كلام فى سياسة

الحلقة المفقودة بين البحث العلمي والانتاج

يعتبر البحث العلمي في البلدان المتقدمة، القاطرة التي تقود سباق التقدم والتنافس بين الأمم، لذلك لم تعد الأسرار العسكرية وحدها هي التي تتصدر أجندة مخابرات القوى الكبرى، وإنما ظهرت مهام أخرى تتعلق بالبحوث العلمية بداء من مجال تكنولوجي الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، وانتهاء بالدواء كما هو الحال في التنافس الراهن على لقاح كورونا ، فقد ذكرت دورية “انتلجنس أونلاين” الأمريكية المتخصصة في الشأن الأمني أن التنافس بين مخابرات دول العالم الكبرى للوصول إلى لقاح لفيروس “كوفيد – 19” قد خلق مجال عمل جديد أمام أجهزة الاستخبارات العالمية للوصول إلى أسرار ذلك اللقاح، واوجدت حالة شبهتها صحيفة “نيويورك تايمز الأمريكية” بحالة “سباق الفضاء” في ستينيات القرن الماضى بين الغرب والاتحاد السوفيتي، حيث تتهم الصين وروسيا بتكثيف جهودهما لسرقة الأبحاث العلمية التي تضطلع بها مؤسسات وشركات أميركية لاكتشاف القاح.
هذه الأبحاث التي تتنافس عليها مخابرات العالم تقوم بها الجامعات، فقد توجهت أنشطة القراصنة إلى جامعة كارولينا الشمالية وجامعات أخرى بأنحاء الولايات المتحدة منخرطة في إجراء أبحاث علمية متطورة، فأين جامعاتنا من كل ذلك؟ وما مآل مئات الآلاف من الدراسات العلمية ما بين ماجستير ودكتوراه وبحوث منشورة في دوريات أكاديمية محكمة انتجها العقول المصرية ولأي مدى يتم الاستفادة منها في مجتمعنا؟
بلغة الأرقام بلغ اجمالي الحاصلين على دراسات عليا خلال العام 2019 فقط، 115594، وفقا لتقرير الجهاز المركزي للإحصاء، منهم 9063 حاصلين على الدكتوراه، و20612 على الماجستير و 85919 على الدبلومة، كما نشر الباحثون المصريون 30 ألف بحث بالمجلات والدوريات العلمية المعتمدة دوليا في قاعدة بيانات اكبر دور النشر العالمية مثل سكوبس والسيفير خلال العام المالي 2020/2021، بعدد 138 الف باحث في مختلف القطاعات.
ولكن السؤال الأهم هو كم بحث وجد طريقه للتطبيق العملي أو تم توظيف نتائجه في انتاج أو تطوير منتجات أو خدمات تفيد المجتمع؟ بخاصة في ظل رؤية مصر ٢٠٣٠ (الخطة الاستراتيجية طويلة المدى للدولة لتحقيق التنمية المستدامة) التي تركز على أن تصبح المؤسسات التعليمية منتجة، حيث تستهدف (أن يكون المجتمع المصري بحلول عام 2030 مجتمعا مبدعا، ومبتكرا، ومنتجا للعلوم والتكنولوجيا والمعارف..ويربط تطبيقات المعرفة ومخرجات الابتكار بالأهداف والتحديات الوطنية) بحسب ما جاء بمحور البحث العلمي ضمن هذه الرؤية. ويعني ذلك ان الخطة تنظر للجامعات كبيوت خبرة في تحقيق التنمية المستدامة.
ولكن الواقع يؤكد أن هناك حلقة مفقودة بين الجامعات ومؤسسات المجتمع الحكومية والخاصة فيما يخص الاستفادة من الأبحاث الاكاديمية، فالجامعات تنتج ابحاثاً جلها قابل للتطبيق وتهتم بالتطوير في قضايا معينة لكنها تبقى حبيسة الادراج. ويعني ذلك اننا نفتقد لرؤية شاملة تربط المؤسسات الأكاديمية بالجهات الحكومية والخاصة التي تهتم بتطبيق الأبحاث العلمية والاستفادة منه، مما يتطلب إيجاد منظومة استراتيجية لتعزيز الاتصال بين الطرفين، بحيث تضطلع الجامعات بدورها التعليمي بالشكل الصحيح فلا تكتفي بالوظيفة الأكاديمية فقط وإنما تنتقل إلى انتاج المعرفة.
ولكن للأسف يواجه هذا القطاع الكثير من التحديات في مجتمعاتنا العربية، من أبرزها عدم وضوح أولويات واستراتيجيات البحث العلمي، وضعف التمويل ، حيث يتراوح ما ينفق على البحث العلمي في الوطن العربي ما بين 0,2 إلى 0,8 بالمائة من ناتج الدخل القومي، بينما يبلغ ما بين 4 إلى 6 بالمائة في الدول الصناعية والمتقدمة. ونتج عن ذلك هجرة الأدمغة من مجتمعاتنا، حيث يعيش أكثر من 35 بالمائة من مجموع الكفاءات العربية بمختلف الميادين في بلاد المهجر بمجموع أكثر من مليون خبير و اختصاصي عربي.
ومن ناحية أخرى يكاد يغيب دور القطاع الخاص في دعم الباحثين وتبني الدراسات وبحث إمكانية تطبيقها، على عكس ما يحدث في الدول المتقدمة حيث تهتم المؤسسات غير الحكومية والشركات بدعم البحث العلمي، باعتباره استثمار مستقبلي مرتفع الربحية.
والحقيقة هناك خطوات قد بدأت منذ عام 2017 للتنسيق بين وزارة التعليم العالي، والمجلس الأعلى للجامعات، ووزارتي التنمية المحلية والتخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى، للاستعانة بالجامعات ، لتقديم الخدمات الاستشارية سواء التعليمية أو الهندسية أو الصحية أو الزراعية، والمساهمة في إعداد خطط التنمية والبرامج التنفيذية اللازمة لها، والتى تستهدف تحويل القرى من مستهلكة إلى مصدرة، وإنشاء حاضنات تكنولوجية بالمحافظات. ولكن لا نعلم لأي مدى استمر هذا التنسيق؟ أو ما أسفر عنه. ونتمنى ان تقطع الجامعات شوطا أكبر في هذا المجال بحيث تصبح بمثابة بيوت خبرة ومصدر لرفد المجتمع بمعطيات اقتصاد المعرفة.
#محمديونس ( مقالي بالاهرام /يوم 9يناير 2021)
#الدكتور_محمد_يونس
#البحث_العلمي
#الجامعات
#اقتصاد_المعرفة
#كورونا
http://gate.ahram.org.eg/News/2556691.aspx

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى