الكون كمجهول أساسي: هل تخفي الفيزياء الكمومية سراً لا يمكن للإنسان معرفته؟

الكون كمجهول أساسي: هل تخفي الفيزياء الكمومية سراً لا يمكن للإنسان معرفته؟
بقلم: إيهاب محمد زايد
في عالم يتباهى فيه العلم الحديث بقدرته على فك ألغاز الكون، من أصغر الجسيمات إلى أوسع المجرات، تطل علينا دراسة ثورية تطرح سؤالاً وجودياً يهز أساسات المنهج العلمي برمته: هل يمكن أن يكون الكون، في بعض جوانبه الجوهرية، مجهولاً بشكل أساسي لا يمكن تجاوزه؟ هذا ليس سؤالاً فلسفياً مجرداً، بل هو نتيجة رياضية دقيقة توصل إليها باحثان في يناير 2026، وتنشر تفاصيلها في المجلة البريطانية لفلسفة العلوم، لتمثل تحدياً جوهرياً لفهمنا للواقع نفسه.
المفارقة المصرية: بين يقين العلم التراثي وشكوكية الكم الحديثة
في مصر، حيث ازدهرت علوم الفلك والرياضيات منذ آلاف السنين، وحيث بنى إقليدس هندسته المؤكدة، وقدم ابن الهيثم منهجاً تجريبياً صارماً، قد تبدو فكرة “المجهول الأساسي” صادمة للتراث العلمي الذي ننتمي إليه. لكن في القرن الحادي والعشرين، حيث يدرس طلاب الجامعات المصرية ميكانيكا الكم كجزء من مناهجهم العلمية، يصبح مواجهة هذا السؤال الوجودي ضرورة فكرية. كم من شبابنا الذي يتعلم عن دالة الموجه الكمومية يتساءل: هل تنطبق هذه القوانين الغريبة على الكون كله؟
دالة الموجه الكونية: الحلم الذي حمله هوكينغ والواقع الذي كشفه تشين
لطالما حلم علماء الفيزياء النظرية، ومن بينهم ستيفن هوكينغ الأسطوري، بوجود “دالة موجة كونية” واحدة تشمل كل شيء في الوجود. هذه الدالة الرياضية المفترضة كان من الممكن أن تكون النظارة التي نرى من خلالها حقيقة الكون الكمومية. لكن الباحثين إيدي كيمينغ تشين من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، ورودريخ تيومولكا من جامعة توبنغن في ألمانيا، جاءا ليعلنا أن هذا الحلم قد يكون مستحيل التحقيق.
البرهان الرياضي: عندما يعجز القياس عن الإخبار بالحقيقة
ما قدمه الباحثان ليس مجرد تكهن، بل هو برهان رياضي صارم يستند إلى مبادئ ميكانيكا الكم الإحصائية. السؤال الذي طرحاه كان جريئاً وعملياً في نفس الوقت: إذا افترضنا مجموعة من دوال الموجه التي يمكن أن تمثل كوننا بشكل معقول، هل يمكن للملاحظات والتجارب أن تمكن الباحثين من اختيار الدالة الصحيحة؟
الإجابة، بعد حسابات معقدة أخذت في الاعتبار أن الدالة الكونية تتطلب عدداً هائلاً من المعاملات الرياضية، وكانت صادمة: “أي قياس مسموح به وفقاً لقواعد ميكانيكا الكم سيعطينا معلومات محدودة جداً عن دالة موجة الكون. من المستحيل تحديد دالة موجة الكون بأي دقة مفيدة”، كما يعلن تيومولكا.
التحدي المنهجي: حدود المنهج العلمي التجريبي
في مصر، حيث يدرس أكثر من ثلاثمائة ألف طالب في كليات العلوم والهندسة سنوياً (وفقاً لإحصاءات وزارة التعليم العالي 2025)، يصبح هذا الاستنتاج تحدياً لمنهجية التعليم العلمي السائدة. البروفيسور جي بي مانشاك من جامعة كاليفورنيا في إيرفين يوضح: “هذا العمل يساعدنا على فهم حدود أفضل طرقنا التجريبية”. المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجربة، الذي نعلمه لأبنائنا في المدارس والجامعات، يواجه هنا سقفاً نظرياً لا يمكن تجاوزه.
الفلسفة الكامنة: هل الواقع موضوعي أم ذاتي؟
الأبعاد الفلسفية لهذا الاكتشاف لا تقل أهمية عن أبعاده العلمية. إيميلي أدلام من جامعة تشابمان في كاليفورنيا ترى أن هذه النتيجة يمكن اعتبارها حافزاً لإعطاء وزن أكبر للتفسيرات التي تؤكد على العلاقات بين الأجسام الكمومية ومنظور كل مراقب، بدلاً من افتراض رؤية موضوعية واحدة للواقع. في الثقافة المصرية، حيث تمتزج التقاليد الفلسفية الإسلامية بتراثها الفرعوني والإغريقي، قد نجد في هذا صدى لأفكار مثل “النسبية الإدراكية” التي تحدث عنها فلاسفتنا القدامى.
التطبيقات العملية: من الكون إلى الأنظمة الكمومية العملية
لكن البحث لا يقتصر على التأملات الفلسفية. تشين ويومولكا يعملان الآن على ربط عملهما بأنظمة كبيرة أصغر من الكون كله، وخاصة التحقيقات في تقنيات مثل “التصوير المقطعي الظلي” المستخدمة لتحديد الحالات الكمومية لهذه الأنظمة. في مصر، حيث بدأ المركز القومي للبحوث في إنشاء معمل للكموميات بقيمة مائتي مليون جنيه، قد تكون هذه النتائج أساساً لتوجيه البحث نحو مجالات يمكن تحقيق تقدم فيها، بدلاً من السعي وراء أهداف مستحيلة.
التاريخ المتصل: من آينشتاين إلى اليوم
هذا الجدل ليس جديداً. منذ ما يقرب من قرن، وفي حوار شهير بين آينشتاين وبور حول طبيعة الواقع الكمومي، طرح آينشتاين سؤاله الشهير: “هل تعتقد أن القمر لا يوجد عندما لا تنظر إليه؟”. اليوم، يأتي عمل تشين وتيومولكا ليدعم فكرة أن بعض جوانب الواقع قد تكون حقاً غير قابلة للمعرفة، حتى عندما ننظر.
الآثار على فهمنا للزمن والمكان
في دراسة موازية نُشرت في نفس الفترة، يعمل باحثون على فكرة قد تكون مرتبطة: أن الجاذبية قد تكون نوعاً جديداً من القوى ينشأ من الإنتروبيا الكونية. إذا جمعنا بين هذه الفكرة واستحالة معرفة الدالة الموجية الكونية، قد نصل إلى استنتاج مفاده أن فهمنا للزمان والمكان نفسه قد يكون محدوداً بشكل أساسي.
مستقبل البحث العلمي: التواضع في مواجهة المجهول
في ختام دراستهم، يقدم الباحثان تحذيراً مهماً: يجب على الباحثين ألا يعتمدوا بشكل مفرط على التفكير الوضعي، أو فكرة أن العبارة لا معنى لها أو غير علمية إذا لم يمكن اختبارها تجريبياً. “أشياء معينة موجودة بالفعل في الواقع، لكن لا يمكننا قياسها”، كما يقول تيومولكا.
الخاتمة: العلم بين المعرفة والتواضع
في النهاية، هذه الدراسة تذكرنا بحقيقة عميقة غالباً ما ننساها في حماسنا للاكتشاف العلمي: العلم لا يزيل الغموض عن الكون فحسب، بل يكشف أيضاً عن عمق هذا الغموض. في مصر، حيث بنى أجدادنا الأهرامات محاولة لملامسة الأبدية، ووضعوا أساسات العلوم الدقيقة، قد نجد في هذه النتيجة الكمومية رسالة معاصرة: المعرفة الحقيقية تبدأ عندما نعترف بحدود معرفتنا.
الكون قد يحمل أسراراً لا يمكن للعقل البشري، بكل ما لديه من أدوات رياضية وتجريبية، أن يصل إليها. ولكن هذا لا يعني اليأس من البحث العلمي، بل يعني إعادة توجيهه نحو ما يمكن معرفته، مع التواضع الكافي للاعتراف بما لا يمكن معرفته. كما يقول تشين: “دالة موجة الكون تشبه سراً كونياً تتآمر الفيزياء نفسها على إبقائه. يمكننا معرفة كم هائل عن كيفية سلوك الكون، مع بقائنا غير متأكدين بشكل أساسي من الحالة الكمومية التي هو فيها”.
ربما يكون أعظم إنجازات العلم في القرن الحادي والعشرين ليس ما سيكتشفه، بل ما سيعترف باستحالة اكتشافه. وفي هذا الاعتراخ تتجلى عظمة العقل البشري، ليس في ادعاء المعرفة المطلقة، بل في شجاعة مواجهة حدود هذه المعرفة، والاستمرار في البحث رغم إدراك أن بعض الأبواب قد تظل مغلقة إلى الأبد.



