كم ريان بحاجة للإنقاذ

بقلم
محمد يونس
من المفارقات ان يقضى (ريان) فى بئر بينما يموت ملايين الأطفال نتيجة نقص الآبار!! ومن العجيب فى هذه المأساة التى فجعتنا جميعا ان يتعاطف العالم مع قصة الطفل المغربى ريان فى حين لا نجد مثل هذا التعاطف مع أكثر من مليون طفل يموت كل منهم سنويا وهو عطشان وجوعان أو بردان!
ربما من لطف الأقدار ان تظهر بين الحين والآخر قصة بطلها طفل تلفت أنظار العالم لإيقاظ ضمير الإنسانية، حدث ذلك مرارا منذ استشهاد الفلسطينى محمد الدرة الذى شاهد العالم كله أباه وهو يحميه بجسده من رصاص جنود الاحتلال الإسرائيلى فى غزة نهاية سبتمبر 2000، ومرورا بصورة جثة الطفل السورى الغريق (إيلان الكردي) الذى ألقته أمواج البحر على أحد الشواطئ التركية عام 2015 والذى كان رمزا لأهوال رحلات اللجوء، وانتهاء بقصة ريان الذى تابع العالم خلال الأيام القليلة الماضية عملية إنقاذه من البئر التى علق بها 5 أيام فى قرية بشمال المغرب، وقد حظيت القصة الأخيرة بتعاطف كبير من جميع أنحاء العالم.
وكان التساؤل المثار بعد انتهاء هذه المأساة هولماذا تعاطف الناس مع قصة ريان وتابعها من البئر إلى القبر، بينما لم يحدث ذلك مع مآس أخرى يتعرض لها ملايين الأطفال ونشرت تفاصيلها وسائل الإعلام؟ ومنها موت 12 ألف طفل من الجوع سنويا أو وفاة ٣٫٦ مليون طفلٍ العام الماضى بسبب عدم توافر المياه والصرف الصحى والتغذية والرعاية الصحية الأساسية، فضلا عن مصرع ملايين من الاطفال فى مناطق الحروب والنزاعات.
الحقيقة ساهمت عوامل كثيرة فى هذا الاهتمام العالمى بقصة ريان، أولها ان هذا الحادث تضمن عددا كبيرا من القيم الإخبارية كونه قصة إنسانية تتعلق بطفل عمره 5 سنوات ينتمى لأسرة فقيرة، فضلا عن أن القصة غير مسيسة على خلاف قصص الأطفال الأخرى فى سوريا والعراق واليمن، بالإضافة الى تداول القصة عبر وسائل التواصل الاجتماعى فور حدوثها، ولكنى أعتقد أن التأثير الأكبر يكمن فى رمزية البئر والطفل وسقوطه البريء فى غياهبها، حيث استدعت الحادثة فى الذاكرة الجمعية قصة سيدنا يوسف وأخوته.
نتمنى ان يستثمر إعلامنا هذا الزخم والتعاطف الإنسانى للفت الانتباه إلى مآسى الأطفال فى العالم بخاصة فى وطننا العربي، فالتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية تجسد هذه المأساة ، ومنها تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) الذى يوضح أن طفلا يلقى مصرعه كل خمس ثوان، بسبب عدم توافر المياه والصرف الصحى والتغذية والرعاية الصحية الأساسية، وتذكر هذه التقارير أن الجوع يتسبب بوفاة 3.1 مليون طفل تحت الخامسة سنويا ويتأثر 16 مليون طفل سنويا بسوء التغذية الحاد. ويعانى طفل من كل 6 أطفال فى البلدان النامية نقص الوزن للسبب ذاته. ويصاب ربع أطفال العالم بالتقزم بسبب قلة الغذاء ويذهب 66 مليون طفل إلى المدرسة الابتدائية وهم جوعى.
وذكرت منظمة أنقذوا الأطفال أنه، يجرى تشويه أو قتل نحو 25 طفلا يوميا منذ عام 2010فى مناطق النزاعات.وعلى مدى أكثر من 10 سنوات، لا يزال الأطفال فى سوريا، الضحية الأكبر للصراع هناك، وبجانب عشرات آلاف الأطفال الذين قتلوا خلال تلك الحرب، فإن عشرات الآلاف الآخرين يعانون الأمرين خلال النزوح وبمخيمات اللاجئين، وهناك أكثر من 2 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس.
وفى اليمن يموت أكثر من مائة ألف طفل، سنويا نتيجة الأمراض الفتاكة، ويعانى نحو مليونى طفل، سوء التغذية بجانب أخطارالقصف جوي، والألغام والتجنيد القسري.
وفى غزة يعانى الأطفال الأمرين قتلا وتشريدا على يد جنود الاحتلال الإسرائيلى
ورصدت الأمم المتحدة 1031 انتهاكًا ضدّ الأطفال الفلسطينيين فى عام 2020. ونشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فى مايو الماضى صور66 طفلا فلسطينيا قضوا خلال الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، فضلا عن الأطفال المعتقلين فى السجون الإسرائيلية ومنهم الطفل أمل نخلة المعتقل منذ عام.
لكل ذلك فإن السؤال الأهم بعد مأساة الطفل المغربى لم يعد: لماذا تابع الملايين إنقاذ ريان؟ وإنما أصبح: كم مليون ريان فى أمتنا يحتاج إلى الإنقاذ



