتكار غذائي عربي أفريقي، وجوائز للشركات الناشئة الواعدة، ومنصة لعرض نماذج أولية للمنتجات التي يجري تطويرها.

عالم التقنيات والأتمتة سيركز على أحدث التقنيات في مجال معالجة اللحوم والبروتينات البديلة، مع عرض أنظمة ذكاء اصطناعي وروبوتات يمكن تكييفها لتناسب حجم المنشآت الصغيرة والمتوسطة. سيشمل هذا العالم عروضاً حية من شركات عالمية مثل Multivac وGEA وWeber Technologies، وجلسات نقاش حول كيفية توطين هذه التقنيات في المنطقة.

عالم سلاسل القيمة والتكامل الإقليمي سيكون منصة لربط منتجي المواد الخام في أفريقيا بمصنعي المنتجات النهائية في العالم العربي. سيشمل هذا العالم معرضاً لفرص الاستثمار والشراكة، وجلسات حوار بين كبرى الشركات وصناديق الاستثمار، ومنصة لعرض مشاريع التكامل الإقليمي الناجحة.

عالم السياسات والحوكمة سيكون مساحة للحوار بين صانعي القرار والخبراء القانونيين، لوضع توصيات عملية للأطر التشريعية والتنظيمية المشتركة. سيشمل هذا العالم جلسات نقاش حول قضايا الملكية الفكرية، وسلامة الغذاء، والوسم، والاعتماد الحلال.

توصيات المؤتمر.. من النقاش إلى العمل
في ختام المؤتمر، سيتم إصدار مجموعة من التوصيات العملية، تهدف إلى تحويل الرؤى والنقاشات إلى خطوات ملموسة على الأرض. من أبرز هذه التوصيات:

أولاً: إنشاء شبكة عربية أفريقية لمختبرات الغذاء الحية. تمتد من المغرب إلى مصر إلى جنوب أفريقيا، لتكون بمثابة حاضنات للابتكار في مجال البروتينات البديلة، تستفيد من الخبرات المحلية والموارد الطبيعية الفريدة لكل منطقة.

ثانياً: إطلاق مبادرة لتوحيد معايير الحلال. بهدف إنشاء هيئة عربية أفريقية مشتركة لاعتماد الحلال، تعتمد على أفضل الممارسات العالمية وتستفيد من الخبرات المتراكمة في المنطقة.

ثالثاً: إنشاء صندوق استثماري عربي أفريقي للبروتينات البديلة. يستهدف تمويل الشركات الناشئة والمشاريع الواعدة في هذا المجال، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار فيه، مع التركيز على المشاريع التي تعزز التكامل الإقليمي.

رابعاً: تطوير إطار تشريعي عربي أفريقي موحد. لتنظيم صناعة اللحوم والبروتينات البديلة، بما في ذلك معايير السلامة والجودة والوسم والاعتماد الحلال.

خامساً: إدراج المحاصيل التقليدية والبروتينات البديلة في السياسات الزراعية والغذائية. على المستويين الوطني والإقليمي، لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

سادساً: إنشاء منصة رقمية عربية أفريقية لربط سلاسل القيمة. تربط منتجي المواد الخام في أفريقيا بمصنعي المنتجات النهائية في العالم العربي، وتتيح تبادل المعلومات والخبرات والفرص الاستثمارية.
إضافة مقترحة: التمويل السيادي.. المحرك الاستراتيجي للاستدامة الإقليمية
إن التحول من الرؤية النظرية إلى الواقع العملي يتطلب وقوداً مالياً يتجاوز حدود التمويلات التقليدية، وهنا يأتي الدور المحوري لـ “صناديق الثروة السيادية” العربية. إن استثمار هذه الصناديق في البنية التحتية التكنولوجية والزراعية في أفريقيا ليس مجرد خطوة استثمارية ذات عوائد مجزية، بل هو ضمانة سيادية لاستدامة سلاسل الإمداد وتأمين مستقبل الغذاء العربي الأفريقي.

لماذا نحتاج لتدخل الصناديق السيادية الآن؟

بناء البنية التحتية الصلبة: أفريقيا تمتلك الأرض، لكنها تفتقر إلى صوامع التخزين الذكية، وشبكات النقل اللوجستي المبرد، ومصانع المعالجة الأولية. استثمار الصناديق السيادية في هذه الأصول يقلل من الهدر الغذائي الذي يصل في القارة إلى 40%.

تمويل مراكز الابتكار الكبرى: توطين تكنولوجيا “اللحوم المزروعة” و”البروتينات البديلة” يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة في المختبرات والمفاعلات الحيوية Bioreactors ، وهو ما لا تستطيع الشركات الناشئة القيام به بمفردها.

خلق “ممر استثماري” آمن: وجود الصناديق السيادية كشريك يقلل من المخاطر الائتمانية ويشجع القطاع الخاص والمصارف التجارية على الدخول بقوة في المشاريع الزراعية المشتركة.

إن “مؤتمر القاهرة” يجب أن يكون المنصة التي تطلق “صندوقاً عربياً أفريقياً للاستثمار الغذائي السيادي”، ليتحول رأس المال من مجرد باحث عن الربح السريع إلى شريك في صناعة السيادة الغذائية العابرة للحدود.

خاتمة.. من القاهرة إلى كيب تاون.. مستقبل غذائي مشترك
في النهاية، يظل مؤتمر القاهرة العربي الأفريقي الأول للبروتينات والأنظمة الغذائية المستدامة أكثر من مجرد حدث سنوي. إنه فرصة لتحويل التحديات التي تواجه الأمن الغذائي في منطقتين عظيمتين إلى فرص استثمارية وتنموية مشتركة. في عالم تتسارع فيه وتيرة الابتكار، وتتصاعد فيه الحاجة إلى مصادر بروتين مستدامة، لا يمكن للعالم العربي وأفريقيا أن يظلا متفرجين.

نحن نمتلك الموارد الطبيعية، والعقول الشابة، والخبرات المتراكمة، والموقع الجغرافي الفريد. ما ينقصنا هو منصة تجمع هذه العناصر معاً، وتوجهها نحو بناء صناعة غذائية عربية أفريقية رائدة في مجال اللحوم والبروتينات البديلة. هذا المؤتمر هو تلك المنصة. وهو دعوة مفتوحة لكل من يؤمن بأن مستقبل الغذاء العربي الأفريقي يصنع بأيدٍ عربية وأفريقية، وبعقول عربية وأفريقية، وبإرادة عربية أفريقية مشتركة.

فهل نكون عند مستوى هذا التحدي؟ وهل نستطيع تحويل أحلام الأمن الغذائي إلى واقع ملموس يغذي أجساد أطفالنا ويروي أحلام شبابنا ويبني مستقبل منطقتنا؟

سؤال للقارئ
بينما تقرأ عن هذه الرؤية الطموحة لمؤتمر عربي أفريقي يجمع بين تراثنا الغذائي الغني وأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحيوية، وبين منتجي المواد الخام في أفريقيا ومصنعي المنتجات النهائية في العالم العربي، وبين صغار المزارعين وكبار المستثمرين، يبقى السؤال مفتوحاً لك: كيف يمكن للعالم العربي وأفريقيا أن يحولا تحديات الأمن الغذائي المشتركة إلى فرص للتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر، بتاريخها الحضاري وموقعها الجغرافي الفريد، في قيادة هذا المشروع الإقليمي الطموح؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى