مقالات

ازدواجية المعايير والرهانات الخاسرة: هل تُقايض مصر أمنها القومي بمصالح الآخرين؟

بقلم / رامي احمد 

​تمر العلاقات “العربية-العربية” بمرحلة هي الأصعب في التاريخ الحديث، حيث تتقاطع الأجندات الإقليمية لدرجة التصادم. فبينما تُطالب العواصم الخليجية القاهرة بلعب دور “الظهير العسكري” في مواجهة التمدد الإيراني، تبرز ملفات شائكة تجعل هذا الطلب محل تساؤل أخلاقي وسياسي واستراتيجي.

​1. السودان: طعنة في الخاصرة الجنوبية

​لا يمكن الحديث عن أمن مصر القومي دون الحديث عن السودان. التقارير الدولية (الأممية والحقوقية) باتت تشير بوضوح إلى تورط الإمارات في دعم “قوات الدعم السريع” بالعتاد والسلاح عبر ممرات لوجستية معقدة. هذا الدعم لم يساهم فقط في تدمير الدولة السودانية، بل خلق تهديداً مباشراً لمصر من الجنوب، سواء عبر موجات النزوح المليونية أو تهديد حصة مياه النيل. هنا يبرز السؤال: كيف يُطلب من الجيش المصري الاستعداد للدفاع عن الخليج، بينما يتم تمويل ميليشيات تنهش في عمق الأمن المصري الاستراتيجي؟

​2. قطر وسيناء: جراح لم تندمل

​رغم المصالحات البروتوكولية، لا يزال الوعي الجمعي المصري يستحضر سنوات من الدعم القطري (سواء الإعلامي عبر “الجزيرة” أو المادي المباشر وغير المباشر) لجماعات العنف والإرهاب في سيناء وتيارات الإسلام السياسي. هذا الدعم الذي استهدف تقويض استقرار الدولة المصرية وتشويه صورتها دولياً، يمثل “كيلًا بمكيالين”؛ فمن غير المنطقي دعم الفوضى في بلد ما، ثم مطالبته بأن يكون حارساً لحدودك ضد أعدائك.

​3. “الاستثمارات” أم “الاستحواذات”؟

​ما يصفه البعض بـ “استثمارات أونطة” (أو استثمارات صورية) هو تعبير عن الغضب الشعبي تجاه سياسة شراء الأصول الرابحة بدلاً من إقامة مشاريع إنتاجية حقيقية. يرى قطاع من المحللين أن بعض القوى الخليجية استغلت الأزمة الاقتصادية المصرية للاستحواذ على مفاصل الدولة الاقتصادية بأسعار بخسة، بدلاً من تقديم دعم تنموي حقيقي يعزز صمود الحليف الاستراتيجي.

​4. التوتر الصامت مع السعودية

​العلاقة المصرية السعودية، التي كانت تاريخياً حجر الزاوية، تشهد حالة من “البرود التكتيكي”. التنافس على الزعامة الإقليمية، والاختلاف في ملفات مثل اليمن وسوريا، وطريقة إدارة المساعدات الاقتصادية، خلق فجوة في الثقة. السعودية تسعى لقيادة المنطقة عبر رؤية 2030، بينما تشعر مصر أن مكانتها كـ “قائد عسكري وتاريخي” يتم تهميشها لصالح القوة المالية.

​هل يصح أن تقف مصر معهم ضد إيران؟

​الإجابة على هذا التساؤل تكمن في مبدأ “الأمن المتبادل”. السياسة الدولية لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح:

​مبدأ “مسافة السكة”: مصر أعلنت تاريخياً أن أمن الخليج خط أحمر، لكن هذا الالتزام يجب أن يكون متبادلاً. لا يمكن لمصر أن تدخل في صراع مباشر مع إيران (التي لم تدخل في صدام عسكري مباشر مع مصر منذ عقود) من أجل دول تساهم في إضعاف مصر داخلياً أو إقليمياً.

​توازن القوى: الدفاع عن الخليج ضد طهران هو “خدمة أمنية” كبرى. وفي عالم السياسة، الخدمات الكبرى تقابلها أثمان كبرى، تبدأ أولاً بوقف دعم الميليشيات في السودان، واحترام السيادة المصرية، وتقديم دعم اقتصادي حقيقي غير مشروط بالاستحواذ.

​الرؤية المصرية: يبدو أن القاهرة بدأت تتبنى سياسة “تصفير المشاكل” مع القوى الإقليمية (بما فيها تركيا وإيران تدريجياً)، كنوع من الضغط على الحلفاء العرب ليدركوا أن مصر لديها خيارات أخرى، وأن “شيك الحماية” لم يعد مفتوحاً دون مقابل أمني حقيقي.

​الخلاصة:

لا يصح أخلاقياً ولا سياسياً أن تُستنزف دماء الجنود المصريين أو موارد الدولة في صراعات لا تخدم سوى من يساهمون في إضعافها. الوقوف ضد إيران يجب أن يكون جزءاً من “صفقة شاملة” تضمن لمصر ريادتها وأمنها في كافة الدوائر (السودان، ليبيا، سيناء)، وإلا فإن “الحياد النشط” هو الخيار الأذكى لمصر في هذه المرحلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى