“وكان أبوهما صالحًا”.. حين خرج لقاء وزير العمل ورئيس مجموعة العربي من لغة الملفات إلى لغة القلوب

في أحيان كثيرة، تبدأ اللقاءات الرسمية بلغة الأرقام والخطط والبروتوكولات.. أوراق تُوقَّع وتصريحات تُقال وصورٌ تذكارية تحفظ الحدث… لكن بعض اللقاءات تمتلك روحًا مختلفة، إذ تتسلل إليها الإنسانية بهدوء، فتتحول من مشهد إداري عادي إلى لحظة مبدعة ،نابضة بالمشاعر والوفاء والمعاني العميقة…هكذا بدا اللقاء الذي جمع وزير العمل حسن رداد مع المهندس محمد محمود العربي الرئيس التنفيذي لمجموعة العربي، منذ أيام قليلة بمكتب الوزير بالعاصمة الجديدة ،خلال مناقشة ملفات التعاون المشترك في التدريب من أجل التشغيل، وخطط تأهيل الشباب وربطهم باحتياجات سوق العمل داخل مصر وخارجها.
كان الحديث في بدايته يدور حول مراكز التدريب، والمنصات الرقمية، والتوسع في إعداد العمالة الفنية المؤهلة، وهي ملفات تعكس توجه الدولة نحو الاستثمار في الإنسان باعتباره أساس التنمية الحقيقية…لكن فجأة،خرج اللقاء من لغة الملفات إلى لغة القلوب… حضرت سيرة الحاج محمود إبراهيم العربي،مؤسس مجموعة شركات العربي،وعضو برلمان سابق “ولد 1932 في المنوفية و توفي 9 سبتمبر 2021 “..هو الرجل الذي لم يكن مجرد اسم كبير في عالم الصناعة والتجارة، بل نموذجًا وطنيًا وإنسانيًا استثنائيًا، ارتبط اسمه دائمًا بحب العمال واحترام البسطاء، حتى صار لدى كثيرين “شهبندر التجار” الذي جمع بين النجاح الاقتصادي والقيمة الأخلاقية… وخلال الحديث، استعاد رئيس المجموعة بعضًا من ذكريات والده الراحل، مشيرًا إلى أن أحد أبنائه رآه في المنام، يوصيه بالعمال خيرًا، ويؤكد ضرورة الاستمرار في الحفاظ على حقوقهم والاستمرار في دعمهم ورعايتهم، وكأن الرجل الذي غاب بجسده ما زال حاضرًا بروحه ووصاياه ومبادئه الاقتصادية والتجارية،التي كان يتبناها ومن بينها “الأخلاق قبل الأسواق”..هنا، جاءت إجابة الوزير هادئة وعميقة في آن واحد :”وكان أبوهما صالحًا”..لم يكن رد الوزير مجرد عبارة عابرة، بل مفتاحًا لمعنى كبير، فبعض الرجال يرحلون، لكن أخلاقهم تبقى حيّة في أبنائهم، وفي المؤسسات التي أسسوها، وفي الناس الذين عاشوا معهم سنوات طويلة من العطاء والعمل.
ذلك المشهد حمل أكثر من رسالة، أولها أن الصناعة الحقيقية لا تقوم فقط على المصانع والآلات، بل على احترام الإنسان وصون كرامة العامل…وثانيها أن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص الوطني تصبح أكثر قوة حين تستند إلى تاريخ من المسؤولية الاجتماعية والانحياز لقيمة العمل….أما الرسالة الأهم، فهي أن المحبة التي يتركها الإنسان في قلوب الناس، هي الرصيد الحقيقي الذي لا يزول برحيله.. ولعل ما جعل اسم الحاج محمود العربي حاضرًا حتى الآن، ليس فقط نجاحه الاقتصادي الكبير، وإنما تلك الصورة الإنسانية التي بقيت عالقة في وجدان العمال والبسطاء،رجلٌ كان يرى العامل شريكًا في النجاح، ويؤمن أن البركة الحقيقية تبدأ من العدل والاحترام والضمير..حتى عن علاقته بالمنافسين له قال: “واحدة من أهم مبادئنا هي إحترام المنافس، فنحن نؤمن أن المنافسة قوة والاحتكار ضعف وعجز”…
لذلك بدا اللقاء، في لحظة صادقة، وكأنه أكثر من مجرد اجتماع لمناقشة بروتوكول تعاون أو خطة تدريب وتشغيل..بدا وكأن روح الرجل الذي أحب الناس وأحبوه، كانت حاضرة في المكان، تطمئن أن الوصية ما زالت محفوظة، وأن الخير الذي زرعه بالأمس ما زال يُثمر حتى اليوم..
*بقلم /عبدالوهاب خضر ..المتحدث الرسمي والمستشار الاعلامي لوزير العمل …



