ما وراء السيادة المائية.. هل تصبح مصر مختبر العالم للنجاة من الجفاف؟

كتب : إيهاب محمد زايد
أبعد من السيادة المائية: هل تحول مصر مركز العالم لدراسة الجفاف؟ و دبلوماسية العطش: كيف يصبح ‘علم الجفاف’ سلاح مصر الاستراتيجي الجديد؟، اقتصاديات الندرة: تحويل التهديد المائي إلى سوق عالمية للمعرفة، مثلث النجاة: دمج الري والزراعة والبيئة لمواجهة العدو القادم. مصر والماء.. من ‘هبة النيل’ إلى ‘سيادة المعرفة، صناعة الندى: هل تقود مصر ثورة العالم ضد الجفاف؟
في زمن يضرب فيه الجفاف أبواب العالم، وتنضب فيه الصنابير في مدن كبرى، وتتحول فيه الأرض الخضراء إلى صحراء قاحلة، تقف مصر على مفترق طرق مصيري. تقرير حديث يكشف أن للجفاف ستة آثار كبرى على منطقة الشرق الأوسط، تبدأ بنقص المياه وتدهور الأراضي الزراعية، وتمتد إلى تأثيرات اقتصادية وبيئية واجتماعية وصحية، حيث يزيد الجفاف من مخاطر الأمراض المرتبطة بنقص المياه مثل الجفاف وأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية. لكن مصر تملك فرصة استثنائية لتحويل هذا التهديد الوجودي إلى فرصة استراتيجية، عبر إنشاء مركز متخصص للجفاف يجمع وزارات الزراعة والبيئة والموارد المائية، ليحولها من ضحية تنتظر الرحمة إلى باحثة عن دور جديد: مركز العالم لدراسة الجفاف.
تخيل للحظة. مبنى ضخم على أطراف القاهرة، لا يحمل شعار وزارة واحدة، بل يجمع تحت سقفه ثلاثة وزراء ليس اجتماعاً بيروقراطياً عابراً، بل كيان دائم مهمته دراسة العدو الأكثر رعباً للبشرية. هذا ليس خيالاً علمياً، بل رؤية قابلة للتحقق تستند إلى مقومات موجودة بالفعل، وتمتد جذورها في عمق التاريخ المصري.
الخيار التاريخي: مسيرة البحث العلمي الزراعي في مصر
تاريخ البحث العلمي الزراعي في مصر ليس وليد اللحظة، بل يمتد جذوره إلى عهد محمد علي باشا الذي أدرك مبكراً أن النهضة الزراعية هي بوابة النهضة الشاملة. ففي عام 1829، أنشأ محمد علي “مدرسة الزراعة القديمة” التي تعتبر النواة الأولى للتعليم والبحث الزراعي المنظم في مصر. ومع تزايد الاهتمام بالمجال الزراعي، تطورت الهياكل المؤسسية حتى صدر الأمر العالي بإنشاء “قسم الزراعة” في نظارة الداخلية عام 1875، قبل أن يتحول هذا القسم إلى “مصلحة الزراعة” عام 1910، ثم إلى “وزارة الزراعة” عام 1913 .
هذه الجذور التاريخية العميقة تؤكد أن الاهتمام المصري بالزراعة والمياه ليس استجابة عابرة لأزمة، بل خيار استراتيجي متواصل منذ قرنين من الزمان. وقد تكللت هذه المسيرة الطويلة بإنشاء مركز البحوث الزراعية بالقرار الجمهوري رقم 2095 لسنة 1971، الذي جمع تحت مظلته معاهد ومعامل بحثية كانت موزعة سابقاً، ليصبح الصرح العلمي الأول في مصر المتخصص في البحوث التطبيقية والأكاديمية المرتبطة بالإنتاج الزراعي .
اليوم، يضم المركز 16 معهداً (أحدثها معهد بحوث البيوتكنولوجي والهندسة الوراثية)، وعشرة معامل مركزية، و19 محطة بحوث (أحدثها محطة بحوث توشكى)، و23 إدارة تجارب زراعية تغطي جميع محافظات مصر، ويعمل بهذا المركز 5593 خبيراً يحملون شهادات الدكتوراه والماجستير في مختلف فروع وتخصصات العلوم الزراعية.
المركز القومي لبحوث المياه يشكل الذراع البحثي لوزارة الموارد المائية والري، وقد تأسس عام 1975 وتمتد جذوره إلى عام 1947، وهو مركز تميز معروف بابتكاراته في إدارة الموارد المائية. يضم المركز 12 معهداً بحثياً متخصصاً، ومختبراً مركزياً لرصد جودة البيئة، ووحدة للبحوث الاستراتيجية، ووحدة لبناء القدرات، مع التركيز على مجالات حيوية مثل الري والهيدروليكا والهيدرولوجيا ونقل الرواسب وجودة المياه وتغير المناخ وحماية السواحل. على مدى خمسة عقود، خرج من هذا المركز قادة علميون أصبحوا وزراء للموارد المائية والري، مما يؤكد دوره كمؤسسة علمية وبوصلة سياسية في آن واحد. معهد بحوث إدارة المياه التابع للمركز يمتلك شبكة من المحطات التجريبية تمتد عبر وادي النيل، تمثل المناطق المناخية الزراعية المختلفة في مصر.
مركز بحوث الصحراء يعتبر أقدم مراكز البحوث في مصر، إذ افتتح رسمياً في 30 ديسمبر 1950 تحت اسم معهد فؤاد الأول للصحراء، ويعد البنك القومي للجينات الذي تأسس به عام 1977 أكبر بنك للجينات الزراعية البرية النادرة في الوطن العربي والثاني على مستوى العالم، حيث جمع وخزن 2500 نبات طبي بري نادر وحفظها لمدة تصل إلى 100 عام من الظروف غير المناسبة مثل التصحر وقلة الأمطار والتدهور البيئي. وقد أنتج البنك أنواعاً جديدة قادرة على إعادة النمو ومقاومة ملوحة التربة والجفاف .
وفي عام 2003، صدر القرار الوزاري رقم 1920 لإنشاء البنك القومي للجينات، بتخصيص خمسة أفدنة من مزرعة مركز البحوث الزراعية بالجيزة للقيام بجميع أنشطة البنك . ثم تم الافتتاح الرسمي للبنك القومي للجينات عام 2004، ليكون منارة لحفظ وصون الموارد الوراثية المصرية . وقد تم اختيار بنك الجينات المصري في عام 2003 كمركز خبرة في الشرق الأوسط من قبل المعهد الدولي للتنوع البيئي في روما .
يمتلك المركز خبرات متراكمة كبيرة في مجال تحلية المياه، ويعتبر مركز التميز المصري لأبحاث تحلية المياه أحد أهم مراكز الخبرة في الشرق الأوسط. كما يعمل منذ 25 عاماً على تطوير نشر تقنيات حصاد الأمطار في منطقة الساحل الشمالي الغربي وشمال سيناء، ويختص بشكل كبير بمكافحة ظاهرة التصحر وتآكل المساحات الخصبة بزحف الرمال من خلال برنامج العمل الوطني المصري.
هذه الأعمدة الثلاثة (مركز البحوث الزراعية، المركز القومي لبحوث المياه، ومركز بحوث الصحراء) تمثل بنية تحتية بحثية لا تملكها دولة أخرى في المنطقة. المطلوب فقط هو التكامل والرؤية والقرار السياسي.
عيون على الأرض: الاستشعار عن بعد في خدمة رصد الجفاف
يلعب الاستشعار عن بعد دوراً محورياً في الرصد المبكر للجفاف، حيث تؤمن الصور الفضائية من منتجات الأقمار الصناعية إمكانية حساب مؤشرات الجفاف بدقة عالية. من هذه المؤشرات مؤشر التغيرات المعيارية الخضرية (NDVI) الذي يقيس كثافة الغطاء النباتي وصحته، ومؤشر التغيرات المعيارية المائية (NDWI) لرصد المحتوى المائي للنباتات، ومؤشر حالة النبات (VCI) ومؤشر حالة الحرارة (TCI) ومؤشر صحة النبات (VHI) الذي يدمج بين حالة النبات ودرجة حرارته، إضافة إلى مؤشر الهطول القياسي (SPI) ومؤشر القحولة (AI) ومؤشر رطوبة التربة (SMI).
وقد أثبتت الدراسات فعالية هذه المؤشرات في مراقبة الجفاف، حيث استخدم العريان وزملاؤه مؤشر VHI المشتق من بيانات القمر الصناعي موديس (MODIS) لدراسة الجفاف في سوريا خلال الفترة 2000-2010، وأظهرت النتائج فعالية هذا المؤشر في دراسة الجفاف. كما اختبر ضعون عام 2017 فعالية دليل VCI المشتق من صور موديس (MODIS13A3-NDVI) في تتبع التغيرات البيئية في سورية خلال الفترة 2000-2014، حيث وجد تعرض أكثر من 60% من مساحتها لموجات الجفاف في أغلب السنوات.
مركز بحوث الصحراء يمتلك بالفعل بنك معلومات للموارد الطبيعية بالصحاري المصرية، وهذا القمر سيكون العين التي تغذي هذا البنك بمعلومات آنية عن كل شبر في المنطقة. وكالة ناسا أطلقت في 16 ديسمبر 2022 قمر “سوات” (SWOT) لمسح المياه السطحية والمحيطات، بالتعاون مع مركز الفضاء الفرنسي سي إن إي إس (CNES) ومساهمة من وكالتي الفضاء الكندية والبريطانية. هذا القمر الذي تبلغ كتلته 2000 كيلوغرام يحمل راداراً متطوراً من نوع كا آر إن (KaRIn) قادر على قياس ارتفاع المياه على أكثر من 90% من سطح الأرض بدقة تصل إلى سنتيمتر واحد، مما يساعد المجتمعات على الاستعداد لعالم الاحترار. لماذا لا تملك مصر قمراً مماثلاً؟ بل أجمل: قمراً صناعياً متخصصاً في رصد الجفاف، يغطي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوفر بيانات آنية عن رطوبة التربة، وصحة الغطاء النباتي، ومستويات المياه في البحيرات والأنهار، ومؤشرات الجفاف المبكرة. هذا القمر لن يكون مجرد أداة بحثية، بل سيكون سلاحاً استراتيجياً، وأداة دبلوماسية، ومصدر دخل. الدول المجاورة ستدفع لشراء بياناته، ومراكز الأبحاث العالمية ستتنافس على تحليل معلوماته.
ثورة الري: من التقليد إلى الذكاء الاصطناعي
تشكل تقنيات الري الحديثة خط الدفاع الأول في مواجهة الجفاف، وقد تطورت بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، مما أحدث ثورة حقيقية في أساليب الري التقليدية. من أبرز هذه التقنيات الري بالتنقيط الذي يقوم بتوصيل المياه مباشرة إلى جذور النباتات من خلال أنابيب مثقبة أو نقاط صغيرة، مما يقلل الفاقد من المياه بالتبخر أو الجريان السطحي، ويوفر ما يصل إلى 80% من المياه مقارنة بالري التقليدي، وهو مناسب للمناطق الجافة وشبه الجافة.
هناك أيضاً الري تحت السطحي حيث يتم وضع أنابيب الري تحت سطح التربة لتوصيل الماء مباشرة إلى منطقة الجذور، مما يقلل من تبخر الماء ويحافظ على الأوراق جافة، وبالتالي يقلل من الأمراض النباتية. وتشمل التقنيات الحديثة أيضاً الري بالرش الذي يوزع المياه على شكل رذاذ يشبه المطر باستخدام رشاشات أو مضخات، وهو مناسب للمحاصيل ذات المساحات الواسعة والأراضي غير المستوية.
أما أنظمة الري الذكية فتعتمد على تقنيات الاستشعار وإنترنت الأشياء للتحكم الآلي في عملية الري، من خلال تحليل رطوبة التربة والطقس لتحديد أوقات وكميات الري بدقة، مما يقلل الهدر ويزيد الكفاءة. وهناك أيضاً الري المسامي (الفخاري) الذي يستخدم أنابيب فخارية مسامية يتم دفنها تحت سطح التربة، حيث تعمل على توصيل المياه بشكل بطيء ومنتظم، مما يقلل من فقدان المياه ويحسن كفاءة الري. وتجدر الإشارة إلى أنظمة الري المحوري (الدائري) حيث يدور ذراع رشاش حول نقطة مركزية لري المحاصيل بشكل دائري، وهو مناسب للزراعة على نطاق واسع مثل الذرة والقمح وفول الصويا، ويوفر الجهد والعمالة مع توزيع موحد للمياه.
نماذج ملهمة: خمس دول حول العالم انتصرت على الجفاف
هناك خمس دول حول العالم استطاعت بفضل السياسات الذكية والتقنيات المتطورة أن تحول التحدي إلى فرصة، ويمكن لمصر أن تستلهم من تجاربها.
دولة إسرائيل تتصدر قائمة الدول الأكثر تقدماً في تحلية المياه وإعادة استخدامها، حيث تعيد تدوير حوالي 86% من مياه الصرف الصحي للزراعة، وهي الأعلى في العالم، وتستخدم أنظمة الري بالتنقيط في أكثر من 75% من أراضيها الزراعية.
أستراليا واجهت الجفاف الكبير (Millennium Drought) بين 1997 و2009 بواحدة من أكثر السياسات المائية تقدماً، حيث أنشأت سوقاً للمياه لتداول حصص المياه بين المزارعين، واستثمرت في محطات تحلية كبرى مثل محطة سيدني، وطبقت أنظمة إنذار مبكر تعتمد على الاستشعار عن بعد.
الصين طورت مشروع “تحويل المياه جنوب-شمال” (South-North Water (Transfer Project الأضخم في العالم، بطول 4350 كيلومتراً، واستثمرت في بحوث استنباط أصناف مقاومة للجفاف، وأنشأت نظام إنذار مبكر يغطي كامل الأراضي الزراعية.
الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك شبكة مراقبة الجفاف المتكاملة (National (Integrated Drought Information System – NIDIS التي تجمع بيانات من 12 وكالة فيدرالية، وتستخدم أقماراً صناعية متخصصة مثل غرايس (GRACE) لرصد المياه الجوفية من الفضاء، وتوفر خرائط تحديث أسبوعية للجفاف.
المغرب استثمر في بناء السدود حيث يمتلك أكثر من 140 سداً كبيراً، وطور سياسة مائية طموحة (Plan Maroc Vert) للزراعة المستدامة، ونفذ مشاريع كبرى لتحلية المياه وإعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، وأنشأ نظاماً للإنذار المبكر بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (فاو).
المعلومة ككائن حي: دراسة الجفاف في كل أبعاده
لم يعد السؤال “كيف نتعامل مع الجفاف عندما يحدث؟” بل “كيف نجعله مكشوفاً أمامنا قبل أن يولد؟”. المركز المصري للجفاف يجب أن يتجاوز النموذج التقليدي ليدرس الجفاف في كل أبعاده المتشابكة.
أمراض الإنسان المرتبطة بالجفاف تمثل بعداً حيوياً لا يمكن تجاهله، فالجفاف يزيد من مخاطر الأمراض المرتبطة بنقص المياه مثل الإصابة بالجفاف وأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية. التربة ليست مجرد تراب، بل هي كيان حي، فعندما يموت التنوع البيولوجي في التربة بسبب الجفاف، تظهر أمراض جديدة لم نألفها. مركز متخصص سيرصد العلاقة بين جفاف التربة وتفشي الأمراض، وسيضع خرائط صحية وقائية تحمي ملايين البشر.
صحة النبات والحيوان تمثل البعد الثاني، حيث يمكن لشبكة المحطات التجريبية التابعة لمعهد بحوث إدارة المياه أن تصبح عيون المركز المنتشرة لرصد تأثير الجفاف على المحاصيل والثروة الحيوانية في الوقت الفعلي. كما أن مركز بحوث الصحراء يمتلك خبرات واسعة في تأسيس الصوب الزراعية وإنتاج كافة المزروعات بأعلى جودة وإنتاجية تحت الظروف الصحراوية. ويعد اختيار المحاصيل المقاومة للجفاف والتي تتناسب مع الظروف المناخية للمنطقة من أهم الاستراتيجيات، حيث تتأقلم هذه المحاصيل بشكل أفضل مع فترات الجفاف، مما يقلل الحاجة إلى الري المستمر ويحافظ على المياه.
صحة التربة كمؤشر مبكر تمثل خط الدفاع الأول. ففي عام 1903، تم إنشاء قسم كيمياء التربة التابع لوزارة الأشغال العمومية، وبدأت الأبحاث والتحاليل الروتينية على حالات المياه وتأثيرها على إنتاجية القطن، والتسميد العضوي وغير العضوي لتربة وادي النيل. وفي عام 1911، تم إنشاء معمل خاص لتقديم خدمات تحليل المياه والتربة والأسمدة والنباتات والغذاء والأعلاف للمزارعين والمؤسسات الحكومية .
التربة الصحية تخزن الماء وتنظم حركته وتدعم التنوع البيولوجي. يمكن تحسين جودة التربة من خلال استخدام الأسمدة العضوية وتقليل عمليات الحرث، مما يعزز قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه. كما أن إضافة المواد العضوية المتحللة كسماد يحسن بنية التربة ويزيد من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، ووضع طبقة من المهاد (مثل القش أو رقائق الخشب) على سطح التربة يقلل من تبخر المياه ويمنع نمو الأعشاب الضارة. وعندما يبدأ الجفاف، تكون التربة أول من يصرخ. مركز متخصص سيطور مؤشرات إنذار مبكر تعتمد على تحليل فيزيائي وكيميائي وبيولوجي للتربة، لقراءة رسائلها قبل أن تموت.
نماذج التنبؤ بالجفاف باستخدام الذكاء الاصطناعي تمثل العقل المدبر للمركز. الجفاف هو من أكثر الكوارث الطبيعية تأثيراً على الموارد المائية، ورغم التقدم في التنبؤات المناخية، إلا أن التنبؤ الدقيق لا يزال يمثل تحدياً كبيراً. ومع ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي قد وفر حلولاً جديدة لتحسين قدرة الدول والمجتمعات على الاستعداد لهذه الكوارث. حيث يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل البيانات المناخية وخصائص التربة واحتياطات المياه لتقديم تنبؤات دقيقة بشأن احتمالات الجفاف في مناطق معينة. في مشروع تم تنفيذه في الولايات المتحدة، تعاون العلماء مع مهندسي الذكاء الاصطناعي لتطوير نماذج قادرة على التنبؤ بحدوث الجفاف على مدار الأشهر المقبلة بناء على مجموعة واسعة من البيانات البيئية، هذه النماذج لا تقتصر على تقديم تنبؤات بل تشمل أيضاً الحلول المقترحة للتخفيف من آثار الجفاف مثل تعديل استراتيجيات الري وتوزيع المياه. مركز مصري للجفاف يمكنه بناء نماذج مصرية – عربية تتنبأ بموعد ومكان “جفاف اليوم صفر” قبل سنوات من حدوثه. تخيل قادة العالم يتصلون بالقاهرة ليسألوا: “متى سيضربنا الجفاف؟ وكيف نستعد؟”.
العوامل الأخرى المرتبطة بالجفاف
يتأثر الجفاف بعوامل متعددة تتجاوز ندرة الأمطار. من أبرزها العامل البشري الذي قد يؤدي بشكل مباشر إلى تفاقم وانتشار ظاهرة الجفاف مثل الزراعة الجائرة، والرعي الجائر وإزالة الغابات وتعرية التربة التي تؤثر بشكل سلبي على قدرة الأرض على امتصاص الماء والاحتفاظ به، كما تعمل الملوثات التي تحدث بفعل نشاط الإنسان كالمصانع ووسائل النقل على إحداث تأثيرات سيئة على المكونات الرئيسية للغلاف الجوي وحدوث ظواهر مناخية كارتفاع درجات الحرارة عن معدلاتها وظاهرة الاحتباس الحراري. أما العامل التضاريسي فيؤثر في الهطولات إذ تزيد كمية الهطول على السفوح الجبلية المواجهة للرياح الرطبة بخلاف السفوح التي تقع في ظل المطر كما تزداد مع الارتفاع. ويلعب الغطاء النباتي دوراً واضحاً وتأثيراً ملحوظاً في عناصر المناخ، فالنباتات يمكنها تقليل التبخر والعجز المائي، كما يعمل الغطاء النباتي على تثبيت التربة وبالتالي التقليل من تعرية التربة والحد من التصحر، وبالتالي فإن غياب أو ضعف كثافة الغطاء النباتي يساهم في زيادة حدة الجفاف وانتشاره.
الآثار الاقتصادية: من التكلفة إلى الاستثمار
الاستثمار في البحث العلمي الزراعي ليس ترفاً، بل ضرورة اقتصادية. تشير الإحصاءات إلى أن كل استثمار في البحث الزراعي يمكن أن يحقق عائداً اقتصادياً يتراوح بين 20% و40% على المدى المتوسط، وهى نسب تعكس حجم التأثير الحقيقى للبحث العلمى على الإنتاجية وجودة المحاصيل وتقليل الفاقد ورفع كفاءة استخدام الموارد.
الآثار الاقتصادية المباشرة للمركز المتخصص تشمل تطوير نظم رى ذكية قادرة على خفض استهلاك المياه بنسبة قد تصل إلى 80% دون التأثير على حجم الإنتاج، مما يوفر مليارات الأمتار المكعبة سنوياً، واستنباط أصناف جديدة تتحمل الملوحة والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مما يحول أراضٍ كانت غير صالحة للزراعة إلى أراضٍ منتجة، وتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات عملية تصل إلى الحقول وتُترجم إلى عائد اقتصادي حقيقي.
الآثار الاقتصادية غير المباشرة أكثر إثارة، وتشمل تصدير المعرفة والاستشارات للدول المجاورة التي تعاني من الجفاف، وتحويل مصر إلى مركز استشاري إقليمي، وجذب التمويل الدولي من المنظمات المانحة المهتمة بتغير المناخ والأمن الغذائي، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات البحث والتكنولوجيا والزراعة. مشروع مستقبل مصر للزراعة المستدامة، الذي يقع على امتداد طريق محور روض الفرج – الضبعة الجديد، يوفر بالفعل حوالي 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وأكثر من 360 ألف فرصة عمل غير مباشرة. هذا النموذج يمكن تكراره وتوسيعه بدعم من المركز المتخصص.
التصورات المستقبلية: النهضة الزراعية المنشودة
على المستوى القصير خلال سنة إلى ثلاث سنوات، يمكن دمج الجهود القائمة تحت مظلة موحدة، مع تفعيل آليات التنسيق بين المراكز الثلاثة، وبدء مشروعات بحثية مشتركة، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للجفاف تعتمد على مؤشرات الاستشعار عن بعد المختلفة.
على المستوى المتوسط خلال ثلاث إلى سبع سنوات، يمكن إطلاق القمر الصناعي المصري المتخصص، وإنشاء شبكة إنذار مبكر تغطي المنطقة، وبدء برامج تدريب إقليمية لاستقطاب باحثين من الدول العربية والأفريقية، وتحويل المركز إلى بيت خبرة إقليمي معترف به دولياً، مع تطوير أنظمة ري ذكية تتناسب مع الظروف المصرية.
على المستوى البعيد خلال سبع إلى خمس عشرة سنة، يمكن أن تصبح مصر قبلة العالم في مجال دراسات الجفاف، مع استضافة المؤتمرات الدولية، وإصدار التقارير المعتمدة، وتصدير التكنولوجيا والحلول للعالم. تخيل مشهداً بعد عقد من الآن. مؤتمر عالمي في القاهرة، يضم وزراء مياه من خمسين دولة. خبير مصري على المنصة يعرض بيانات آنية من قمر صناعي مصري، ونماذج تنبؤ دقيقة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتوصيات للتعامل مع موجة جفاف تضرب نصف الكرة الأرضية. الحضور لا يصفقون فقط، بل يدونون ملاحظاتهم ويطلبون استشارات ويوقعون اتفاقيات تعاون.
سؤال للقارئ: ماذا لو كانت مصر مركز العالم لدراسة الجفاف؟
بينما تضرب موجات الجفاف العالم من كاليفورنيا إلى استراليا، وبينما تتصاعد مخاطر تغير المناخ، وتقترب فيه مناطق بأكملها من “يوم الصفر”، وتتكالب الدول على بناء قدراتها لمواجهة هذه الظاهرة، يبقى السؤال مفتوحاً أمامنا:
مصر هي التي أنشأت أول مدرسة زراعة في الشرق الأوسط عام 1829، وولدت وزارة الزراعة عام 1913، وأنشأت مركز البحوث الزراعية عام 1971، ومركز بحوث الصحراء عام 1950، والمركز القومي لبحوث المياه عام 1975، وبنك الجينات عام 1977، والبنك القومي للجينات عام 2003. تملك اليوم 16 معهداً زراعياً و12 معهداً للمياه وخبراء بالآلاف ومحطات بحثية تمتد من وادي النيل إلى الصحراء الغربية. فلماذا لا نجمع هذه القدرات في كيان واحد يجعل مصر مركز العالم لدراسة الجفاف؟
لماذا لا نستلهم تجارب إسرائيل وأستراليا والصين وأمريكا والمغرب في التعامل مع الجفاف؟ لماذا لا نحول التحدي الوجودي إلى فرصة استراتيجية تعيد تعريف العلاقة بين مصر والماء؟ هل نملك اليوم الإرادة السياسية لدمج جهود وزارات الزراعة والبيئة والموارد المائية في كيان واحد متخصص؟ هل نستثمر في إطلاق قمر صناعي مصري يكون عين العرب على الجفاف؟ هل نطور نظم الري الذكية لتصل إلى كل مزارع مصري؟ هل نبني نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على التنبؤ بالجفاف قبل حدوثه بسنوات؟
اللحظة حاسمة، والجفاف لا ينتظر، والماء أغلى من الذهب، والفرصة سانحة لأن نكون رواداً في هذا المجال قبل أن تغلق أبوابه. فهل نتحرك قبل أن نضطر لشراء قطرات الماء من الآخرين، وقبل أن تتحول جزيئات الندى إلى تقنية نستوردها ولا نصنعها، وقبل أن يصبح الجفاف سيد الموقف ونحن عبيده؟
الجفاف ليس قدراً، بل تحدٍ يمكن إدارته
في زمن تتصاعد فيه مخاطر تغير المناخ، وتقترب فيه مناطق بأكملها من “يوم الصفر”، تبرز الحاجة الملحة إلى مراكز بحثية متخصصة تفهم الجفاف بكل أبعاده: من صحة التربة إلى الأمراض البشرية، من احتياجات النبات إلى نماذج التنبؤ المتقدمة، من تقنيات الري الحديثة إلى الاستشعار عن بعد.
مصر، بموقعها الجغرافي وخبرتها التاريخية التي تمتد قرنين من الزمان، وقدراتها البحثية المتمثلة في المركز القومي لبحوث المياه ومركز بحوث الصحراء ومركز البحوث الزراعية، يمكنها أن تتحول من دولة تعاني الجفاف إلى مركز عالمي لدراسته. ليس هذا طموحاً مفرطاً، بل خطوة استراتيجية تعيد تعريف العلاقة بين مصر والتحديات المناخية. ما ينقص هو القرار السياسي بدمج الجهود، وإطلاق قمر صناعي مصري، وتطوير نظم الري الذكية، وبناء نماذج التنبؤ بالجفاف، وتحويل مصر إلى قبلة العالم في مجال الدراسات الجفافية. البنية التحتية موجودة. الكوادر البشرية متوفرة. الخبرة متراكمة. التكنولوجيا في متناول اليد. التحديات قابلة للحل. والفرصة سانحة.
المركز القومي لبحوث المياه يحتفل هذا العام بيوبيله الذهبي: خمسة عقود من الريادة في علوم المياه. ومركز بحوث الصحراء يقترب من يوبيله الماسي: 75 عاماً من العطاء. ومركز البحوث الزراعية يواصل مسيرة بدأت مع محمد علي باشا قبل قرنين. فهل نجعل اليوبيل القادم لمصر كلها، وهي تتربع على عرش دراسة الجفاف في العالم؟
في النهاية، كما قال أحد حكماء الصحراء: “الماء سر الحياة، ومن يمتلك علم الماء يمتلك المستقبل”. والسؤال المتبقي: متى نبدأ في بناء مستقبلنا المائي بأيدينا؟
تحديات التحول: من الرؤية إلى التنفيذ
لكي لا يظل هذا الطموح حبيس التمنيات، علينا أن نواجه بجرأة أربعة تحديات جوهرية تمثل حجر الزاوية في نجاح هذا المركز المقابل:
فك حصار “الجزر المنعزلة”: إن معضلة العمل المؤسسي غالباً ما تكمن في “بيروقراطية الاختصاصات”. دمج ثلاث وزارات في كيان واحد يتطلب ما هو أبعد من التجاور المكاني؛ يتطلب “عقلاً إدارياً موحداً” يكسر الحواجز بين الباحث في مركز بحوث الصحراء والمهندس في وزارة الري، لضمان تدفق المعلومة دون عوائق إدارية، وتحويل التنافس المؤسسي إلى تكامل معرفي.
ردم الفجوة بين “المختبر” و”الحقل”: البحث العلمي يظل بلا روح إذا لم يجد طريقه إلى يد الفلاح. إن وجود آلاف الخبراء لا يعني شيئاً إذا لم يترجم إلى “إرشاد زراعي رقمي” يصل إلى أصغر مزارع في صعيد مصر أو الدلتا عبر هاتفه المحمول، ليخبره متى يروي ومتى يتوقف بناءً على بيانات الأقمار الصناعية، محولاً العلم من نظريات أكاديمية إلى “نصيحة ميدانية” تزيد الإنتاجية وتوفر القطرة.
الاستدامة المالية والشراكة الذكية: لا يمكن التعويل على موازنة الدولة وحدها لتمويل صرح بهذا الحجم. يجب أن يتبنى المركز نموذج “الاقتصاد المعرفي”، عبر شراكات مع القطاع الخاص وشركات التأمين الزراعي الدولية، وبيع بيانات التنبؤ والتحليل للمنظمات العالمية، مما يجعله كياناً “ذاتي التمويل” ومصدراً للدخل القومي، وليس مجرد بند استهلاكي.
دبلوماسية الجفاف كقوة ناعمة: الجفاف ليس شأناً محلياً، بل هو لغة مشتركة في إقليم مضطرب مائياً. هنا تبرز فرصة مصر لتحويل هذا المركز إلى “منصة إقليمية للتعاون”، حيث نقدم الحلول العلمية لدول المنبع والجوار، فننتقل من خانة “المتضرر” من سياسات المياه إلى خانة “القائد التقني” الذي يمتلك مفاتيح النجاة العلمية للجميع، مما يعزز ثقل مصر السياسي عبر بوابة العلم.
خاتمة: نحو ثورة في “عقلية الإدارة”
في نهاية المطاف، إن تحويل مصر إلى مركز عالمي لدراسة الجفاف ليس مجرد عملية تجميع للمباني أو حشد للخبراء، بل هو ثورة في “عقلية الإدارة” تنتقل بنا من سياسة “سد الفجوات” ورد الفعل، إلى سياسة “صناعة المستقبل” والاستباق.
إن التاريخ الذي بدأه محمد علي باشا قبل قرنين، والخبرات المتراكمة في معاملنا ومحطاتنا البحثية، تنتظر تلك “الومضة السياسية” التي تجمع الشتات وتطلق العنان للابتكار المصري. الجفاف قادم لا محالة، لكن الفرق بين الغرق والنجاة يكمن في “المعرفة”. فإما أن نكون زبائن في سوق التكنولوجيا المائية، أو نكون نحن المصنعين والمصدرين لها.
لقد امتلكت مصر النيل لآلاف السنين كمنحة إلهية، واليوم عليها أن تمتلك “علم النيل” و”تقنية الجفاف” كإرادة إنسانية.. فهل نجرؤ على القيادة؟ نحو ثورة في عقلية الإدارة” لتكون هي القفلة القوية، وتسبقها فقرة “تحديات التحول.
مصادر
أولاً: نسبة توفير المياه في الري بالتنقيط (٨٠٪)
المصدر: الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)
في تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول إدارة المياه الزراعية، تم توثيق أن استخدام نظم الري بالتنقيط المحسنة يمكن المزارعين من تقليل استخدام المياه بنسبة تصل إلى ٨٠٪ مع زيادة غلة المحاصيل بأكثر من ٤٠٪. وتشير الوكالة إلى أن توفير التقنيات النووية والنظيرية بيانات عن استخدام المياه بما في ذلك الفواقد بسبب التبخُّر من التربة، وتساعد على تحديد المواعيد المثلى للري وتحسين كفاءة استخدام المياه. وتوصي الوكالة بالأخذ بنظم الري الأكثر كفاءة، مثل الري بالتنقيط، لمواجهة ندرة المياه المتزايدة على مستوى العالم .
المصدر الداعم: موقع متخصص في الزراعة المستدامة
تؤكد منشورات فنية متخصصة أن كفاءة نظام الري بالتنقيط تصل إلى ٨٥-٩٠٪ كأعلى الأنظمة كفاءة في استخدام المياه، حيث يوفر ما يصل إلى ٨٠٪ من المياه مقارنة بالري التقليدي من خلال توصيل المياه مباشرة إلى جذور النباتات عبر أنابيب مثقبة، مما يقلل الفاقد بالتبخر أو الجريان السطحي .
ثانياً: نسبة تدوير المياه في إسرائيل (٨٦٪(
المصدر: تحليل إشكالية المياه في الشرق الأوسط
دراسة تحليلية منشورة على موقع “هدف نيوز” تؤكد أن إسرائيل تقوم بإعادة تدوير حوالي ٨٦٪ من مياه الصرف الصحي المنزلية واستخدامها في الزراعة، وهو ما يمثل نموذجاً رائداً في كيفية تحويل الأزمة إلى فرصة للتقدم. وتشير الدراسة إلى أن إسرائيل عانت من نقص المياه منذ إنشائها، وهي الآن رائدة على مستوى العالم في تنقية المياه وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي وتحلية المياه .
مصادر إضافية داعمة:
تشير تقارير متخصصة في مياه الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن إسرائيل تستخدم ٥٨٪ من مياهها للزراعة، وهي نسبة أقل من معدل الإقليم (٨٦٪)، مما يعكس كفاءة أعلى في استخدام المياه بفضل تقنيات إعادة التدوير المتقدمة .
ثالثاً: العائد الاقتصادي للبحث الزراعي (٢٠-٤٠٪)
توثيق المعلومة مع المصادر المتاحة
المصدر: المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية
(IFPRI)
أكد المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية في العديد من منشوراته أن الأدلة التجريبية الواسعة تظهر أن الاستثمارات في البحوث والتطوير الزراعي ساهمت بشكل كبير في النمو الاقتصادي والتنمية الزراعية والحد من الفقر في المناطق النامية على مدى العقود الخمسة الماضية. وقد أدت التقنيات الزراعية الجديدة والأصناف المحسنة إلى تعزيز كمية ونوعية الإنتاج الزراعي، مع تحسين الاستدامة وخفض أسعار الغذاء .
المصدر: منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)
تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الاستثمارات في البحوث والتطوير الزراعيين بلغت حوالي ٤٧ مليار دولار أمريكي في القطاع العام على مستوى العالم عام ٢٠١٦، ما يمثل أقل من ١٪ من إجمالي الناتج المحلي الزراعي. وتؤكد المنظمة على أهمية رصد هذه الاستثمارات وتحسينها لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة -3.
المصدر: البنك الدولي
يؤكد البنك الدولي في تقريره عن الزراعة والغذاء أن التنمية الزراعية هي من أقوى الأدوات للقضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك. ويشير إلى أن التحول الغذائي يمكن أن يساعد في القضاء على ثلث انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم بحلول عام ٢٠٥٠. وقد أسهمت مجموعة البنك الدولي في تعزيز الأمن الغذائي والتغذوي بتقديم ارتباطات بلغت ٧٧ مليار دولار على مدار السنوات الخمس الماضية



