السوق الحرة تقوم على بيع الوهم

بقلم
د.محمد يوسف
لسنا ديمقراطية.. نحن سوق حرة .. والسوق الحرة تقوم على بيع الوهم.. وهى لعبة صفرية لا تنتهى إلا بالمكسب الكامل لنا والخسارة الكاملة للخصم.. الجشع فضيلة.. الجشع يفيد الجميع» هذا ما قاله جوردن جيكو بطل فليم (وول ستريت،1987) معبرا فى وقت مبكر بجراءة وسخرية لاذعة عن عصر الاستهلاك الكبير الذى أريد له ان يكون بوابة الحياة المعاصرة لسجن الشعوب وحلبها بكل الطرق بعد تهيئتها عبر برامج وحملات دعائية استخدمت منجزات العصر العلمية وخبرات علمى النفس والإعلام فى الإيقاع بالجمهور وتحويله الى زبائن او بعبارة أدق مجرد أرقام فى قوائم المبيعات.
ولأن عصر الاستهلاك الكبير ازدهر فى مركز الرأسمالية العالمية: الولايات المتحدة الأمريكية التى تشغل السينما فيها مكان الكاهن والفيلسوف ويعتبر الفن الأعمق تأثيرا فيه، فلا غرابة فى أن نجد توضيحا أكثر لملامح هذا العصر الاستهلاكى فى عمل سينمائى آخر هو الفيلم الكوميدى (نأسف للإزعاج، 2018) لمخرجه بوتس رايلى الذى يدخلنا منذ المشهد الأول فى لب القضية حيث نجح (كاش) الذى يقوم بدوره الممثل لاكيث ستانفيلد، خلال مقابلة مع أحد مديرى شركة (ريجال فيو)، فى الحصول على وظيفة مسوق عقارى عبر الهاتف، ولكن لم يكن نجاحه نتيجة لكفاءته وأمانته وإخلاصه، وإنما بسبب ما اكتشفه فيه المدير من قدرة على الكذب والنصب والاحتيال، إنها القيمة الأبرز فى مجتمع الشركات الكبرى كما رصدها بكفاءة محمد الفقى فى كتاب( السينما فى عصر النيوليبرالية)
وإذا كان القرنان الماضيان قد شهدا نضالا كبيرا من أجل الحرية ومواجهة الحكم الاستبدادى، كمحصلة لمفكرى عصر التنوير،وهو ما تجلى عربيا فى كتاب (طبائع الاستبداد) للكواكبى، فإن القرن الحالى تتجلى فيه الرأسمالية بصورتها المتوحشة مدعومة بفكر الليبرالية الجديدة (نيوليبرالية) التى عولمت الاستهلاك وجعلته سمة العصر ومحوره، وربما غايته مما يستوجب علينا كشف (طبائع الاستهلاك)!
ولكن قبل ان نستعرض هذه الطبائع علينا أولا أن نوضح الخلفيات الفكرية والاقتصادية التى أدت إلى هذا التوجه، فقد استفادت الرأسمالية من الثورة العلميّة الكبرى، التى انطلقت بين القرنين السّادس عشر والثّامن عشر، وأسفرت عن مختَرعات أصبحت من أدوات الإنتاج الرّأسماليّ، ومن الآليات الدّافعة نحو مزيدٍ من تحقيق الوفرة فى السّلع والمنتجات.ثم حدث تحول تاريخى فى العملية الإنتاجية، بسبب هذه الوفرة الهائلة فى المنتجات، اذ لم يعد هدف الإنتاج هو إشباع الحاجات الأساسية او تلبية الطلب الفعلى كما هو المعتاد، وإنما تعمد النظام الرأسمالى توليد حاجات جديدة لدى الإنسان لم يكن يحتاجها أصلا، ولا كان يبحث لنفسه عن طريقةٍ مّا لإشباعها، لكنّ توليد الإنتاج الرّأسماليّ لها، وتوفير العَرضِ المغرى لها، حوّلها إلى حاجةٍ جديدة لديه وبالتّالى، دفعه إلى السّعى إلى إشباعها. هكذا نجح النّظام الرّأسماليّ فى أن يضع البشرية، برمّتها، أمام نوعين من الحاجات – على حد وصف المفكر المغربى عبد الإله بلقزيز، النوع الأول مألوف وهو الحاجات الطّبيعيّة، المرتبطة بضرورات النموّ والبقاء, وقد فاقتِ الرّأسماليّةُ غيرها فى إجابتها وإشباعها, والثانى حاجات صناعيّة، اصطنعتْها للناس وأقنعتهم، مع الزمن، بضرورة إشباعها، ثم ما لبث المعروض عليهم من المنتجات المُشبعة لتلك الحاجات أن بات مألوفاً لديهم ومرغوباً، بالتّالى، جزءاً من عادات الاستهلاك الجمْعى،. هكذا صارت الصّناعةُ – وهى من ثمرات الرّأسماليّة، تزاحِم الطّبيعةَ فى إنتاج الحاجات الإنسانيّة، بل تتفوّق عليها، أحياناً، بمعروضاتها لتخلق للإنسان طبيعةً ثانية تُجاوِر طبيعتَه الأولى. ومهد كل ذلك الى ظهرور عصر الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية) بعد ازمة النفط فى سبعينيات القرن الماضى ثم سقوط الاتحاد السوفيتى، حيث فقد الناس الثقة بالحكومات ليظهر الاتجاه إلى خصخصة المؤسسات المملوكة للدولة. وتم إضعاف النقابات العمالية بشكل ممنهج وخفض تمويل أنظمة الضمان الاجتماعي. وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكى الأسبق كلينتون فى خطابه السنوى أمام الكونجرس 1996 بقوله إن عصر الحكومة المهيمنة قد انتهى. واستمر هذا التوجه الذى لم توقفه الأزمة المالية العالمية فى ٢٠٠٨ حين اضطرت المؤسسات المالية لطلب المساعدات الحكومية لإنقاذها من الانهيار ومع ذلك استمرت الحكومات فى خفض الانفاق على الصحة والتعليم وأنظمة الضمان الاجتماعى بينما تفشى أكثر نمط الاستهلاك الكبير. (وللحديث بقية)



