الطاقه اليوم

أقدم كتاب غير قابل للقراءة على وجه الأرض.. هل ينتظر قارئاً من نوع آخر؟

كتب :  إيهاب محمد زايد

مخطوطة فوينيتش: عندما يقف الذكاء الاصطناعي عاجزاً أمام حبر العصور الوسطى، كتبٌ لا تُقرأ: هل هناك معارف محرمة على العقل البشري؟، بين شفرة فوينيتش وفصاحة البرديات المصرية: لماذا استعصى علينا كتاب القرن الخامس؟

في زمن نتصور فيه أن العلم قادر على فك أي شفرة، وأن التكنولوجيا الحديثة تستطيع حل أي لغز، يقف كتاب واحد بوجه كل هذا التقدم. كتاب حقيقي، مصنوع من جلد حيوان حقيقي، مكتوب بحبر أصلي، لكن لا أحد يستطيع قراءته. ليس لأن لغته ميتة، بل لأنها لا تشبه أي لغة عرفتها البشرية على الإطلاق. مخطوطة فوينيتش، المحفوظة اليوم في مكتبة بينيكي للكتب النادرة بجامعة ييل تحت رقم الفهرس MS 408، ليست أسطورة منتشرة على الإنترنت، وليست خدعة حديثة. يمكنك الاطلاع على كل صفحة بدقة عالية عبر الإنترنت، لكنك لن تفهم منها حرفاً واحداً .

 

رحلة المخطوطة عبر الزمن

في عام 2009، أجرت جامعة أريزونا تأريخاً بالكربون المشع على عينات متعددة من الرق الذي كتبت عليه المخطوطة. النتائج كانت حاسمة: الرق يعود إلى ما بين عامي 1404 و1438م، أي في أوائل عصر النهضة. التحليل الكيميائي للحبر لم يكشف عن أي شيء خارج تركيبات العصور الوسطى. أسلوب التجليد يتوافق مع تلك الحقبة. من الناحية المادية، المخطوطة هي تماماً كما تبدو: كتاب أصلي من القرن الخامس عشر. ما يخالف كل التوقعات هو أسلوب الكتابة نفسه، الذي يستخدم ما يقارب 20 إلى 25 رمزاً متكرراً، مرتبة في وحدات تشبه الكلمات. تتكرر هذه “الكلمات” بطرق منتظمة ومنظمة، والأسطر محاذاة بدقة، والفقرات تتشكل بشكل طبيعي. عندما قام الفيزيائيان مارسيلو مونتيمورو وداميان زانيت بتحليل النص رياضياً، وجدا أن مخطوطة فوينيتش تتبع قانون زيبف، وهو نفس التوزيع الإحصائي الموجود في اللغات البشرية المعروفة، مما يعني أن النص يحمل بنية لغوية حقيقية، وليس مجرد رموز عشوائية .

 

قرون من المحاولات الفاشلة

خلال الحرب العالمية الثانية، حاول أشهر خبراء التشفير الأمريكيون والبريطانيون فك شفرتها، معتقدين أنها قد تكون شفرة نازية أو سوفييتية. استخدموا آلات فك الشفرات المبكرة، وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً. وفي العقود الأخيرة، استخدم الباحثون أقوى أجهزة الكمبيوتر وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لكن النتيجة كانت هي نفسها: فشل في فك ولو فقرة واحدة كاملة من الكتاب. عشرات العلماء وخبراء التشفير واللغويات قضوا سنوات من حياتهم في محاولة فك رموزها، وانتهى بهم الأمر بالإحباط والفشل. مئات الدراسات والمقالات العلمية كتبت عنها، ولا تزال المخطوطة صامدة، تحتفظ بسرها .

 

عوالم غامضة في 240 صفحة

تنقسم المخطوطة إلى عدة أقسام، لكل منها عالمه الغامض الذي يثير الدهشة والتساؤل. القسم النباتي هو الأكثر غرابة، حيث يحتوي على 113 رسمة لنباتات لا تشبه أي نبات معروف على وجه الأرض. بعضها له جذور على شكل حيوانات، وبعضها الآخر يحمل أوراقاً متداخلة بشكل لا يمكن تصنيفه، وكأنها توثيق لكائنات نباتية من عالم آخر. القسم الفلكي يضم 25 رسمة لدوائر تحتوي على نجوم وكواكب، بعض هذه الرسوم تمثل أبراجاً غير معروفة لا تشبه الأبراج التي نعرفها اليوم، واللافت أن سيدات عاريات يظهرن داخل هذه الدوائر الفلكية وكأنهن جزء من هذه العوالم السماوية الغريبة. القسم البيولوجي يحتوي على رسوم لنساء عاريات يسبحن في سائل أخضر، متصلات بأنابيب غريبة تشبه نظاماً للري، وأجسادهن تحتوي على تجاويف تشبه الخرائط الطبية، لكن التشريح لا يشبه التشريح البشري الحقيقي على الإطلاق. القسم الصيدلاني يضم رسوماً لأوعية وجرار تشبه أدوية العصور الوسطى، لكن النباتات المرسومة حولها غير معروفة، وصيغ كتابية تشبه وصفات طبية لكن مكوناتها غير مذكورة أو غير مفهومة. القسم الوصفاتي يحتوي على 400 فقرة قصيرة مكتوبة كالوصفات، كل فقرة تبدأ بنجم أحمر، لكن المكونات غير معروفة .

 

نظريات متضاربة ولا حل

على مر القرون، تعددت النظريات حول أصل المخطوطة ومعناها. البعض يعتقد أنها لغة مصطنعة اخترعها عالم أو ساحر في العصور الوسطى، ربما من قبيل التسلية أو لتضليل المنافسين. آخرون يرون أنها خدعة متقنة، ربما صنعها تاجر كتب في القرن السادس عشر لبيعها بثمن باهظ للإمبراطور رودولف الثاني. لكن التحليل العلمي يظهر أن المخطوطة كتبت على مدار سنوات، وليس في فترة زمنية قصيرة، مما يضعف نظرية الخدعة. نظرية أخرى تقول إنها قد تكون لغة ضائعة من حضارة ما قبل كولومبية، وأن النباتات المرسومة تعود إلى أمريكا الوسطى، لكن السؤال يبقى: كيف وصلت هذه المخطوطة إلى إيطاليا في القرن الخامس عشر؟ النظرية الأكثر إثارة تقول إن هذه المخطوطة قد لا تكون للقراءة أصلاً، بل أداة للتأمل الروحي أو الطقوس الدينية، ربما كانت تستخدم مثل “الماندالات” البوذية، حيث النظر إلى الرسوم يغير حالة الوعي، والكلمات مجرد دعم للتجربة الروحية. وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن بطون النساء في الرسوم مستطيلة بشكل غير طبيعي، والنباتات تشبه كائنات حية أكثر من نباتات، والألوان الزاهية غير معتادة في مخطوطات العصور الوسطى، متسائلين هل يمكن أن تكون هذه المخطوطة دليلاً على اتصال قديم مع كائنات من خارج الأرض؟

 

برديات مصر القديمة.. وثائق قابلة للقراءة

في مقابل هذا اللغز المستعصي، تقف برديات مصر القديمة شاهدة على حضارة عريقة ترك لنا أبناؤها آلاف الوثائق التي تمكن العلماء من قراءتها وفك رموزها. قائمة البرديات المصرية القديمة تطول وتتنوع لتشمل مجالات شتى من المعرفة. فهناك برديات طبية مثل بردية إدوين سميث التي تعود للقرن السادس عشر قبل الميلاد وتعتبر أقدم نص جراحي في التاريخ، وبردية إبيرس التي تحتوي على أكثر من 700 وصفة علاجية، وبردية كاهون المتخصصة في أمراض النساء، وبردية لندن الطبية، وبردية كارلسبرغ الثامنة. وهناك برديات أدبية مثل بردية ويستكار التي تضم حكايات سحرية، وبردية سنوحي التي تروي قصة الأمير الهارب، وبردية دوربيني التي تحتوي على قصة الأخوين، وبردية تشيستر بيتي الأول التي تضم شعر حب. كما توجد برديات تعليمية مثل بردية بريسي التي تحتوي على تعليمات بتاح حتب، وبرديات برلين 3023 التي تضم قصة الفلاح الفصيح. وهناك برديات رسمية مثل يوميات مرر التي توثق نقل الحجارة لبناء الهرم الأكبر، وقائمة ملوك تورين التي تسجل أسماء الملوك، وخريطة بردية تورينو التي تعتبر أقدم خريطة جيولوجية في العالم. بالإضافة إلى برديات رياضية مثل بردية موسكو الرياضية وبردية رايند الرياضية. هذه البرديات، رغم قدمها الذي يتجاوز آلاف السنين، استطاع العلماء فك رموزها وفهم لغاتها، لأنها تنتمي إلى أنظمة كتابة معروفة ودرست بعمق عبر الأجيال .

 

التراث العربي المخطوط

أما في العالم العربي، فلدينا أيضاً تراث ضخم من البرديات والمخطوطات التي تنتظر من يدرسها. يقدر عدد البرديات العربية في المجموعات المختلفة في أوروبا وأمريكا الشمالية والقاهرة بحوالي 16 ألف بردية. هذه البرديات تشمل حسابات، وصكوك ملكية، ووثائق إدارية، ورسائل شخصية، وحتى نصوصاً أدبية من أقدم ما وصلنا في العربية، مثل سيرة النبي محمد لابن هشام، والموطأ لمالك بن أنس، وقصص ألف ليلة وليلة، وأشعار العرب. وقد بدأ استخدام البردي في مصر قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، واستمر استخدامه بعد الفتح الإسلامي حتى القرن الرابع الهجري أو العاشر الميلادي، عندما بدأ الورق يحل محله تدريجياً .

 

مخطوطات غامضة أخرى

مخطوطة فوينيتش ليست الوحيدة في التاريخ التي حيرت العلماء. فهناك مخطوطة “السويجا” (Soyga) التي تحتوي على 40 ألف رسالة مرتبة بشكل عشوائي، ويعتقد أنها تتعلق بالسحر والكابالا اليهودي. حاول عالم الرياضيات جون دي فك رموزها في القرن السادس عشر، وفشل. وعندما استعان بالملاك أوريل في جلسة استحضار أرواح، أخبره أن هذا الكتاب أعطي لآدم في جنة عدن! وهناك مخطوطة “روهونسي” (The Rohonc Codex) المجرية، المكونة من 448 صفحة، بلغة غير مفهومة تماماً، ولا يعرف أحد من أين أتت. وكوديكس “سيرافينيانوس” (Codex (Seraphinianus هو كتاب حديث نسبياً، كتبه الفنان الإيطالي لويجي سيرافيني في الثمانينات، بلغة ابتكرها من خياله، ورسوم لكائنات لا وجود لها على الأرض، لكنه على الأقل معروف المصدر ومعلوم المؤلف .

 

هل تنتظر قارئاً من نوع آخر؟

ربما يكون الجواب الأكثر حكمة عن لغز مخطوطة فوينيتش هو ما طرحه بعض الباحثين مؤخراً: ربما هذه المخطوطة ليست مكتوبة لتُقرأ من قبلنا أصلاً. ربما هي رسالة من نوع من البشر لم يعد موجوداً، أو ربما هي من صنع كائنات غير بشرية. التحليلات الإحصائية تؤكد أن اللغة تحمل خصائص لغوية حقيقية، لكنها لا تطابق أي لغة معروفة. النباتات لا تشبه أي نبات موجود. التشريح لا يشبه التشريح البشري. ربما هذا الكتاب ينتظر قارئاً من نوع آخر، من عالم آخر، أو من زمن آخر. الغريب أن مخطوطة فوينيتش لا تزال هناك، في مكتبة بينيكي بجامعة ييل، تنتظر، تتحدى العقول، تذكرنا أن المعرفة لها أبواب، وبعضها مقفل بغير مفتاح. مصير مالكي المخطوطة يزيدها غموضاً. ويلفريد فوينيتش، الذي اشتراها عام 1912، مات بالتهاب رئوي بعد سنوات من اكتشافها. زوجته آن نيل قضت حياتها تحاول فكها وفشلت. هانس كراولس، تاجر الكتب الذي اشتراها بعد ذلك، تدهورت أحواله. عشرات العلماء أضاعوا حياتهم في محاولة فكها، وبعضهم أصيب بأمراض نفسية. كأن المخطوطة تقول لمن يقترب منها: “أنا هنا.. لكني لست لكم.. اقتربوا إذا شئتم.. لكن اعلموا أن الثمن باهظ” .

 

دروس للعالم العربي

ما تقدمه قصة مخطوطة فوينيتش والبرديات القديمة من دروس يتجاوز حدود الألغاز التاريخية ويمس جوهر علاقتنا بالتراث والمعرفة. قيمة التراث المخطوط في العالم العربي هائلة، حيث تمتلك المنطقة آلاف البرديات والمخطوطات التي لا تزال تنتظر من يدرسها ويحققها، وهذا كنز معرفي لا يقدر بثمن يجب الحفاظ عليه ودراسته. أهمية حفظ الوثائق تتجلى في أن الدول التي اهتمت بحفظ وثائقها وأرشفها استطاعت بناء ذاكرة وطنية قوية، ففرنسا أسست الأرشيف القومي عام 1855، وبريطانيا عام 1838، وأمريكا عام 1934، بينما مصر سبقتهم بإنشاء “الدفتر خانة” عام 1828 في عهد محمد علي. التواضع أمام المجهول فضيلة تذكرنا بها مخطوطة فوينيتش، فهناك ألغاز قد لا نستطيع حلها أبداً، وليس كل شيء في هذا الكون قابلاً للفهم البشري. التنوع في أشكال المعرفة يعني أن بعض المعارف قد تكون مسجلة بطرق لا نفهمها، بلغة لا نعرفها، ورموز لا ندركها، وهذا لا يعني أنها بلا معنى. التعاون بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية يمكن أن يكشف أسراراً جديدة، كما حدث مع تأريخ مخطوطة فوينيتش بالكربون المشع، مما يؤكد أهمية المناهج متعددة التخصصات. الذاكرة الجماعية للأمم تشكلها الوثائق التي تعتبر “جرن التاريخ” كما يسميها الفرنسيون، وبدونها نفقد هويتنا واتصالنا بماضينا.

 

خاتمة.. ألغاز تبقى ألغازاً

بعد أكثر من 600 عام من محاولات فك رموز مخطوطة فوينيتش، لا تزال المخطوطة صامدة، تحتفظ بسرها. مئات العلماء وخبراء التشفير واللغويات والذكاء الاصطناعي حاولوا وفشلوا. ربما يكون الجواب الأكثر حكمة هو ما قاله أحد الباحثين: “بعض الألغاز خلقت لتبقى ألغازاً، ليتذكر البشر أن العالم أعظم من فهمهم، وأن التواضع أمام المجهول فضيلة”. في عالم يزخر بالبرديات والمخطوطات التي تمكن العلم من قراءتها وفهمها، تبقى مخطوطة فوينيتش استثناءً وحيداً. تذكرنا بأن المعرفة ليست حكراً على أحد، وأن بعض الأسرار قد لا تُكشف أبداً. في المرة القادمة التي تتصفح فيها كتاباً قديماً، تذكر أنك تقرأ كلمات ربما كتبت قبل مئات أو آلاف السنين، وأن هذه الكلمات وصلت إليك عبر سلسلة طويلة من الأيدي والعقول. لكن هناك كتباً تنتظر قارئها الحقيقي، قارئاً من نوع آخر، من زمن آخر. والغريب أن المخطوطة لا تزال هناك، في مكتبة بينيكي بجامعة ييل، تنتظر.. تتحدى.. وتذكرنا أن بعض الألغاز خلقت لتبقى ألغازاً.

 

سؤال للقارئ

بينما تقرأ عن هذا اللغز المحير، عن كتاب عمره 600 عام لا يستطيع أحد قراءته، عن نباتات لا تشبه أي نبات على الأرض، عن نساء يسبحن في سوائل خضراء غريبة، عن محاولات فاشلة لأشهر خبراء التشفير في العالم، يبقى السؤال مفتوحاً لك: برأيك، ما هو التفسير الأقرب إلى العقل؟ هل هي لغة ضائعة من حضارة مجهولة؟ أم خدعة متقنة من العصور الوسطى؟ أم أنها كما يعتقد البعض، رسالة من خارج هذا العالم؟ وهل تؤمن بوجود ألغاز مستحيلة الحل حقاً؟.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى