مقالات

العقل المتسع: في رحاب الدكتور أحمد شوقي بين دارون وابن رشد

العقل المتسع: في رحاب الدكتور أحمد شوقي بين دارون وابن رشد

بقلم إيهاب محمد زايد
في رحاب العقل المتسع بين كتاب مبادئ علم الوراثة وكتاب مستقبل الثقافة العلمية في مصر و ذاكرة تحتفي بتفرد فريد في زمن تحولت فيه السجالات الفكرية إلى معارك وجودية، وانقسمت العقول إلى معسكرات متصارعة، ظهر رجالٌ قلائل حملوا مشعل التعددية الفكرية في قلوبهم قبل عقولهم. كان الدكتور أحمد شوقي حسن شوقي – الذي غادرنا بجسده وبقي بيننا بفكره – واحداً من هؤلاء النُدرة الذين اتسعت مساحاتهم الداخلية لتحتضن ما يبدو للآخرين متناقضاً ومستحيل الجمع.
لم يكن رحيله مجرد فقدان لعالم وراثة بارز، ولا لمثقف موسوعي فحسب، بل كان خسارةً لنموذج إنساني نادر: عالِمٌ صوفيٌ يقرأ دارون، ومُتصوفٌ يعشق سارتر، ومسلمٌ متدينٌ يقدس ابن رشد، ومصريٌ أصيلٌ لا يخشى الحوار مع العالم. كان جسراً حياً بين ضفتين ظنتا نفسيهما متعارضتين إلى الأبد: ضفة الإيمان وضفة العقل، ضفة التراث وضفة الحداثة، ضفة الروح وضفة المادة.
سيرة لا تكتبها الشهادات وحدها
عرفت الدكتور شوقي – كما عرفه عشرات الطلاب في كلية الزراعة بالزقازيق – ليس فقط كأستاذ مادة الوراثة، بل كـعالم ومثقف وأديب وفليسوف يفتح بيته الفكري لكل أسئلة تلميذه، مهما بدت جريئة أو محرجة. أذكر كيف كان يلقي محاضراته في نادي أعضاء هيئة تدريس الكلية، ليس لينقل إلينا معلومات جافة من الكتب، بل ليشاركنا رحلته الشخصية مع الأفكار الكبيرة: كيف يقرأ “أصل الأنواع” لدارون وهو يتأمل آيات الخلق في القرآن؟ كيف يدرس نظرية التطور وهو يتذكر نقوش أجداده المصريين القدماء وهم يسجلون تنوع الكائنات على جدران المعابد؟ كيف يعيش صوفيته العميقة وهو ينهل من فكر سارتر الوجودي؟
كان يقول لنا: “لا تخافوا من التناقض الظاهري، فالحياة أكبر من أن تُحصر في تصور واحد”. وكان يردد: “العالِم الحقيقي ليس من يملك كل الإجابات، بل من يطرح الأسئلة الأكثر جرأة وإنسانية. وإن الفليسوف هو من يتعامل مع الوضع علي ماهو عليه ويعالجه بأفكاره
رؤية تتجاوز زمنها الضيق
هذا المقال ليس مجرد تأبين أو رثاء، بل هو محاولة لاستعادة مشروع فكري كامل حاول صاحبه – من خلال موقعه كأستاذ للوراثة وكعضو في اللجنة القومية لدراسات المستقبل – أن يقدم رؤيةً مغايرة للعلاقة بين العلم والدين، بين التراث والحداثة، بين الهوية والانفتاح.
سنقف هنا عند محطات فريدة في مسيرته: عند احتفاله السنوي بدارون في حرم جامعي يعج أحياناً بأصوات ترفض النظرية كلها، عند قراءته العميقة لتراث مصر القديم كشاهد على الوعي العلمي المبكر، عند تأثره بفلسفة ابن رشد في عقلانيته المنفتحة، عند تأثره لــ رؤية “مصر 2020” كمشروع قومي للنهضة المصرية عموما و العلمية خاصة.
هذه صفحات من سيرة عالِم أراد أن يكون جسراً، فصار نموذجاً. ومن أراد أن يجمع بين ما تفرق، فترك لنا إرثاً يجمعنا على قيمة التسامح الفكري، واحترام الاختلاف، وإيماناً راسخاً بأن العقل المتسع هو الوطن الحقيقي لكل باحث عن الحقيقة، أينما وجدت، وكيفما ظهرت.
بين دارون وابن رشد: رحلة عالِم في دهاليز الفكر المُلتبسة فلم يكن الدكتور أحمد شوقي حسن شوقي مجرد أستاذ للوراثة في كلية الزراعة بالزقازيق، بل كان جسراً فريداً بين عوالم تبدو متناقضة: بين الصوفية الروحانية والعلم التجريبي، بين الإيمان بنظرية الخلق وقبول حقيقة التطور، بين التراث الإسلامي والحداثة الغربية. كان رجلاً استثنائياً عاش التناقضات الفكرية بسلام داخلي نادر، فجعل منها مساحات للحوار لا ساحات للصراع.
دارون في حرم الجامعة المصرية و مقاومة التطرف الفكري ففي زمن كانت فيه الأصوات المتطرفة ترفض نظرية دارون جملة وتفصيلاً، وقف الدكتور شوقي كحارس للعقلانية العلمية. كان يؤمن بأن مقاومة “الأصولية الفكرية” لا تقل أهمية عن مقاومة أي تطرف آخر. وقد أرسى تقليداً أكاديمياً فريداً في مدرسة الزقازيق للوراثة: الاحتفال السنوي بدارون، ليس كاحتفال بإله، بل كتكريم لعقل بشري قدم رؤية غيرت تاريخ الفكر الإنساني.
كان يقول لطلابه: “لا نحتفل بدارون لأننا نؤمن بأنه عالم بيلوجي، بل لأننا نقدِّر الجرأة الفكرية التي غيرت مسار العلم”. وقد ألف كتباً علمية ثقافية عن دارون و”أصل الأنواع” بلغة عربية راقية، جاعلاً النظرية حواراً فكرياً لا عقيدة جامدة. كان يؤكد أن التنوع البيولوجي حقيقة قائمة، أما قوة وآليات التطور فما زالت محل بحث ونقاش.
المصريون القدماء: دارونيون قبل دارون بألفيات ومن عبقريته الفريدة أنه لم يقرأ دارون منعزلاً عن التراث الحضاري لمصر. لقد أشار بذكاء إلى أن المصريين القدماء سجلوا تنوع الكائنات الحية في نقوشهم ورسومهم المعبدية بمستوى من الدقة يُظهر وعياً مبكراً بالتنوع البيولوجي. وكما لاحظ علماء الحملة الفرنسية تنوع مناقير الطيور في رسوم المعابد، رأى الدكتور شوقي في ذلك تأكيداً أن الملاحظة العلمية ليست حكراً على العصر الحديث.
كان يرى في حضارة أجداده شاهداً على أن العقل البشري، حيثما وُجد، يسعى لتصنيف وفهم تنوع الحياة. وهذا ما جعله يربط بين تراث مصر القديم والفكر التطوري الحديث، ليس كتقليد أعمى للغرب، بل كاستعادة لجذور فكرية ضاربة في أرض الوطن.
المتصوف العاشق لسارتر: مفارقة فكرية مُعبِّرة وعلى الرغم من صوفيته العميقة وتعلقه بالتراث الروحي الإسلامي، كان الدكتور شوقي مُغرماً بفكر جان بول سارتر الوجودي، ومتأثراً بعقلانية ابن رشد. كان يرى في رشد نموذجاً للعقل المسلم الذي لا يخاف من الفلسفة، وفي سارتر نموذجاً للحرية الفكرية المطلقة.
هذا المزيج الفريد جعله يتبنى موقفاً إصلاحياً تجاه قضية الخلق والتطور. لم يرَ تعارضاً حقيقياً بين الإيمان بالخالق وقبول آليات التطور كوسيلة لهذا الخلق. وكان يقول: “الله خلق القانون الطبيعي كما خلق الكائنات، والتطور قد يكون أحد تجليات هذا القانون”.
وفي كراسات المستقبل: الثقافة العلمية كضرورة قومية فقد كان الدكتور شوقي عضواً فاعلاً في اللجنة القومية لدراسات المستقبل بأكاديمية البحث العلمي، وشارك في إصدار سلسلة “كراسات علمية” كمرجعية للثقافة العلمية العربية. وقد اطلع بتمعن على وثيقة “مصر 2020” الصادرة عن المعهد القومي للتخطيط، رؤيته لمستقبل مصر كدولة قائمة على العلم.
كان يؤمن أن الثقافة العلمية هي السلاح الحقيقي للأمم في عصر المعرفة. وفي سلسلة “دنيا العلوم” بوزارة الثقافة، وجد منبراً لنشر الوعي العلمي بلغة مفهومة للجميع، حاملاً رسالة أن العلم ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة يومية لكل مواطن.
ابن رشد في مواجهة الفقاعة الغربية
في تحليله للعلاقة بين الشرق والغرب، مال الدكتور شوقي إلى نموذج ابن رشد العقلاني المنفتح، بينما رأى في الغرب المعاصر “فقاعة تميز” لا تنبع من نظرية مؤامرة، بل من سلوك تاريخي للهيمنة الفكرية. كان يرى أن الغرب يفرض رؤيته على العالم ليس لأنها الأصح دوماً، بل لأنها الأقوى إعلامياً وتقنياً.
لكن هذا الموقف النقدي لم يدفعه إلى العزلة الفكرية، بل إلى الانفتاح الواعي: “نأخذ من الغرب علمه ومنهجيته، ونحتفظ بهويتنا وروحنا”. كان يدعو إلى استيعاب الاختلاف الفكري دون ذوبان، وإلى حوار الحضارات على قدم المساواة.
فإرث الفكر المركب فقد ترك الدكتور أحمد شوقي إرثاً فريداً: عالِمٌ صوفيٌ تطوريٌ، رشدٌيٌ سارترٌيٌ، مصريٌ عالميٌ. لقد أثبت أن الفكر المركب ليس ضعفاً، بل قوة؛ وأن قبول الآخر لا يعني التنازل عن الذات؛ وأن العلم والإيمان يمكن أن يلتقيا في عقل منفتح وقلب متسع.
كان بحق جسراً بين الماضي والمستقبل، بين الشرق والغرب، بين الروح والعقل. وفي زمن التعصب الفكري، كان نموذجاً نادراً للعالم الذي يجعل من عقله ساحة للحوار لا معبداً للأيديولوجيا، ومن قلبه واحة للسلام الفكري في صحراء الصراعات العقائدية. رحل الجسد، لكن بقيت رسالته: أن العلم الحقيقي لا يخشى الحقيقة أينما وجدت، وأن الإيمان الحقيقي لا يخاف العقل أبداً.
في وداع الجسر الذي بقي صورة أخيرة لعقل لم يستسلم للتصنيف
ها قد بلغنا الخاتمة، ولكن ليس النهاية. فسيرة مثل سيرة الدكتور أحمد شوقي حسن شوقي لا تُختتم بكلمات، بل تُورَّث كإرث حي ينبض في كل عقل التَقَته، وفي كل فكرة استقاها من ينابيعه المتعددة.
لقد كان – برحيله – يُذكرنا بحقيقة جلية: أن أعظم العلماء ليسوا أولئك الذين اكتشفوا قوانين الطبيعة فحسب، بل أولئك الذين اكتشفوا في أنفسهم القدرة على الجمع بين ما يبدو متعارضاً، والتوفيق بين ما يظهر متنافراً. كان عالماً لم يخشَ التناقض لأنه فهم أن الحياة نفسها أكبر من أي ثنائية، وأوسع من أي تصنيف.
إرث من الأسئلة أكثر من الإجابات فلم يترك لنا الدكتور شوقي منظومة فكرية مغلقة، ولا عقيدة علمية جامدة. بل ترك شيئاً أغلى: منهج التساؤل المتواضع الشجاع. ترك فينا القدرة على أن نسأل: كيف يمكن أن نكون مسلمين متمسكين بإيماننا ونقبل بنظرية التطور؟ كيف نكون مصريين أصيلين ومنفتحين على العالم؟ كيف نحتفظ بهويتنا دون أن نرفض الآخر؟ كيف نقدِّس التراث ولا نقدِّسه؟
كان إيمانه العميق بأن “التنوع قائم لكن قوة التطور غير معروفة” ليس مجرد موقف علمي، بل كان رؤية وجودية للحياة كلها: التنوع في الأفكار، في الثقافات، في التصورات – كلها ثروة إنسانية، وليست نقصاً يجب تجاوزه.
فالجسر الذي صار وطناً في زمن تكثر فيه الجدران الفاصلة بين التخصصات، بين الأفكار، بين الهويات، كان الدكتور شوقي جسراً يمشي عليه طلابه وزملاؤه ليصلوا إلى ضفة الفهم الأوسع. لكن هذا الجسر لم يكن مجرد معبر عابر، بل صار وطناً جديداً للعقل المصري المعاصر: وطناً يتسع للإيمان والعلم، للروح والمادة، للتراث والحداثة.
واليوم، ونحن نودعه، ندرك أن أعظم تكريم له ليس في إطلاق اسمه على قاعة محاضرات، ولا في تأسيس جائزة علمية تحمل اسمه، بل في استمرار الحوار الذي أرساه، في متابعة الاحتفال السنوي بدارون في كلية الزراعة بالزقازيق، في مواصلة قراءة ابن رشد وسارتر معاً، في النظر إلى تراثنا المصري القديم بعيون العالم الحديث.
رسالته الأخيرة لنا وكأني أسمعه الآن يقول لنا – كما كان يقول دائماً في نهاية محاضراته – بصوته الهادئ الواثق: “لا تسمحوا لأحد أن يحبس عقولكم في زنزانة فكرية ضيقة. اقرأوا دارون كما تقرأون ابن رشد. ادرسوا التطور كما تدرسون آيات الخلق. أحبوا مصر كما تنفتحون على العالم. كونوا أنتم – بكل تناقضاتكم الظاهرة – لأن في هذه التناقضات يكمل إنسانيتكم، وتتسع رحابة أرواحكم.”
والنهاية التي هي بداية
رحل الدكتور أحمد شوقي حسن شوقي، ولكن بقي “الدنا” الفكري الذي زرعه فينا: ذلك الحمض النووي المعرفي الذي يحمل شفرة الجمع بين الأضداد، وبرنامج التعايش مع الاختلاف، وجينات الحوار مع الذات والآخر.
فهل نكون أهلاً لهذا الإرث؟ هل نحمل المشعل كما حمله؟ السؤال معلق في الهواء، وإجابته تكمن في كل محاضرة نعطيها، وكل طالب نعلمه، وكل فكرة نقبلها وإن خالفتنا، وكل حقيقة نعترف بها وإن ناقضت توقعاتنا.
غاب الرجل، وبقيت رسالته: أن العقل المتسع هو أعظم هبة، وأن القلب الواسع هو أعظم نعمة، وأن الإنسان الحقيقي هو من يستطيع أن يقول: “أنا مؤمن، وعالم، ومتسائل، ومتشكك، ومتيقن – كل ذلك في آن واحد، دون أن أنشق إلى أشلاء”.
وداعاً أيها الأب العلمي، لقد علمتنا أن الوداع الحقيقي هو أن نبقى على العهد: عهد التسامح الفكري، واحترام الاختلاف، والسعي الدؤوب نحو الحقيقة – أينما كانت، ومهما كان ثمن الوصول إليها. “وهكذا يبقى الدكتور أحمد شوقي – كالنهر الخالد – يجري فينا حواراً لا ينتهي بين الإيمان والعقل، بين الأصالة والمعاصرة، بين أن نكون مصريين وأن نكون عالميين.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى