شحاتة المقدس.. من جامع القمامة إلى «نقيب الزبالين».. قصة رجل حوّل المخلفات إلى ثروة وصنع لنفسه إمبراطورية

من شوارع القاهرة وأحياء «الزبالين» بدأت الحكاية، ومن أكياس القمامة والفرز وإعادة التدوير صنع شحاتة المقدس اسمه وشهرته، حتى أصبح واحدًا من أشهر الشخصيات المرتبطة بمهنة جمع المخلفات في مصر. رحلة طويلة جمعت بين العمل الشاق، والنشاط النقابي، والظهور الإعلامي، والسياسة، والحديث عن ثروة كبيرة ارتبطت لسنوات باسمه.
البداية.. عائلة جاءت من الصعيد
شحاتة إبراهيم شحاتة المقدس ينتمي إلى عائلة ارتبطت بمهنة جمع القمامة، وتذكر مصادر صحفية أن والده جاء من أسيوط إلى القاهرة عام 1948 للعمل في جمع المخلفات، قبل أن تصبح المهنة نشاطًا عائليًا متوارثًا.
أما تاريخ ميلاده باليوم والشهر، فلم أعثر في المصادر الصحفية الموثوقة المتاحة على توثيق واضح له، ولذلك لا يصح وضع تاريخ محدد باعتباره حقيقة مؤكدة.
ومنذ سنواته الأولى ارتبط المقدس بعالم جمع وفرز المخلفات، وهي مهنة لم ينظر إليها باعتبارها مجرد جمع للقمامة، وإنما باعتبارها منظومة اقتصادية تبدأ من الجمع وتنتهي بالفرز وإعادة التدوير وبيع المواد الخام.
حلم مختلف.. الشرطة بدلًا من القمامة
ورغم ارتباطه بالمهنة العائلية، كشف المقدس في لقاءات إعلامية أن لديه حلمًا مختلفًا في شبابه، وهو الالتحاق بكلية الشرطة والعمل ضابطًا، إلا أن ظروف حياته ومساره العملي قاداه في النهاية إلى الاستمرار في مهنة الأسرة.
وهنا بدأت قصة مختلفة؛ فبدلًا من الهروب من المهنة التي ارتبط بها، حاول تطويرها وتحويلها من عمل تقليدي إلى نشاط أكثر تنظيمًا.
من «عربة الحمار» إلى سيارات النقل
من أبرز ما ينسبه المقدس إلى نفسه أنه كان من أوائل من أدخلوا سيارات النقل إلى مجال جمع القمامة، بعدما رأى أن الاعتماد على العربات الخشبية التي تجرها الحيوانات لم يعد مناسبًا للعمل داخل الفنادق والمنشآت الكبرى.
وقال في تصريحات سابقة إنه اشترى سيارة وطرح مشروعًا لنظافة القاهرة الكبرى، وهو ما ساعد في زيادة شهرته داخل القطاع ومنحه لقب «شيخ الزبالين».
وبمرور الوقت أصبح اسمه حاضرًا في النقاشات المتعلقة بمنظومة النظافة، ولم يعد مجرد جامع قمامة، وإنما تحول إلى متحدث باسم شريحة كبيرة من العاملين في هذا المجال.
بعد 25 يناير.. تأسيس النقابة
كانت مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير محطة مهمة في حياة شحاتة المقدس، إذ ارتبط اسمه بتأسيس نقابة جامعي القمامة، وهي النقابة التي تحدث عنها لاحقًا باعتبارها كيانًا للدفاع عن حقوق العاملين في المهنة.
وتشير بيانات منشورة في «الأهرام» إلى أن النقابة أُنشئت عام 2012، وأن المقدس كان يتحدث عن قاعدة عضوية تصل إلى نحو مليون عضو في القاهرة الكبرى ونحو 2.5 مليون في باقي المحافظات، مع التأكيد على أن أعداد العاملين الفعلية قد تكون أكبر بسبب وجود غير المقيدين.
كما طرح المقدس على مدار السنوات خططًا لتنظيم الجمع السكني، من بينها تخصيص عامل لكل عدد محدد من الوحدات وربط السكان بعامل الجمع المسؤول عن منطقتهم.
القمامة.. ليست مجرد مخلفات
فلسفة المقدس تقوم على أن القمامة ليست كلها نفايات بلا قيمة؛ فهناك البلاستيك والكرتون والمعادن والمواد القابلة لإعادة التدوير، وكلها تمثل موارد اقتصادية.
وفي حوار مع «الأهرام» تحدث عن منظومة تشمل الفرز والتدوير والتصنيع، وعن التعاون مع الدولة من خلال شركات وطنية تعمل في هذا المجال.
ومن هنا يمكن فهم جانب من قصة صعوده المالي؛ فالمهنة التي تبدو في ظاهرها بسيطة ترتبط في الواقع بسوق كبير للمواد القابلة لإعادة الاستخدام والتدوير.
هل شحاتة المقدس «ثري ثراءً فاحشًا»؟
هنا تبدأ أكثر فصول القصة إثارة.
لسنوات انتشرت روايات إعلامية وشعبية تصفه بأنه «أغنى زبال في مصر»، بل وصلت بعض الروايات إلى القول إنه أغنى من رجل الأعمال نجيب ساويرس.
لكن المقدس نفسه نفى أن يكون مليارديرًا أو أن يكون أغنى من ساويرس.
وفي تصريحات لـ«اليوم السابع» عام 2021 قال إن ثروته السائلة لا تصل إلى مليون جنيه، لكنه أوضح أن ما يملكه يتضمن أصولًا ثابتة مثل العقارات والأراضي والشركات.
وهذه نقطة مهمة جدًا: لا توجد في المصادر العامة التي راجعتها قائمة مالية موثقة تسمح بتحديد صافي ثروته الحالية بدقة، وبالتالي فإن وصفه بأنه «ملياردير» أو تحديد رقم نهائي لثروته سيكون مبالغة لا تستند إلى مستندات منشورة.
فيلا ضخمة.. وسيارات.. وحياة بعيدة عن الصورة النمطية
تحدث المقدس عن امتلاكه في السابق فيلا كبيرة قال إن مساحتها بلغت نحو 800 متر، وأنها كانت تضم مقتنيات وحيوانات غير معتادة، بينها كلب وطاووس ودجاج مستورد، قبل أن تتعرض للحرق خلال أحداث يناير.
وقال إنه اضطر بعد ذلك إلى هدم الفيلا وتقسيم العقار، وإنشاء فيلا أصغر للاستراحة واستقبال الضيوف.
كما تحدث عن إنفاق مليون جنيه على الدعاية الانتخابية عندما خاض انتخابات مجلس الشعب عام 2010، وهي واقعة تعكس حجم الموارد التي كان يتحرك بها وقتها، وإن كانت لا تكفي وحدها لتحديد صافي ثروته.
خسارة 20 مليون جنيه!
المفارقة أن قصة المقدس المالية لا تتحدث فقط عن المكاسب، وإنما تتحدث أيضًا عن خسائر ضخمة.
وفي حديث حديث نُشر عبر «بودكاست الأموال»، قال المقدس إنه خسر نحو 20 مليون جنيه عام 2011، وإنه اضطر إلى اقتراض مليوني جنيه إضافيين حتى يستطيع استعادة نشاطه والوقوف على قدميه مرة أخرى.
وهذا الرقم، إذا كان دقيقًا وفق روايته، يوضح أن الرجل كان يدير نشاطًا اقتصاديًا بحجم كبير نسبيًا في ذلك الوقت، وليس مجرد عامل يحصل على دخل يومي من جمع القمامة.
لكن مرة أخرى، الخسارة التي يذكرها بنفسه لا تعني أن صافي ثروته الحالية يساوي رقمًا معينًا.
السياسة.. محاولة دخول البرلمان
لم يتوقف طموح المقدس عند النقابة والمهنة؛ فقد خاض تجربة سياسية أيضًا.
وترشح في انتخابات مجلس الشعب عام 2010 عن دائرة منشية ناصر والجمالية مستقلًا، بعدما استقال من أمانة الحزب الوطني، وفق روايته، بسبب عدم اختياره على قوائم الحزب.
واستخدم في حملته الانتخابية وسائل دعائية لافتة، وتحدث عن استعانته بالمطرب الشعبي الراحل شعبان عبدالرحيم، الذي قدم له أغنية دعائية انتخابية.
شهرة تجاوزت حدود مصر
شهرة المقدس لم تتوقف عند الإعلام المصري؛ فقد تحدث هو نفسه عن وصول قصته إلى وسائل إعلام أمريكية وعالمية بعد أحداث يناير.
كما تحدث عن تكريمات وشهادات تقدير حصل عليها، وعن لقب سفير للنوايا الحسنة وجواز سفر دبلوماسي، وهي أمور وردت في مقابلات وتصريحات إعلامية عنه، لكن تفاصيل وضعه الرسمي الحالي أو طبيعة هذه الصفة تحتاج إلى مستندات رسمية منفصلة إذا أريد تقديمها باعتبارها صفة دبلوماسية قائمة.
أولاده.. التعليم بدلًا من المهنة فقط
ومن التفاصيل اللافتة في حياته الأسرية أن مصادر صحفية ذكرت أن لديه 10 أبناء، وأن أبناءه حصلوا على شهادات جامعية ويعملون معه.
وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط أهمية في تجربته: الرجل لم يتعامل مع مهنة جمع القمامة باعتبارها نهاية الطريق، وإنما حاول تحويلها إلى نشاط اقتصادي يمكن أن تستفيد منه الأسرة والأجيال التالية.
واليوم.. «نقيب الزبالين» ما زال حاضرًا
حتى عام 2026 ما زال اسم شحاتة المقدس حاضرًا في الإعلام كلما عادت قضية القمامة والنظافة وإدارة المخلفات إلى الواجهة.
وفي تصريحات حديثة، تحدث عن طبيعة دخل العاملين في جمع القمامة، وعن المشكلات التي تواجه منظومة النظافة، كما عاد إلى الحديث عن خسارته المالية الكبيرة في 2011 ونفى مجددًا رواية كونه مليارديرًا أو أغنى من ساويرس.
كما ظهرت في 2025 تصريحات حول مشروع فيلم يتناول قصة حياته، بدءًا من نشأته وعمله في جمع القمامة، مرورًا بتطوير المنطقة التي يعيش فيها وترشحه للبرلمان.
الحكاية الحقيقية.. رجل صنع من «القمامة» سوقًا
قصة شحاتة المقدس لا يمكن اختصارها في لقب «الزبال» أو حتى في الحديث عن ثروته.
هي قصة رجل نشأ داخل مهنة شديدة الصعوبة، لكنه فهم مبكرًا أن المخلفات يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية إذا جرى جمعها وفرزها وتدويرها بصورة منظمة.
ومن هنا جاء صعوده، ومن هنا أيضًا جاءت شهرته وثروته التي تحدث عنها كثيرون، بينما يظل الرقم الحقيقي لثروته الحالية غير معلن بصورة رسمية وموثقة.
أما وصفه بأنه «غني غنى فاحش» أو «ملياردير»، فالمتاح حتى الآن لا يثبت ذلك كرقم مالي محدد؛ المؤكد فقط أنه تحدث بنفسه عن امتلاك عقارات وأراضٍ وشركات، وعن خسائر بملايين الجنيهات، وعن حياة اقتصادية تجاوزت بكثير الصورة التقليدية للعامل البسيط في جمع القمامة.
وهكذا تحولت رحلة شحاتة المقدس من جامع قمامة في أحياء القاهرة إلى «نقيب الزبالين» وشخصية إعلامية وسياسية معروفة، وبقيت قصته واحدة من أكثر قصص الصعود غرابة في المجتمع المصري: قصة رجل رأى في الشيء الذي يلقيه الآخرون في سلة المهملات، مصدر رزق وصناعة ونفوذ وثروة.



