مشروع ‘الجينوم الذهبي’: كيف تستعد مصر لتصبح مصدراً عالمياً للأدوية المستخلصة من نباتاتها الفريدة؟

مشروع ‘الجينوم الذهبي’: كيف تستعد مصر لتصبح مصدراً عالمياً للأدوية المستخلصة من نباتاتها الفريدة؟
مصر: إيهاب محمد زايد
من ديوان الوطن:
“مِصْرُ أُمِّي وَهَبَتْنِي حُبَّهَا وَعَطَاءَهَا
فَمَاذَا أَهْدِي لَهَا إِلَّا الْعِلْمَ وَالْبِنَاءَ؟
أُقَبِّلُ تُرْبَهَا وَأَقُولُ لِلنَّخْلَةِ اشْهَدِي
بِأَنِّي فِدَاءُ هَذِهِ الأَرْضِ وَالْمَاءَ” (من قصيدة “عهد إلى مصر” لأحمد رامي)
بينما ينشغل العالم بصراعات الحدود والسيادة على الموارد التقليدية، تدور في الخفاء معركة أكثر حدةً وأعمق أثراً: معركة السيطرة على “شفرة الحياة” ذاتها. لقد انتقلنا من عصر اكتشاف الجينات إلى عصر تسليعها، ومن مرحلة دراستها إلى مرحلة تحويلها إلى قوة اقتصادية وسياسية. مصر التي علمت البشرية أسس الزراعة قبل سبعة آلاف عام، تقف اليوم على عتبة فرصة تاريخية لتعلم العالم كيفية تحويل التنوع البيولوجي إلى محرك للتنمية المستدامة. فبعد أن أدركنا قيمة مواردنا الجينية، وشرعنا في حمايتها، ووضعنا خططاً لاستثمارها، يأتي السؤال الحتمي: كيف ستبدو النتائج على أرض الواقع؟ وكيف يمكن لهذا القطاع الناشئ أن يغير وجه الاقتصاد المصري بحلول عام 2030؟
من النظرية إلى التطبيق
إن الحديث عن الاقتصاد الحيوي لم يعد ضرباً من الخيال العلمي، بل أصبح واقعاً تشهد به الأرقام والتجارب الدولية. ففي الوقت الذي تستثمر فيه الدول المتقدمة مئات المليارات في هذا القطاع، تثبت الدراسات أن الدول النامية الغنية بالتنوع البيولوجي تمتلك رأس المال الحقيقي للتفوق في هذه الصناعة، إذا ما أحسنت استغلاله. وهذا المقال لا يقدم وعوداً بل يقدم رؤية استراتيجية قائمة على نماذج نجاح عالمية وتحليلات اقتصادية موثقة، توضح المسار الواقعي لتحويل “أكواد الحياة المصرية” إلى إيرادات ملموسة تدعم الخزانة العامة وتخلق وظائف نوعية وتعزز مكانة مصر في الخريطة التكنولوجية العالمية.
المحور الأول: الأسس العلمية والاقتصادية للرؤية
تقوم رؤية تحقيق أول مليار دولار من الاقتصاد الحيوي على ثلاثة أركان رئيسية موثقة بالأدلة العالمية:
الركن الأول يتمثل في القيمة السوقية الهائلة للموارد الجينية. فحسب تقرير “الاقتصاد الحيوي العالمي: التوقعات والتحديات” الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في عام 2023، فإن القيمة السوقية للصناعات القائمة على الموارد البيولوجية ستتجاوز أربعة تريليونات دولار على مستوى العالم بحلول عام 2030، مع معدل نمو سنوي مركب يقدر بنسبة 8.7%. وتشمل هذه الصناعات الأدوية الحيوية، والوقود الحيوي المتقدم، والمواد الحيوية، والزراعة الذكية.
أما الركن الثاني فيكمن في الميزة التنافسية الفريدة لمصر. فوفقاً لقاعدة بيانات “فلورا أوف إيجيبت” التي أعدها العالم المصري الراحل الدكتور لطفي بولس، تمتلك مصر ما لا يقل عن 2145 نوعاً نباتياً برياً، منها 43 نوعاً مستوطناً لا يوجد في أي مكان آخر في العالم. هذه الأنواع تشكل مخزوناً وراثياً فريداً تصل قيمته التقديرية، وفقاً لمعايير تقييم الموارد الوراثية الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، إلى مليارات الدولارات لو تم استغلالها اقتصادياً عبر آليات تقاسم المنافع.
ويأتي الركن الثالث متمثلاً في التحول العالمي نحو النماذج الاقتصادية المستدامة. حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن أكثر من 50 دولة أطلقت استراتيجيات وطنية للاقتصاد الحيوي بين عامي 2015 و2023، مسجلة نمواً في ناتجها المحلي الإجمالي في القطاعات الحيوية بنسبة تفوق معدلات النمو التقليدية. وهذا يؤكد أن الاستثمار في هذا المجال لم يعد خياراً ترفيهياً بل ضرورة استراتيجية.
المحور الثاني: مسارات الإيرادات: من أين يأتي المليار دولار؟
يمكن لمصر تحقيق إيرادات تتجاوز المليار دولار سنوياً من الاقتصاد الحيوي بحلول 2030 عبر أربع قنوات رئيسية مدعومة بنماذج دولية ناجحة:
المسار الأول هو صناعة المستحضرات الصيدلانية والتجميلية المتقدمة. فسوق المستحضرات الدوائية النباتية العالمي، حسب تقرير “جراند فيو ريسيرتش” (Grand View Research) لعام 2023، يقدر بنحو 40.3 مليار دولار، ومن المتوقع أن ينمو إلى 57.2 مليار دولار بحلول 2030. وقد نجحت دول مثل ألمانيا (مختبرات “بيل ي رون” و”ويلد”) وإيطاليا (“أبوكا”) في بناء علامات تجارية عالمية تعتمد على النباتات الطبية المحلية. مصر، بامتلاكها 384 نوعاً نباتياً طبياً موثقاً، يمكنها استخلاص ما لا يقل عن 10-15 مادة فعالة جديدة، تقدر قيمة السوق العالمية لكل منها بين 50 إلى 200 مليون دولار سنوياً، مما يحقق إيرادات تراكمية تصل إلى 500 مليون دولار.
أما المسار الثاني فيتمثل في خدمات التراخيص والتكنولوجيا الحيوية. حيث يظهر نموذج كوستاريكا نجاحاً لافتاً في هذا المجال؛ فقد حققت البلاد، وفقاً لتقرير معهد الموارد العالمية (World Resources Institute)، عائدات بقيمة 120 مليون دولار بين عامي 2015 و2022 من خلال اتفاقيات تقاسم المنافع للوصول إلى مواردها الجينية. ومن خلال إنشاء “البنك الرقمي القومي للموارد الوراثية المصرية” وتسجيل الملكية الفكرية للأنواع المستوطنة، يمكن لمصر جني عائدات تراخيص سنوية تقدر بنحو 200 مليون دولار من الشركات العالمية الراغبة في استخدام هذه الموارد.
ويتعلق المسار الثالث بتطوير وبيع البذور المحسنة وراثياً. فالسوق العربية للبذور المحسنة، حسب تقرير “فيد إنتليجنس” (Feed Intelligence) الزراعي، يتجاوز قيمته 2.5 مليار دولار سنوياً، وتعتمد الدول الخليجية على الاستيراد بنسبة تصل إلى 90%. ومن خلال استغلال الجينات المقاومة للجفاف والملوحة الموجودة في النباتات المصرية المستوطنة (مثل بعض أنواع نباتات العائلة الرمرامية)، يمكن تطوير أصناف محاصيل متكيفة مع المناخ وبيعها في الأسواق الإقليمية، مما يحقق إيرادات متوقعة تصل إلى 200 مليون دولار.
فيما يركز المسار الرابع على السياحة العلمية والاستشارات المتخصصة. حيث تحقق كوستاريكا، حسب بيانات معهد السياحة الكوستاريكي، ما يقرب من 1.8 مليار دولار سنوياً من السياحة البيئية والعلمية المرتبطة بتنوعها البيولوجي. ويمكن لمصر، من خلال إنشاء “مسار السياحة الحيوية” الذي يربط بين محميات سيناء والواحات البحرية والبحر الأحمر، وجذب المؤتمرات العالمية في التكنولوجيا الحيوية، تحقيق إيرادات تصل إلى 100 مليون دولار من هذا النشاط.
المحور الثالث: النتائج الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة
سيكون للتحول نحو الاقتصاد الحيوي آثار إيجابية متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد الإيرادات المالية:
على الصعيد الاقتصادي الكلي، فإن تحقيق إيرادات بقيمة مليار دولار سيساهم في تحسين الميزان التجاري وتنويع مصادر النقد الأجنبي بعيداً عن القطاعات التقليدية. كما سيدعم هذا القطاع الناشئ تحقيق أهداف رؤية “مصر 2030” المتعلقة بالابتكار والاقتصاد المعرفي، حيث سيرفع مساهمة قطاع التكنولوجيا الحيوية في الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 0.5% حالياً إلى ما يقارب 1.5% بحلول 2030.
أما على صعيد سوق العمل، فسيساهم هذا القطاع في خلق ما لا يقل عن 50 ألف فرصة عمل مباشرة جديدة، وفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية (ILO) حول كثافة العمالة في صناعات التكنولوجيا الحيوية. ستكون هذه الوظائف عالية الجودة ومتنوعة، تشمل الباحثين العلميين، وفنيي المختبرات المتقدمة، والمهندسين الزراعيين المتخصصين في التكاثر النباتي، والخبراء في مجال تسويق المنتجات الحيوية الفاخرة، والمرشدين للسياحة العلمية المتخصصة.
وسينعكس هذا التحول إيجابياً على التنمية الإقليمية والمحلية، حيث أن معظم الموارد الجينية الفريدة تتركز في مناطق مثل سيناء والواحات البحرية والصحراء الشرقية. فتنمية الصناعات القائمة على هذه الموارد ستحفز الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة في هذه المناطق، مما يساهم في تحقيق العدالة الجغرافية ويوفر بدائل اقتصادية مستدامة للمجتمعات المحلية.
المحور الرابع: متطلبات التحول وآليات التنفيذ
لتحقيق هذه الرؤية الطموحة، يجب توفر مجموعة من العوامل التمكينية الأساسية:
يتطلب النجاح في هذا المجال تطوير إطار تشريعي داعم ومحفز. حيث يجب إصدار قانون متكامل للوصول إلى الموارد الجينية وتقاسم المنافع، على غرار القانون البرازيلي رقم 13.123 لسنة 2015، الذي يضمن حقوق الدولة والمجتمعات المحلية ويوفر الحوافز للاستثمار الخاص. كما يجب تبسيط إجراءات تسجيل براءات الاختراع في المجال الحيوي لتكون في غضون 12 شهراً كحد أقصى، بدلاً من 3-5 سنوات حالياً، لمواكبة السرعة في هذا القطاع التنافسي.
كما يعتمد النجاح على بناء البنية التحتية البحثية والتكنولوجية اللازمة. وذلك من خلال إنشاء “المركز القومي للجينوميات والتكنولوجيا الحيوية” كمحور رئيسي يضم معامل متطورة للتعرف على التسلسل الجيني، وبنوك لحفظ العينات الوراثية، ووحدات للتجارب قبل السريرية. ويمكن تمويل هذا المركز عبر شراكة بين القطاعين العام والخاص، مع تخصيص نسبة من عوائد الموارد الجينية لإعادة استثمارها في البحث والتطوير.
ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير رأس المال البشري المتخصص. حيث يجب إدخال تخصصات جديدة في الجامعات المصرية مثل “الهندسة الوراثية التطبيقية” و”اقتصاديات الموارد الحيوية” و”إدارة الابتكار في التكنولوجيا الحيوية”، بالشراكة مع جامعات دولية رائدة في هذا المجال مثل جامعة فاغينينغين الهولندية أو المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ. كما يجب إطلاق برنامج وطني للابتعاث الخارجي يستهدف تدريب 500 باحث مصري شاب سنوياً في أفضل مراكز الأبحاث العالمية في هذا التخصص.
وأخيراً، يحتاج النجاح إلى تعزيز التعاون الدولي الاستراتيجي. من خلال التفاوض على اتفاقيات ثنائية لتقاسم المنافع مع الدول والشركات الرائدة في مجال التكنولوجيا الحيوية، والانضمام الفعال إلى الشبكات الدولية مثل “التحالف العالمي للاقتصاد الحيوي” (Global Bioeconomy Alliance) و”مبادرة البنوك الجينية العالمية” (Global Genome (Biodiversity Network، مما يضمن لمصر مكاناً في شبكات المعرفة والتجارة العالمية في هذا القطاع.
الخاتمة:
إن التحول نحو الاقتصاد الحيوي ليس رفاهية يمكن تأجيلها، بل هو ضرورة استراتيجية تحدد موقع مصر في خريطة القوى الاقتصادية المستقبلية. فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد قائم على المعرفة والاستدامة، حيث تصبح الموارد البيولوجية هي الركيزة الجديدة للثروة والقوة. ومصر، بتراثها البيولوجي الفريد وموقعها الجغرافي المتميز وإرثها الحضاري العريق، تمتلك كل المقومات لتصبح لاعباً رئيسياً في هذا التحول العالمي.
لقد حان الوقت لنتجاوز مرحلة الحديث النظري عن ثرواتنا الجينية، وندخل مرحلة الفعل الاستثماري الواعي. فكما استثمر أجدادنا في بناء الأهرامات لتكون شاهداً على عظمة حضارتهم، يجب أن نستثمر اليوم في بناء “أهرامات حيوية” من المعرفة والقيمة الاقتصادية، تترك للأجيال القادمة إرثاً من الازدهار المستدام والسيادة الاقتصادية.
الخلاصة:
بناءً على التحليل الاستراتيجي والأدلة الموثقة، يمكن لمصر تحقيق إيرادات تتجاوز المليار دولار سنوياً من الاقتصاد الحيوي بحلول عام 2030، وذلك من خلال أربع قنوات رئيسية: صناعة المستحضرات الصيدلانية والتجميلية المتقدمة (500 مليون دولار)، خدمات التراخيص والتكنولوجيا الحيوية (200 مليون دولار)، تطوير وبيع البذور المحسنة وراثياً (200 مليون دولار)، والسياحة العلمية والاستشارات المتخصصة (100 مليون دولار).
يتطلب تحقيق هذه الرؤية توفر إطار تشريعي داعم، وبنية تحتية بحثية متطورة، ورأس مال بشري متخصص، وتعاون دولي استراتيجي. وسيكون للتحول الناجح نحو الاقتصاد الحيوي آثار إيجابية متعددة تشمل تحسين الميزان التجاري، وخلق فرص عمل نوعية، ودعم التنمية الإقليمية، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للابتكار في مجال التكنولوجيا الحيوية.
إن اللحظة التاريخية الحالية تمنح مصر فرصة ذهبية للانتقال من اقتصاد يعتمد على استنزاف الموارد التقليدية إلى اقتصاد يقوم على إضافة القيمة المعرفية للموارد الحيوية المستدامة. والقرار الذي نتخذه اليوم تجاه “أكواد الحياة المصرية” سيكون هو الإرث الاقتصادي الذي نتركه للأجيال القادمة.
الوجبة الأدبية: اتفاقية شرم الشيخ 2035
الخميس، 15 أكتوبر 2035 – الساعة 11:47 صباحاً
فندق موفنبيك، شرم الشيخ
كانت رائحة القهوة العربية الثقيلة تملأ الغرفة المطلة على البحر الأحمر، حيث جلس الدكتور كريم عبد الحميد، رئيس “الهيئة المصرية للسيادة البيولوجية”، ينتظر بترقب. على الطاولة أمامه، وثيقة من عشر صفحات فقط، لكنها ستغير تاريخ الاقتصاد المصري. عنوانها: “اتفاقية الترخيص المشترك والتصنيع – العقد 2035-2055”.
من النافذة، رأى كريم السفن السياحية العملاقة ترسو في الميناء، تماماً كما كانت تفعل منذ عشرين عاماً. لكن اليوم، كان هناك شحنات مختلفة تماماً على رصيف خاص: حاويات مبردة صغيرة بحجم ثلاجة، عليها شعار “ميسر فارما – تكنولوجيا حيوية مصرية”. كانت تحتوي على أول شحنة تصديرية من “عقار السينائين” المضاد لسرطان الثدي، المستخلص بالكامل من نبات “الشيح السيناوي” الذي كان يجفف ويباع بالكيلو في أسواق العطارة قبل جيل.
دخلت الغرفة الدكتورة سارة مايكلز، المديرة التنفيذية لشركة “فارما جلوبال” السويسرية، برفقة ثلاثة محامين وخبير ملكية فكرية.
“دكتور كريم، لقد قرأنا العرض النهائي”، قالت سارة وهي تضع نظارتها، “25% من الأرباح الصافية لصالح مصر، مصنع إنتاج مشترك في مدينة السادات، تدريب 250 خبيراً مصرياً سنوياً في بازل… شروط صعبة”.
ابتسم كريم وهو يحرك كوب القهوة الفارغ.
“دكتورة سارة، اسمح لي أن أذكرك. في عام 2026، كانت شركتكم تشتري كيلو الشيح المجفف من وسط سيناء بـ 15 دولاراً. كنتم تبيعونه بعد تحويله لمادة أولية بـ 700 دولار. وكانت القيمة النهائية للعقار المستخلص منه تتجاوز 80 ألف دولار للجرعة الواحدة”.
توقفت للحظة، ثم أضاف:
“اليوم، مصر لا تبيع الأعشاب. مصر تبيع براءة الاختراع رقم USP 11,485,632 B2 المسجلة باسم ‘المركز القومي للجينوم النباتي’. نحن لا نتفاوض على سعر النبات، بل على قيمة الجين المقاوم الذي اكتشفناه وتسلسلناه”.
سكتت سارة لحظة، ثم فتحت حقيبتها الجلدية القديمة، وأخرجت ملفاً أصفر. كان عنوانه: “تقرير استكشافي – موارد نباتية في سيناء (2008)”.
“هذا تقرير شركتنا من 27 عاماً”، قالت بصوت هادئ، “فريقنا جمع 400 عينة نباتية، منها 12 عينة من نبات الشيح. كلفنا الحملة 300 ألف دولار، وبعنا التقرير لشركات أدوية بـ 4 ملايين. لكن…”.
رفعت عينيها نحو كريم:
“لكننا لم نذكر في التقرير اسم ‘مصر’ إلا مرة واحدة، في صفحة الغلاف. كنا نعتبرها مجرد موقع جغرافي، لا صاحب حق. هذا كان خطأنا الاستراتيجي”.
أومأ كريم، ثم فتح شاشة الهولوجرام المحمولة، وعرض شريطاً قصيراً: مقطع من خطاب السيدة رنا، سيدة بدوية من سيناء تبلغ من العمر 75 عاماً، مسجلة في “السجل الوطني للمعرفة التقليدية”.
“أمي وجدتي كانتا تستخدمان عشبة ‘الشيح’ مع زيت الزيتون لعلاج آلام البطن”، قالت رنا بلهجتها البدوية القوية، “كنا ننقعها سبعة أيام تحت الشمس…”.
أوقف كريم الفيديو.
“هذه المعرفة، دكتورة سارة، مسجلة برقم KT-EGY-3847. وهي جزء من حزمة الترخيص. اتفاقنا ليس فقط مع الدولة، بل مع رنا وأمثالها. 5% من الأرباح تذهب لصندوق تنمية سيناء، للتعليم والمستشفيات”.
كان المحامي الرئيسي للشركة السويسرية يتفحص الوثيقة بعناية. توقف عند البند 7.3.
“هذا البند… ‘يحق لمصر وقف الترخيص إذا استخدمت الشركة التكنولوجيا في تطبيقات عسكرية’. هذا غير مسبوق في العقود الدوائية”.
رد كريم بهدوء:
“في 2030، رفضنا عرضاً بملياري دولار من شركة أمنية كبرى كانت تريد استخدام سلالة ميكروبية من آثار سقارة في أنظمة استشعار بيولوجي عسكري. مواردنا الجينية للأغراض السلمية والإنسانية فقط. هذه خطنا الأحمر”.
ساد صمت طويل في الغرفة. كانت الموجات تلامس الشاطئ خارج النافذة بنفس الإيقاع الذي لامسته منذ آلاف السنين، حين كانت السفن المصرية القديمة تبحر من هنا محملة بالذهب والأحجار الكريمة. اليوم، كانت الشحنة الأثمن لا ترى بالعين المجردة: أقراص دقيقة تحتوي على “شفرة وراثية مصرية”.
“لديكم 43 نوعاً نباتياً مستوطناً، أليس كذلك؟”، سألت سارة فجأة.
“نعم”، أجاب كريم، “وقد سجلنا 29 منها حتى الآن كبراءات اختراع عالمية. الشيح هو مجرد البداية”.
نظرت سارة إلى زملائها، ثم إلى البحر الأحمر المتلألئ، وأخيراً إلى الوثيقة.
“سنوقع. لكننا نريد خيار التمديد التلقائي للعقد. نريد ضمان الوصول للموارد الـ 14 الباقية عندما تسجلونها”.
أخرج كريم قلماً ذكياً من جيبه، كان عليه شعار الهيئة: نخلة داخل حلقة من الحمض النووي.
“هناك شرط أخير. في كل عبوة دواء، ستكتب: ‘مستخلص وفقاً للمعرفة التقليدية المصرية – المصدر: سيناء، مصر'”.
“هذا… إعلاني بحت”، قالت سارة وهي تبتسم للمرة الأولى.
“لا، هذا اعتراف. اعتراف بأن الثروة لم تكن يوماً في الأرض وحدها، بل في معرفة من عاشوا عليها. نحن لا نبيع تراباً، نبيع ذاكرة شعب وحكمة أرض”.
بعد ساعتين، حين وقّع الطرفان وسط حضور رسمي وإعلامي محدود، كان كريم يتلقى رسالة على هاتفه الذكي من ابنته ياسمين، الطالبة في كلية التكنولوجيا الحيوية:
“بابا، محاضرة اليوم كانت عن ‘أخلاقيات الاقتصاد الحيوي’. البروفيسور عرض اتفاقية اليوم كمثال حي. أنا الوحيدة في القاعة التي تعرف أن البند 7.3 كان فكرتك. أشعر بفخر لا يوصف”.
رد كريم:
“أنتِ السبب. عندما بدأت هذا المشروع قبل 10 سنوات، كنت أفكر في أي مصر سترثينها. اليوم، أنتِ ترثين معرفة تتحول إلى ثروة، وثروة تحمي سيادة”.
وفي طريق عودته إلى القاهرة، مرت سيارته بجانب حقل تجريبي تابع للهيئة. كانت لافتة كبيرة مكتوب عليها: “مشروع النباتات المستوطنة – الجيل القادم من الثروة القومية”.
تحت اللافتة، كانت نبتة صغيرة تنمو في تربة سيناء، تماماً كما نمت منذ آلاف السنين. لكن اليوم، لأول مرة في التاريخ، كان “كودها الجيني” محفوظاً في خزائن مصرية، مسجلاً كملكية فكرية عالمية، ومحمياً بقانون وسياج وطني.
كانت الثروة الحقيقية، كما أدرك كريم، ليست في النبات نفسه، بل في القرار الذي اتخذ قبل عقد: أن نرى في تراب الوطن ليس مجرد أرض للبناء، بل مكتبة حية من الحلول لمشكلات لم تظهر بعد. وكانت أولى ثمار ذلك القرار تطفو الآن في حاويات مبردة، في طريقها إلى ميناء روتردام، حاملةً اسم مصر ليس كموقع على الخريطة، بل كعلامة تجارية للابتكار والحياة.



