حين أصبح الأذان مزعجًا.. أين اختفت كل أصوات الضوضاء الأخرى

بقلم نجلاء هاشم
حين يصبح الأذان موضعًا للجدل هل المشكلة في الصوت أم في ازدحام الضوضاء؟
في الآونة الأخيرة، أُثيرت حالة من الجدل حول ارتفاع صوت الأذان في بعض المساجد، وذهب البعض إلى اعتباره مصدرًا للإزعاج، بل وطالب آخرون بمراجعة مستوى الصوت أو الحد منه، مستندين إلى فكرة دفع الضرر وعدم إزعاج المرضى وكبار السن والأطفال.
وهنا لا بد أن نتوقف قليلًا أمام السؤال الأهم: هل أصبح الأذان تحديدًا هو المشكلة في مجتمع يعاني أصلًا من ارتفاع مستويات الضوضاء في كثير من الأماكن؟
لا أحد ينكر أن مراعاة راحة المرضى وكبار السن حق إنساني، وأن الإسلام دعا إلى عدم الإضرار بالآخرين، لكن من المهم أيضًا أن تكون معالجة قضية الضوضاء شاملة وعادلة، لا أن يُختزل النقاش في صوت الأذان وحده.
ففي الشوارع والأحياء، نسمع أصواتًا مرتفعة من الأفراح والمناسبات، وحفلات الصيف، ومكبرات الصوت في بعض الفعاليات، وافتتاحات المحال، وبعض المقاهي، وغيرها من مصادر الضوضاء التي قد تستمر لفترات طويلة، وربما في أوقات متأخرة من الليل.
فإذا كان المعيار هو حماية المرضى وحق الإنسان في الهدوء والراحة، فلماذا لا يكون هذا المعيار شاملًا لكل مصادر الضوضاء دون استثناء؟
إن الأذان ليس مجرد صوت عابر في الشارع؛ فهو شعيرة إسلامية مرتبطة بالصلاة، وله مكانة راسخة في وجدان المسلمين منذ قرون. ولذلك فإن الحديث عنه يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية والوعي، بعيدًا عن التعميم أو تحويل الأمر إلى مساحة للجدل والاستقطاب.
وفي الوقت نفسه، فإن احترام الشعيرة لا يعني تجاهل الاعتبارات التنظيمية المتعلقة بمستوى الصوت أو استخدام مكبرات الصوت. فتنظيم الصوت بصورة تراعي طبيعة المكان، وتحافظ على وضوح الأذان، وتمنع المبالغة في ارتفاعه، يمكن أن يكون شأنًا تنظيميًا يحقق التوازن بين احترام الشعيرة ومراعاة راحة المواطنين.
أما تحديد ما هو جائز أو غير جائز شرعًا، أو إصدار أحكام دينية عامة، فليس شأنًا لكل من يمتلك منصة أو رأيًا شخصيًا؛ وإنما ينبغي الرجوع فيه إلى المؤسسات الدينية المختصة والعلماء المؤهلين، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، كلٌّ في نطاق اختصاصه.
والأهم من ذلك ألا يتحول النقاش حول الأذان إلى مدخل للنيل من شعيرة دينية أو إلى اختبار لمشاعر المجتمع الدينية. كما لا ينبغي في المقابل استخدام قدسية الأذان لتبرير أي ممارسة تنظيمية خاطئة أو تجاهل حق الآخرين في الراحة.
القضية إذن ليست: هل نريد الأذان أم لا؟
وإنما السؤال الأكثر نضجًا هو:
كيف نحافظ على شعائرنا الدينية ونحترم قدسيتها، وفي الوقت نفسه نراعي حق الإنسان في الهدوء والسكينة؟
وإذا كنا جادين في الحديث عن إزعاج المرضى وحماية حق المواطنين في الراحة، فلنفتح ملف الضوضاء كاملًا، ولنضع معايير واضحة وعادلة تنطبق على الجميع، بدلًا من أن يصبح الأذان وحده هو العنوان الأبرز لهذه القضية.
فالأذان جزء من المشهد الروحي والثقافي للمجتمع، واحترامه لا يتعارض مع تنظيمه، كما أن تنظيم الصوت لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للمساس بمكانته.
نحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول، لا إلى صراع حول صوتٍ ارتبط في وجدان الملايين بمعنى الصلاة والسكينة والنداء إلى الله.



