الطاقه اليوم

لن تحكم إسرائيل الشرق الأوسط بعقلية الحشاشين.. ولو جرّتنا إلى القرن الثالث عشر

كتب : إيهاب محمد زايد

قراءة في مصير “دولة الاغتيالات” من قلعة ألموت إلى تل أبيب: هل تقترب لحظة هولاكو؟وأيضا إسرائيل والحشاشون.. لماذا لن يحكموا الشرق الأوسط وإن أعادوا زمن التصفيات؟ من قلعة ألموت إلى تل أبيب: هل بعث ‘حسن الصباح’ في القرن الحادي والعشرين؟ إسرائيل والحشاشين.. عندما يعيد التاريخ نفسه في أرض المفارقات، إسرائيل والحشاشون.. عندما تصبح ‘دولة الاغتيالات’ وريثة لأخطر طائفة في التاريخ. لعبة الاغتيالات الكبرى: هل تسقط ‘الأسلحة النووية’ أمام لعنة التاريخ؟ و مقامرة الاغتيالات: هل تجر إسرائيل العالم إلى ‘مصير الحشاشين’؟ بين اغتيال خامنئي وتهديد بوتين.. هل فقدت إسرائيل ‘بوصلة الحكمة’ السياسية؟ و صدام القوى العظمى: عندما يتحول ‘غرور التكنولوجيا’ إلى انتحار جيوسياسي و هل تقترب ‘لحظة هولاكو’؟ قراءة في مصير الدول القائمة على التصفية الجسدية 

 

مقدمة.. عندما يعيد الزمن تشكيل الوجوه

في زمن تتصاعد فيه وتيرة التهديدات والاغتيالات، وتتحول فيه السياسة الدولية إلى ساحة للتصفيات الجسدية، وتتحول فيه اللغة الدبلوماسية إلى لغة إنذارات وتهديدات، نكتشف أن التاريخ ليس مجرد صفحات نقرؤها، بل هو نهر جارف يعيد تشكيل نفسه بأشكال جديدة. من بين كل الظواهر التي أعاد التاريخ تشكيلها، تبرز ظاهرة واحدة كأكثرها تشويهاً وإثارة للدهشة: إسرائيل بوصفها “دولة اغتيالات” في العصر الحديث، وهو مصطلح، ويا للمفارقة، مستوحى من تاريخ إيران.

 

بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، أسست طائفة عُرفت باسم الحشاشين – أو جماعة القتلة – دولة في بلاد فارس عُرفت باسم الموحدين. كان معقلهم يقع في ما يعرف اليوم بشمال إيران، وعاصمتهم على بُعد ١٠٠ كيلومتر شمال طهران الحالية. برع الحشاشون في الاغتيال، ونشروا الرعب بين حكام العديد من الممالك آنذاك، إلى أن أبادتهم جيوش المغول . أما إسرائيل اليوم؟ فماذا سيكون مصيرها؟

 

هذا السؤال ليس مجرد تأمل تاريخي، بل هو قراءة في مصير قائم على منطق الاغتيالات، وقائم على فكرة أن القوة القائمة على التخويف والتصفية لا يمكن أن تدوم. فالحشاشون، رغم براعتهم في الاغتيال وتفوقهم في إرهاب خصومهم، انتهى بهم المطاف إلى الزوال. وسؤالنا اليوم: هل تسير إسرائيل على نفس الدرب؟

 

الحشاشون.. مدرسة الإرهاب التي سبقت عصرها

لنعد إلى الوراء قليلاً، إلى القرن الحادي عشر الميلادي. في قلعة ألموت الشاهقة في جبال البرز شمال إيران، أسس حسن الصباح دولتهم التي عُرفت باسم “الدولة النزارية” أو دولة الحشاشين. كانت القلعة التي تقع على بعد ١٠٠ كيلومتر شمال طهران، محصنة بطبيعتها، وشكَّلت قاعدة انطلاق لحركة ثورية ضد السلاجقة الذين كانوا يهيمنون على المنطقة .

 

لم يكن الحشاشون مجرد جماعة متطرفة، بل كانوا دولة منظمة لها هرمية معقدة، بدءاً من الإمام، ثم الداعي الدعات، ثم الداعي الكبير، ثم الداعي العادي، ثم الرفيق، ثم اللاصق، ثم الفدائي . هؤلاء الفدائيون كانوا على استعداد للتضحية بحياتهم مقابل تنفيذ المهمات الموكلة إليهم، وكانوا يتدربون على فنون القتل والتمويه والتسلل ببراعة نادرة.

 

على مدار ما يقرب من قرنين من الزمان (١٠٩٠ – ١٢٧٣)، اغتال الحشاشون أكثر من مئة من كبار رجال الدولة ورجال الدين والقادة العسكريين، من بينهم الوزير السلجوقي نظام الملك (١٠٩٢)، والخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله (١١٣٠)، والخليفة العباسي المسترشد بالله (١١٣٥)، والعديد من القادة الصليبيين مثل كونراد مونفيرات، ملك القدس الفعلي (١١٩٢) . كانت عملياتهم تتم بدقة عالية، وفي أماكن عامة، لتحقيق أقصى درجات التأثير النفسي.

 

ما ميز الحشاشين هو قدرتهم على زرع الفدائيين في أعماق المجتمعات التي استهدفوا بها قادتها، واستعدادهم للموت في سبيل تنفيذ المهمة. هذه الاستراتيجية، التي جمعت بين التخفي والاغتيال والترهيب، جعلت منهم قوة هائلة رغم ضعفهم العددي. وقد استمرت دولتهم لأكثر من ١٨٠ عاماً، إلى أن جاء المغول بقيادة هولاكو خان، فدمروا قلعة ألموت عام ١٢٥٦، وأنهوا حكم الحشاشين نهائياً .

 

إسرائيل.. دولة الاغتيالات في العصر الحديث

إذا كانت قلعة ألموت هي معقل الحشاشين، فإن تل أبيب هي معقل “دولة الاغتيالات” الحديثة. بدأت إسرائيل ممارسة سياسة الاغتيالات المنهجية قبل قيامها، عندما اغتال عملاء صهاينة اللورد والتر إدوارد غينيس، السياسي البريطاني المعارض للهجرة اليهودية إلى فلسطين، عام ١٩٤٤ . منذ ذلك الحين، تطورت هذه السياسة لتصبح أداة مركزية في الاستراتيجية الإسرائيلية.

 

تشير إحصاءات مؤسسة الحق الفلسطينية لحقوق الإنسان إلى أن إسرائيل اغتالت ما لا يقل عن ٣٦٦ من النشطاء والمقاومين الفلسطينيين منذ عام ١٩٦٦ . لكن هذه الأرقام لا تشمل عمليات الاغتيال خارج فلسطين، ولا تشمل قادة حركات المقاومة في لبنان وسوريا وإيران.

 

لنستعرض بعضاً من أبرز عمليات الاغتيال الإسرائيلية التي تعكس استمرارية هذه السياسة:

 

في عام ٢٠٠٢، قصفت طائرة إسرائيلية منزل القائد عز الدين القسام صلاح شحادة بقنبلة وزنها طن، مما أدى إلى مقتله مع ١٨ مدنياً فلسطينياً، بينهم ٧ أطفال . في عام ٢٠٠٤، اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين، المؤسس الروحي لحركة حماس، وهو على كرسيه المتحرك بعد صلاة الفجر في غزة . في نفس العام، اغتالت أيضاً عبد العزيز الرنتيسي، خليفة ياسين .

 

ولم تقتصر عمليات الاغتيال على فلسطين، بل امتدت إلى دول أخرى. في عام ٢٠٠٨، اغتيل عماد مغنية، القيادي الكبير في حزب الله، في انفجار سيارة في دمشق . في عام ٢٠٢٠، اغتيل الفيزيائي النووي الإيراني محسن فخري زاده بواسطة مدفع رشاش يتم التحكم فيه عن بُعد . وفي عام ٢٠٢٤، اغتيل القيادي في حماس صالح العاروري في ضاحية بيروت الجنوبية .

 

تتجاوز قائمة الاغتيالات الإسرائيلية المئات، وهي لا تشمل فقط القادة العسكريين، بل تشمل علماء وناشطين وإعلاميين. هذه السياسة، التي تجعل من الاغتيال أداة دائمة في الصراع، تضع إسرائيل في مصاف الدول التي جعلت من القتل خارج القضاء سمة من سماتها.

 

التهديد الروسي.. لحظة التماهي مع الحشاشين

في الأيام الأخيرة، وفي سياق الحرب المستعرة مع إيران، ظهرت إسرائيل بوجهها الحشاشي الأكثر وضوحاً. فبعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مفاجئاً على إيران في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، استهدف قادة إيرانيين كباراً، تحركت موسكو لدعم حليفتها طهران، وأدانت بشدة ما وصفته بـ “اغتيال” القادة الإيرانيين .

 

هنا جاء الرد الإسرائيلي بشكل صادم. في مقابلة مع إذاعة RBC الروسية، صرحت المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، آنا أوكولوفا، بأن إسرائيل قادرة على اختراق كاميرات المراقبة في موسكو، وأن “لا أحد يتمنى الشر لإسرائيل سيُستثنى” من عمليات الاغتيال، وأن “تصفية خامنئي تظهر مدى جدية قدراتنا”. وعندما سُئلت عما إذا كان هذا يشمل الرئيس بوتين، لم تنفِ ذلك .

 

هذه التصريحات، التي تلت نشر تقارير عن وجود برامج إسرائيلية لتحليل الفيديو مثل “BriefCam” في شبكات المراقبة الروسية منذ عام ٢٠١٠ ، أثارت غضباً واسعاً في موسكو. واعتبر الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين أن هذه التصريحات تمثل “تهديداً باغتيال مسؤولين روس إذا اتخذوا موقفاً مناهضاً لإسرائيل” .

 

هذا التهديد، الذي يوجهه جيش دولة إلى دولة كبرى مثل روسيا، يحمل نكهة حشاشية واضحة. فالحشاشون كانوا يهددون خصومهم بالاغتيال، ويثبتون قدرتهم على الوصول إلى أي هدف. إسرائيل، من خلال هذا التهديد، تظهر وكأنها تعيد إحياء هذه الاستراتيجية القديمة، ولكن في القرن الحادي والعشرين.

 

التاريخ يعيد نفسه.. لكن النهاية واحدة؟

الحشاشون اغتالوا مئات من القادة ورجال الدولة، ونشروا الرعب في قلوب خصومهم، واستمروا لقرابة قرنين من الزمان. لكن نهايتهم كانت حتمية. عندما جاء المغول بقيادة هولاكو خان، دمروا قلعة ألموت، وقتلوا آلاف النزاريين، ووضعوا حداً لدولتهم. الحشاشون، رغم براعتهم في الاغتيال، لم يستطيعوا الصمود أمام قوة عظمى جاءت لتطبق عليهم قواعدهم ذاتها: القوة المطلقة .

 

إسرائيل اليوم تواجه وضعاً مماثلاً. قد تكون قادرة على اغتيال قادة حماس في قطر، أو قادة حزب الله في لبنان، أو حتى قادة إيرانيين في طهران. وقد تكون قادرة على تهديد روسيا، أكبر دولة نووية في العالم، بالاغتيال. لكن هذا النهج، الذي يرتكز على التخويف والتصفية الجسدية، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.

 

الفرق بين إسرائيل والحشاشين يكمن في أن الحشاشين كانوا طائفة متطرفة من شيعة الإسماعيلية، بينما إسرائيل دولة تمتلك أسلحة نووية وتتمتع بدعم الولايات المتحدة. لكن التشابه في المنهج – تحويل الاغتيال إلى أداة استراتيجية – يظل مقلقاً. والنتيجة، التي يعلمها التاريخ، أن الدول التي تبني سياستها على القتل خارج القضاء لا تستمر.

 

الحشاشون وحكمة الاغتيالات.. غياب النبل والود

الحشاشون لم يحكموا الشرق الأوسط، رغم قوتهم وإرهابهم، لأنهم كانوا مغيبين عن النبل وعن الود وعن الحكمة وعن العلم وعن الشرف. فليس لهم قرار صائب. هذه العبارة تلخص جوهر الفرق بين من يبني دولته على القوة القائمة على الإرهاب، ومن يبنيها على القيم والأخلاق.

 

الحشاشون استخدموا الاغتيال كأداة للردع وللحفاظ على دولتهم الصغيرة. لكنهم فشلوا في بناء تحالفات استراتيجية، وفشلوا في كسب قلوب الناس، وفشلوا في تقديم نموذج حضاري يمكن أن يستمر. ولهذا، عندما جاءت القوة الأعظم، انهارت دولتهم.

 

إسرائيل اليوم، رغم تقدمها التكنولوجي والعسكري، تعتمد على نفس النهج. إنها ترهب خصومها بالاغتيالات، وتقتل القادة خارج القضاء، وتشن حروباً لا ترحم المدنيين. هذا النهج، كما أثبت التاريخ، لا يمكن أن يستمر. القوى العظمى، التي تهدد إسرائيل اليوم، قد لا تقف مكتوفة الأيدي إلى الأبد. روسيا التي تهددها إسرائيل بالاغتيال اليوم، قد تقرر غداً أن ترد على هذا التهدي بالقوة ذاتها التي تتعامل بها إسرائيل مع خصومها.

 

رسالة إلى من يهددون العالم.. الاغتيالات لا تصنع سلاماً

في النهاية، تذكرنا قصة الحشاشين وإسرائيل بأن الاغتيال أداة لا يمكن أن تكون أساساً لدولة أو استراتيجية مستدامة. الحشاشون زالوا، والدول التي تعتمد على القتل خارج القضاء تزول أيضاً. إسرائيل اليوم تكرر أخطاء الماضي، وتظن أنها قادرة على ترهيب العالم وفرض إرادتها بالاغتيالات والتهديدات. لكن التاريخ يحذرها، والمنطق يقول: لا يمكن بناء مستقبل على أكوام الجثث.

 

مصير الحشاشين كان واضحاً: دمرتهم قوة أعظم منهم، وانتهت دولتهم. إسرائيل، التي تتبنى أسلوبهم، قد تواجه مصيراً مماثلاً إذا استمرت في طريقها. فالسلام لا يُبنى بالاغتيالات، والأمن لا يُصنع بالتهديدات. والحكمة، التي غابت عن الحشاشين، هي ذاتها التي تغيب عن إسرائيل اليوم.

خاتمة: بين حتمية التاريخ وتعقيدات الواقع

في الختام، وعلى الرغم من وجاهة المقارنة بين إسرائيل وطائفة “الحشاشين” في اعتماد استراتيجية الاغتيال الممنهج، إلا أن ثمة فوارق جوهرية تفرضها الجغرافيا السياسية الحديثة. فالحشاشون كانوا في جوهرهم “جماعة وظيفية” ومنظمة سرية تعمل في جيوب معزولة، بينما تمثل إسرائيل “دولة” ذات سيادة، تمتلك ترسانة نووية رادعة وتحالفات دولية كبرى، مما يجعل مسار “الزوال الحتمي” على يد “هولاكو حديث” أمراً أكثر تعقيداً من الناحية المادية والعسكرية.

 

وعليه، فإن الرهان على الاستنتاج الأخلاقي الحتمي بأن “الظلم يقود للفناء” — وهو منطق تاريخي وقيمي محبب — قد يصطدم أحياناً بصلابة “الواقعية السياسية” (Realpolitik)، حيث تساهم المصالح الدولية المتقاطعة في إطالة عمر أنظمة تعتمد القوة الغاشمة. إن العبرة من تاريخ الحشاشين تظل قائمة كتحذير أخلاقي واستراتيجي، لكن حسم الصراع في العصر الحديث يتطلب ما هو أكثر من “عدالة القضية”؛ يتطلب تفكيك شبكة المصالح والقوى التي تمنح “دولة الاغتيالات” حصانتها الحالية.

سؤال للقارئ

هل تعتقد أن إسرائيل، التي تتبنى سياسة الاغتيالات المنهجية منذ عقود، قادرة على الاستمرار في هذا النهج دون أن تواجه مصير الحشاشين الذين سبقوها؟ وكيف يمكن للعالم أن يردع دولة تجعل من القتل خارج القضاء أداة رئيسية في سياستها، وتتهدد حتى القوى العظمى بالاغتيال؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى