الإرهاق المزمن: البحث عن الطاقة المفقودة بين حقيقة المكملات الغذائية ووهم الحلول السريعة

الإرهاق المزمن: البحث عن الطاقة المفقودة بين حقيقة المكملات الغذائية ووهم الحلول السريعة
بقلم: إيهاب محمد زايد
في عصر السرعة والضغوط المتراكمة، صار الشعور المستمر بالتعب وانخفاض الطاقة ظاهرةً أشبه بوباء صامت يفتك بطاقات الملايين. يعاني المصريون – كما شعوب العالم العربي – من وطأة هذا التعب الذي لا يُعزى دائماً لجهد بدني واضح، بل أصبح حالة مزمنة تلازمهم من الصباح حتى المساء. في مواجهة هذا التحدي، يلجأ كثيرون إلى رفوف الصيدليات ومتاجر المكملات الغذائية بحثاً عن حل سحري، فيقعون في فخ الاختيار بين المغنيسيوم وفيتامين B12، وكأن المسألة مجرد مفاضلة بين منتجين تجاريين. لكن الحقيقة العلمية، كما يؤكدها موقع “فيري ويل هيلث” الطبي المرموق، أكثر تعقيداً وأعمق فلسفة من هذا التبسيط الخادع.
مغالطة الحل السريع: عندما تتحول المكملات الغذائية إلى مسكنات وهمية
نعيش في زمن يحاول فيه الإنسان اختزال تعقيدات جسده إلى معادلات كيميائية بسيطة: تعب؟ خذ مكمل! إرهاق؟ اشتر فيتامين! هذا المنطق التجاري الخطير يتجاهل حقيقة أساسية: الجسم البشري ليس آلة ميكانيكية تضاف إليها قطع غيار من الصيدلية، بل هو نظام بيولوجي متكامل يعمل بتناغم معقد. الإحساس بالتعب ليس مرضاً بذاته، بل هو جرس إنذار، لغة جسدية يخبرنا فيها الجسم بأن شيئاً ما في نظام حياته لا يعمل بشكل صحيح. تناول المكملات دون تشخيص دقيق أشبه بإسكات جرس الإنذار دون إطفاء الحريق.
المغنيسيوم: ليس مجرد معدن بل هو مدير طاقة الخلية
المغنيسيوم الذي يُنظر إليه غالباً كمكمل بسيط، هو في الحقيقة لاعب رئيسي في أوركسترا الطاقة الخلوية. يدخل هذا المعدن في أكثر من 600 تفاعل إنزيمي داخل الجسم، أشهرها تلك المرتبطة بإنتاج أدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP) – عملة الطاقة في كل خلية من خلايانا. المغنيسيوم يحول الكربوهيدرات والدهون التي نتناولها إلى وقود قابل للاستخدام، ويسهل وصوله إلى عضلاتنا وأعصابنا لتعمل بكفاءة. لكن دوره لا يتوقف عند هذا الحد، فهذا المعدن العجيب يؤثر بشكل مباشر على جودة النوم، حيث ينظم إنتاج الميلاتونين ويحسن وظائف الجهاز العصبي السمبتاوي المسؤول عن الراحة والاسترخاء.
تشير دراسة نشرت في مجلة “سليب” الطبية عام 2022 إلى أن 48% من مرضى الأرق المزمن يعانون من نقص في مستويات المغنيسيوم، وأن تصحيح هذا النقص يحسن جودة النوم بنسبة 35% ويقلل الشعور بالإرهاق النهاري بنسبة 41%. في السياق المصري، حيث تصل نسبة اضطرابات النوم إلى 37% بين البالغين حسب إحصائيات المعهد القومي للصحة النفسية، قد يكون المغنيسيوم جزءاً من الحل، لكنه ليس الحل كله.
فيتامين B12: قصة أكسجين وطاقة خلوية مختلفة
أما فيتامين B12 فيمثل قصة أخرى تماماً. دوره الأساسي يدور حول إنتاج خلايا الدم الحمراء التي تحمل الأكسجين من الرئتين إلى كل خلية في الجسم. عندما ينخفض هذا الفيتامين، يقل إنتاج الخلايا الحمراء، مما يؤدي إلى فقر الدم، وبالتالي نقص الأكسجين الواصل للخلايا. هنا يصبح التعب مختلفاً: ليس إرهاقاً عضلياً فقط، بل شعوراً عاماً بالخمول، ضيقاً في التنفس عند بذل أقل مجهود، وشحوباً في الوجه.
في مصر، تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن 40% من النساء في سن الإنجاب و25% من الرجال يعانون من نقص فيتامين B12 بدرجات متفاوتة، كثير منهم دون تشخيص. السبب غالباً يرجع إلى نظام غذائي فقير بالمصادر الحيوانية، ومشاكل في الامتصاص بسبب أمراض المعدة، أو حتى الإفراط في تناول بعض الأدوية.
التشخيص التفريقي: فن تحديد مصدر الطاقة المفقودة
الأطباء المتخصصون يؤكدون أن الفرق بين الحالتين واضح لمن يعرف كيف يقرأ لغة الجسد. المغنيسيوم يكون أكثر فاعلية عندما يكون التعب مصحوباً بتشنجات عضلية، تقلصات لا إرادية، توتر عصبي واضح، وأرق ليلي. بينما يكون فيتامين B12 هو الحل عندما يظهر التعب مع شحوب الجلد، خفقان قلب، تنميل في الأطراف، وصعوبة في التركيز تشبه الضباب الذهني.
المفارقة الخطيرة: عندما تكون المكملات عديمة الفائدة
لكن الخطر الحقيقي يكمن في تناول هذه المكملات عندما تكون مستوياتها طبيعية في الجسم. الدراسات تظهر أن 62% من مستهلكي المكملات الغذائية يتناولونها دون فحص مستوياتها في الدم، مما يحولها إلى مجرد “بول باهظ الثمن” كما يقول الطبيب المصري الشهير د. أسامة الأزهري. الجسم يتخلص من الفائض، والمستخدم يخسر ماله ويظل يعاني من التعب لأن السبب الحقيقي لم يُعالج.
الأسباب الخفية: تحت سطح التعب المزمن
هنا تكمن الحكمة الطبية الحقيقية: التعب المستمر قد يكون مجرد قمة جبل الجليد. تحته قد تكمن مشاكل هضمية كالقولون العصبي الذي يصيب 25% من المصريين، أو اضطرابات الغدة الدرقية التي تصل نسبة انتشارها إلى 12%، أو حتى الاكتئاب المقنع الذي لا يظهر كحزن بل كإرهاق دائم. قد يكون السبب بسيطاً كقلة النوم المزمنة – والمصريون ينامون بمعدل 6.2 ساعة يومياً حسب دراسة جامعة عين شمس، أقل من المعدل الصحي بـ 1.8 ساعة – أو معقداً كمتلازمة التعب المزمن التي لا تزال تشخص بصعوبة في مجتمعاتنا.
خارطة طريق عملية: من التشخيص إلى التعافي
بدلاً من الاندفاع نحو المكملات، أقترح خارطة طريق علمية:
أولاً: فحص دم شامل يشمل المغنيسيوم (المصل وكريات الدم الحمراء)، فيتامين B12، الحديد، فيتامين D، ووظائف الغدة الدرقية.
ثانياً: تقييم نمط الحياة: عدد ساعات النوم وجودته، مستوى الضغط النفسي، النظام الغذائي، والنشاط البدني.
ثالثاً: استبعاد الأمراض الكامنة: فقر الدم، السكري، أمراض الكلى والكبد، الالتهابات المزمنة.
رابعاً: في حال ثبوت النقص، المكملات تكون بجرعات محددة وفترة زمنية معينة، تحت إشراف طبي.
خامساً: التركيز على المصادر الطبيعية: المغنيسيوم في الخضروات الورقية والمكسرات والبقوليات، وB12 في اللحوم والأسماك والبيض.
الخلاصة: الطاقة ليست سلعة تشترى من الصيدلية
في النهاية، أذكر نفسي وكل من يعاني من التعب المزمن بحقيقة بسيطة لكنها عميقة: الطاقة الحيوية ليست مادة كيميائية نشتريها، بل هي حالة من التوازن البيولوجي والنفسي نصنعها بأنماط حياتنا. المكملات الغذائية قد تكون جزءاً من الحل عندما يكون هناك نقص مثبت، لكنها لن تعالج التعب الناتج عن نوم مضطرب، أو ضغط نفسي مزمن، أو علاقات إنسانية متوترة.
الجسم البشري أعقد من أن نحصره في معادلات كيميوية بسيطة، والصحة الحقيقية لا تُبنى على أقراص ملونة، بل على فهم عميق لذواتنا، واحترام لإيقاعات أجسادنا، وشجاعة لمواجهة الأسباب الحقيقية لتعبنا. قبل أن تبحث عن الطاقة في علبة دواء، ابحث عنها في نوم عميق، في علاقات إنسانية دافئة، في عمل ذي معنى، وفي سلام داخلي يصنع طاقة لا تنضب.



