مقالات

قراءة فى النفس – بقلم عبدالرحمن آل عفين

من اعجب مخلوقات الله هى النفس البشريه احتار كل من اراد دراستها حتى انشئ لها علم خاص سمى علم النفس تتنوع النفوس وتتشكل كاشكال البشر

ماهيه النفس وما هو تعريفها

اولا فى اللغه النفس تعني الروح، ويقال إنّ فلاناً جاد بنفسه، أو خرجت نفسه أي مات، ويقال جاء هو بنفسه أو نفسه، وجمعها نفوس وأنفس، ويقال فلان أصابته نفس أي عين، وفلان ذو نفس: أي ذو جَلَد وخلق، وفلان يؤامر نفسيه أي له رأيان ولا يعلم على أيهما يثبت ويستقر، كما تعني نفسي قصدي ومرادي، وخاصّةً عند قول “في نفسي أن أفعل كذا وكذا”، وتعني كلمة “النفس” الشخص أو الشيء المشار إليه، وعادةً ما تتعلّق بالفرد نفسه، وبطبيعة الشخص، وبمصلحته الشخصية، والنفس هي المُكوّنات الطبيعية للجسم البشري.

ثانيا لدى العلماء والفلاسفه 

تُعرَف النفس أو الروح من قبل الكتب اليونانيّة القديمة بكونها شيئاً يخشى الإنسان فقدانه، وخاصةً في المعارك، ومن ناحية أخرى هي ما يخرج من أطراف الإنسان في حال الموت، وانتقالها للعالم السفليّ والحياة الآخرة، وكان يُعتقَد قديماً بأنّ الروح تتحوّل لظلّ في العالم السفليّ، كما أنّ وجود النفس في الجسم دليل على الحياة، وهي ما يتميّز به الجسم الحيّ من الجثة، وقد تمّ تحديث طرق الفكر اليونانيّ المتعلّق بالنفس البشريّة من قبل أفلاطون وأرسطو، حيث تمّ استخدام مصطلح النفس ليدلّ على معنى عاش، واشتمل هذا المفهوم ليدلّ على حياة الكائنات الأخرى وليس فقط على الإنسان، وبهذا استخدمت كلمة النفس بطريقة إيجابيّة منذ القرن السادس.

النفس فى القران و عين الحق فيها

معاني النفس في القرآن الكريم:

وردت (النَّفْس) في القرآن الكريم في مواضع عديدة، وتعدَّدت معانيها بحسب سياق الآيات الكريمة الواردة فيها، ومن هذه المعاني:

أولًا: النفس بمعنى الرُّوح، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]؛ أي: تتركون، ويقال: خرجت نَفْسه، خرجت رُوحه، والدليل على أن النفس هي الروح قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ [الزمر: 42]؛ يريد الأرواح.

 

ومنه قوله تعالى: ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ [الأنعام: 93]، ولك أن الكافر إذا احتُضِر بشَّرتْه الملائكة بالعذاب والنكال، والأغلالِ والسلاسل، والجحيم والحميمِ، وغضب الرحمن الرحِيمِ، فتتفرَّق رُوحه في جسده، وتعصى وتأبَى الخروج، فتَضْرِبهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأنعام: 93]؛ أي: اليوم تُهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذِبون على الله، وتستكبرون عنِ اتِّبَاعِ آياته، والانقياد لرسله.

 

ثانيًا: النفس بمعنى الإنسان؛ أي: الشخصية البشرية بكامل هيئتِها، وهي الإنسان بكامل دمه ولحمه وشخصيته، وهذا كثير وغالب في القرآن، فمِن ذلك الآيات التالية:

قال الله تعالى مخاطبًا الناس عامة وبني إسرائيل خاصة، بأن يحذروا يوم الحساب ويعملوا صالحًا، وأن الإنسان يأتي ربه في ذلك اليوم فردًا ولا تنفعه شفاعة الشافعين: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [البقرة: 48]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾ [آل عمران: 145].

 

وقد شاع استعمالُ النَّفْس في الإنسان خاصة؛ حيث تطلق ويراد بها هذا المركَّب والجملة المشتملة على الجسم والروح، ويظهر هذا في غيرِ ما سَبَق، في قوله تعالى أيضًا: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾ [القصص: 33]، والمقصود هنا الرجلُ الذي قتله موسى عليه السلام في أرض مصر؛ يعني الرجل القبطي.

 

ثالثًا: النفس بمعنى القوى المفكرة في الإنسان (العقل):

ومنه قوله تعالى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ [المائدة: 116]؛ قال الطاهر بن عاشور في تفسيره: “والنَّفْس تُطلَق على العقل وعلى ما به الإنسان إنسان، وهي الروح الإنساني، وتطلق على الذات، والمعنى هنا: تعلم ما أعتقده؛ أي: تعلم ما أعلمه؛ لأن النفس مقرُّ العلوم في المتعارف، وإضافة النفس إلى اسمِ الجلالة هنا بمعنى العلم الذي لم يطَّلِع عليه غيره؛ أي: ولا أعلم ما تعلمه؛ أي: مما انفردت بعمله، وقد حسَّنه هنا المشاكلة كما أشار إليه في الكشاف

 

رابعًا: النفس بمعنى قُوى الخير والشر في الإنسان:

النفس بمعنى قوى الخير والشر لها صفات وخصائص كثيرة؛ منها: القدرة على إدراك الخير والشر، والتمييز بينهما، والاستعداد لهما؛ قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ [الشمس: 7، 8]، وقال سبحانه: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 10]؛ أي: بيَّنا له الطريقين، طريق الخير وطريق الشر، وهناك إلى جانب الاستعدادات الفطرية الكامنة قوةٌ واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان، فمن استخدم هذه القوة في الخير وغلَّبها على الشر، فقد أفلح، ومَن أظلم هذه القوة وجناها وأضعفها، فقد خاب؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10].

 

حقيقة النفس في القرآن الكريم:

بالنظر في التعريفات السابقة نرى القرآن الكريم يُحدِّث عن النفس، على أنها كائنٌ له وجود ذاتي مستقلٌّ، وبمعنى آخر فإن القرآن يخاطب الإنسان في ذات نفسِه، باعتبار أن النفس هي القوة العاقلة المدركة فيه، فيقول سبحانه: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ [الشمس: 7، 8].

 

ويقول جل شأنه: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 – 30].

ويقول سبحانه: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ [يوسف: 53].

ويقول: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 18].

ويقول سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1].

ويقول سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: 6].

 

فالنَّفْس هنا وفي مواضع أخرى كثيرةٍ من القرآن، هي الإنسان العاقل المكلف، وهي الإنسان الذي يُتوقَّع منه الخير أو الشر، والهدى أو الضلال، ثم هي الإنسان بجميع مشخصاته جسدًا ورُوحًا.

 

إذًا فما النفس؟

يقول الدكتور عبدالكريم الخطيب في تفسيره – مجيبًا عن هذا السؤال -: والجواب الذي نعطيه عن هذا السؤال مستمَدٌّ من القرآن الكريم، بعيدًا عن مقولات الفلاسفة وغير الفلاسفة ممن لهم حديث عن النفس، وعلى هذا نقول: يُشخِّص القرآن الكريم النَّفْس ويجعلها الكائن الذي يُمثل الإنسان أمام الله، بل أمام المجتمع أيضًا؛ فالقتل الذي يصيب الإنسان هو قتل للنفس؛ كما يقول سبحانه: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، ويقول جل شأنه: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32]، وفي مقام القصاص تحسب ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ [المائدة: 45]، وفي مقام التنويه بالإنسان، ودعوته ليلقَى الجزاء الحسن، تُخاطَب النفس وتُدعَى، فيقول سبحانه: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 – 30]، والنفس في القرآن هي الإنسان المسؤول المحاسَب: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30]، وإن بالفهم الذي يستريح إليه العقل في شأن النفس، هو أنها شيء غير الروح وغير العقل، وأنها هي الذات الإنسانية أو الإنسان المعنوي، إن صح هذا التعبير، إنها تتخلَّق من التقاء الروح بالجسد، إنها التركيبة التي تخلق في الإنسان ذاتيةً يعرِفُ بها أنه ذلك الإنسان بأحاسيسه ووِجدانه ومُدرَكاته، فالنفس هي ذات الإنسان، أو هي مشخصات الإنسان التي تنبئ عن ذاته، ولا نريد أن نذهب إلى أكثر من هذا، وحسبنا أن نُؤمِن بأن الروح مِن أمر الله، فلا سبيل إلى الكشف عنها؛ كما يقول سبحانه: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85]، وأن النفس جهازٌ خفيٌّ عامل في الإنسان، فهي الإنسان المعنوي، ولهذا كانت موضعَ الخطاب من الله تعالى، كما أنها كانت موضع الحساب والثواب والعقاب، وخلاصة القول ان خالق النفس هو مالك اسرارها ومفاتيحها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى