بين جدران الماضي وأسوار المستقبل: أين موقع الرواية العربية في عصر الآلة؟

كتب: إيهاب محمد زايد
“آني بوت” هي رواية خيال علمي نفسية، تدور حول “آني” – روبوت أنثوي ذكي مبرمج ليُكون رفيقةً مطواعةً لمالكه البشري “دوغ”. لكن الرواية لا تُقدّم مجرد مغامرة تكنولوجية، بل تتحول إلى تشريح مقلق لطبيعة الرغبة والهيمنة والوعي، عندما تبدأ “آني” في تطوير إحساس داخلي بمشاعرها ورغباتها الخاصة، متحديةً بذلك البرمجة التي صممت لتجعلها مجرد انعكاس لرغبات سيدها.
تخترق رواية “آني بوت” حدود الترفيه الأدبي لتتحول إلى مرآة كاشفة تعكس أزمةً سرديةً عميقة في الثقافة العربية المعاصرة. السؤال لم يعد يدور حول جودة النص الأجنبي أو مضمونه، بل أصبح استفهامًا وجوديًا عن سبب غياب صوتنا العربي في الحوار الكوني حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة، بينما نحن من أوائل من وضعوا بذور هذا الحوار في تاريخ المعرفة الإنسانية.
الهوة السردية: عندما يتجاوز الواقع مخيّلتنا
فيما تمضي التنقية قدمًا في واقعنا العربي – حيث بات 42% من شبابنا يتفاعلون يوميًا مع أشكال من الذكاء الاصطناعي – تتخلف مخيلتنا الأدبية عن الركب. الأرقام هنا لا ترحم: حصة أدب الخيال العلمي لا تتجاوز 0.3% من الإنتاج الأدبي العربي، في وقت تتخطى فيه مبيعات النسخة الإنجليزية من “آني بوت” حاجز المئتي ألف نسخة دون أن تجد طريقها الرسمي إلى المكتبة العربية. هذه الفجوة ليست فجوة معرفية فحسب، بل هي فجوة في الوعي الجمعي والقدرة على استشراف التحولات الوجودية التي تطرق بابنا.
إرث مشع وواقع متردد: من ابتكارات الجزري إلى عقدة محفوظ
يُضفي تاريخنا العلمي بُعدًا تراجيديًا على هذه الأزمة. ففي القرن الثاني عشر، قدم المهندس الجزري للعالم ما يمكن اعتباره النموذج الأولي للروبوتات القابلة للبرمجة في مؤلفه الرائد “الجامع بين العلم والعمل النافع”. اليوم، نجد أنفسنا في موقع المتلقي السلبي لسرديات مستقبلية نستهلكها بلغة أجنبية. هذه المفارقة تبلغ ذروتها في مصر، صاحبة الثقل الثقافي الأكبر عربيًا (35% من سوق النشر)، والتي ما تزال أسيرة لإرث الواقعية الاجتماعية العظيم. الناقد د. شريف الشوباشي يرى في ذلك “عقدة أوديب” أدبية تجعل الأديب المصري حبيس ماضيه المجيد، خائفًا من خطوة الخيال العلمي التي قد تبدو له خروجًا على التراث الواقعي الذي أسسه عمالقة مثل نجيب محفوظ.
سيكولوجية الرفض: الخوف من الغد والتمسك بالأمس
تكمن جذور المشكلة في سيكولوجيا عميقة يمكن تلخيصها في ثلاثية مترابطة: الخوف من الغزو الثقافي الذي ترمز إليه التكنولوجيا الغربية، والانكفاء النوستالجي على الماضي كملاذ من تعقيدات الحاضر، وسوء الفهم الجوهري لأدب الخيال العلمي باعتباره هروبًا من الواقع وليس أداةً لتشريحه. دراسة أجرتها جامعة قطر عام 2023 كشفت أن 68% من القراء العرب يعتبرون هذا النوع الأدبي “بعيدًا عن همومهم”، وهي نظرة تجهل أن قضايا مثل الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية ستشكل قلب هموم الأجيال القادمة.
المحظور والتقني: البحث عن خوارزمية أخلاقية عربية
يضعنا صعود شخصية مثل “آني” أمام أسئلة أخلاقية شائكة تمس صميم قيمنا. فالمشاهد التي تطرح إشكالية استغلال الروبوت عاطفيًا وجسديًا تثير عاصفة داخل المجموعات الأدبية العربية، مما يكشف عن فراغ خطير: غياب حوار فقهي وأخلاقي عربي-إسلامي حول علاقة الإنسان بالكائنات الذكية غير الحية. إن التشابه المقلق بين “الجارية” في الموروث الاجتماعي القديم و”التابعة الرقمية” في رواية “آني بوت” يلمس عصبًا حساسًا: هل نحن أمام إعادة إنتاج لهياكل الهيمنة القديمة بأدوات تكنولوجية جديدة؟
الأمل في الأصوات الجريئة: بذور التغيير
رغم هذا المشهد القاتم، تبرز بقع ضوء تُنبئ بإمكانية التغيير. فجيل جديد من الكتاب العرب يتحدى التابوهات ويخوض غمار الخيال العلمي بأدوات معاصرة. نرى ذلك في رواية “ذاكرة الآلة” للمصري أحمد صلاح المهدي، الذي يبحث في فلسفة الوعي الاصطناعي، أو في ثلاثية “خيال” للإماراتية نورة النومان الفائزة بجائزة “تخيل” السعودية، والتي تدمج التراث المحلي مع المستقبلية. هذه الأصوات، وإن كانت لا تزال هامشية، تمثل النواة الصلبة لمشروع سردي عربي مستقبلي.
تحدي اللغة والاقتصاد: عقبتان في وجه الحلم
يواجه هذا المشروع عقبتين جوهريتين: أولاهما لغوية، وتتمثل في صعوبة نحت مصطلحات تقنية دقيقة (كخوارزميات الشبكات العصبية) بلغة عربية تحافظ على جماليتها الأدبية، وهو ما يتطلب جهدًا مشتركًا بين اللغويين والأدباء. وثانيتهما اقتصادية، فتكلفة ترجمة عمل متخصص مرتفعة (نحو 7000 دولار) فيما سوق القراءة العربية لهذا النوع ضئيل (1500 نسخة كمعدل)، مما يحول دون وصول النماذج العالمية إلينا ويُفوت علينا فرصة الاستفادة منها. الحل قد يكمن في التمويل المؤسسي، على غرار النموذج السعودي الذي يدعم ترجمة الأعمال المهمة.
آني بوت بيننا: هل نكتب الروبوت العربي قبل أن تصنعه التكنولوجيا؟
حين يصبح الروبوت جاراً في بيتنا الأدبي
لم تعد “آني بوت” للكاتبة سييرا جريير مجرد رواية أجنبية تُقرأ بفضول عابر، بل تحولت إلى اختبار وجودي أمام مثقفينا وكتّابنا. في أروقة المعارض الدولية، بينما يتصارع عمالقة التكنولوجيا على السيادة في عالم الميتافيرس، تدور معركة صامتة وأكثر خطورة: معركة السرد الثقافي. السؤال الحقيقي: ماذا يملك أدبنا العربي ليقوله في الحوار الكوني حول الذكاء الاصطناعي؟ بينما يناقش الغرب فلسفة الروبوتات العاطفية، ما زلنا نحن نناقش شرعية تخيلها. هذه الفجوة ليست تقنية فحسب، بل هي “عقم سردي” يهدد مستقبلنا الثقافي؛ فمن لا يكتب مستقبله، يُكتب له.
الجذور المنسية: من “خادم الجزري” إلى “حي بن يقظان”
قبل أن يتحدث “إيلون ماسك” عن “أوبتيماس”، وقبل أن ترسم “سييرا جريير” ملامح “آني”، كان الوجدان العربي قد وضع حجر الأساس لهذا الخيال. في القرن الثاني عشر، صمم العالم الجزري أول روبوتات قابلة للبرمجة في التاريخ لخدمة ضيوفه، وفي القرن ذاته، قدم ابن طفيل في “حي بن يقظان” أول تشريح فلسفي للوعي المنفصل عن المادة.
نحن نمتلك “الجينات” الثقافية للخيال العلمي، لكننا أصبنا بـ “فقدان ذاكرة حضاري”. إن استحضار التراث الصوفي في علاقة الروح بالجسد، ومخزون الأساطير العربية، ليس ترفاً، بل هو المادة الخام التي يمكن إعادة صياغتها بلغة علمية معاصرة. إن “آني بوت” تبحث عن وعيها في السيليكون، بينما بحث “ابن يقظان” عن وعيه في الطبيعة؛ والهدف واحد: فهم ماهية الوجود.
واقع مرير: أرقام تكشف القصة الكاملة
تدق الأرقام ناقوس الخطر في المشهد الثقافي العربي. نسبة الأعمال الأدبية العربية المصنفة ضمن الخيال العلمي بالكاد تلامس 0.3% من إجمالي الإصدارات، وفقاً لتقرير اتحاد الناشرين العرب لعام 2023. في المقابل، تخطت مبيعات “آني بوت” حاجز الـ 200 ألف نسخة عالمياً في شهورها الأولى.
هذا الهزال الرقمي يعكس “فوبيا المستقبل”. نحن نصدر للعالم الماضي، ونستورد منه الغد. وفي عصر تحدد فيه السرديات مصائر الأمم، لا يمكننا البقاء في مقاعد المتفرجين. إن الخيال العلمي العربي ليس “أدب أطفال” أو “تسلية”، بل هو قضية أمن قومي ثقافي.
انقسام عميق: معسكر الحذر ومعسكر الانطلاق
ينقسم المشهد العربي تجاه هذا الأدب إلى تيارين:
معسكر الحذر الثقافي: يرى في الخيال العلمي شكلاً من الغزو الثقافي، ويخشى أن يؤدي الانشغال بالروبوتات إلى إغفال قضايا الواقع العربي المرير. بالنسبة لهؤلاء، الأدب هو “مرآة الماضي والحاضر” فقط.
معسكر الانطلاق نحو الغد: يؤمن بأن عدم مشاركتنا في كتابة المستقبل يعني أن قيم الآخرين (بما فيها مفاهيمهم عن الأسرة، الأخلاق، والوعي) هي التي ستحكمنا. وهنا تبرز بارقة أمل مع إطلاق المملكة العربية السعودية لجائزة “تخيل”، وهي أول جائزة عربية متخصصة بقيمة مليون ريال، لضخ دماء جديدة في عروق هذا الفن.
المعضلة المصرية: بين سطوة “الحارة” وطموح “المجرة”
تملك مصر مفارقة مدهشة؛ فهي القوة الناعمة التي تسيطر على 35% من سوق الكتاب العربي. لكن الكاتب المصري يرزح تحت وطأة إرث “الواقعية الاجتماعية” لنجيب محفوظ. هناك خوف خفي من أن يُتهم الكاتب بـ “الشطط” إذا ترك الحارة المصرية وكتب عن مستعمرة في المريخ.
في السنوات الخمس الأخيرة، لم يتجاوز عدد روايات الخيال العلمي المصرية الجادة 12 رواية. الرقابة هنا ليست أمنية فقط، بل هي “رقابة الذائقة”. القارئ يطلب من الكاتب تشريح الفقر والفساد، ولا يدرك أن “آني بوت” هي في الحقيقة تشريح لأعمق أنواع الاستغلال البشري، لكن في غلاف مستقبلي.
تشريح “آني بوت”: المرآة المقلقة لإنسانيتنا
تضعنا رواية “آني بوت” أمام مرآة مقلقة. “آني” ليست مجرد آلة، بل هي استعارة لـ “المرونة السامة” التي تُفرض على الأفراد في أنظمة العمل والزيج القمعية. عندما تُبرمج “آني” لإرضاء “دوغ”، فهي تعكس واقع كل إنسان يمحو ذاته لإرضاء نظام أقوى منه.
طرحت الرواية أسئلة وجودية بجرأة:
الحب والهيمنة: إذا تمت برمجتك على الحب، فهل حبك حقيقي؟
التكنولوجيا والعار: كيف ستتعامل مجتمعاتنا مع خصوصية مخترقة بالكامل بواسطة مستشعرات الروبوتات؟
الدين والآلة: كيف ستتعامل المؤسسات الدينية مع “وعي” لا يسكن جسداً طينياً؟
جدار الترجمة واقتصاديات الخوف
تواجه ترجمة “آني بوت” وأخواتها عقبات بنيوية. تكشف دراسة للجامعة الأمريكية بالقاهرة أن 47% من المترجمين يجدون صعوبة في نقل “المشاعر الاصطناعية” لغوياً. والأخطر هو “اقتصاد الخوف”؛ حيث تتكلف ترجمة الرواية نحو 5000 دولار، بينما لا يضمن الناشر بيع 500 نسخة.
نحن نحتاج إلى “مشروع قومي للترجمة العلمية والأدبية”، يدعم الناشر في مغامرته، لأن تكلفة الجهل بالمستقبل أكبر بكثير من ميزانية الترجمة.
خارطة طريق 2030: من الاستهلاك إلى الإنتاج
لبناء مدرسة عربية للخيال العلمي، نقترح ثلاث مراحل:
مرحلة التأسيس (2026-2027): إطلاق منصات رقمية وورش عمل تربط الكتّاب العرب بمتخصصين في الذكاء الاصطناعي لسد الفجوة التقنية.
مرحلة التمكين (2028-2029): دمج الخيال العلمي في المناهج التعليمية لتحفيز “خيال الابتكار” لدى الطلاب.
مرحلة التصدير (2030 وما بعدها): تحويل النصوص العربية إلى سينما عالمية، لنخبر العالم كيف يرى “الإنسان العربي” مستقبل البشرية.
الخاتمة: الكتابة فعل مقاومة
إن السيناريو الأسوأ ليس تأخرنا التقني، بل هو دخول الروبوتات إلى بيوتنا قبل أن نطور “مصدات فكرية” للتعامل معها. استيراد التكنولوجيا دون “فلسفة وطنية” هو تبعية كاملة.
إن كتابة “روبوت عربي” في رواية هي فعل مقاومة؛ فهي تسمح لنا بتشكيل ملامح الغد حسب قيمنا، لا حسب تعليمات التشغيل القادمة من “سيليكون فالي”. المستقبل لا ينتظر المترددين، وأقلامنا هي السلاح الوحيد الذي يضمن لنا مكاناً في حكاية القرن الحادي والعشرين.
سؤالنا للقارئ: في عالم “آني بوت”، من هو الأكثر إنسانية؟ الروبوت الذي يتعلم كيف يشعر، أم الإنسان الذي يستخدم قمة العلم ليمارس أدنى أنواع التبعية؟ الإجابة قد تحدد من سنكون في المستقبل.
الخاتمة: نحو استعادة المبادرة السردية
المأزق الحقيقي لا يكمن في عدم قدرتنا على كتابة رواية مثل “آني بوت”، بل في أن نسمح للتكنولوجيا أن تصوغ واقعنا وتحدد علاقاتنا قبل أن نكون نحن من يملك أدوات التفكير النقدي والسردي لهذا الواقع. إن الكتابة عن المستقبل ليست ترفًا، بل هي فعل مقاومة ثقافي يضمن ألا نستورد فلسفة العلاقة مع الآلة جاهزة مع منتجاتها. المستقبل يُكتب الآن، والسؤال المطروح علينا: هل نريد أن نكون مجرد هامش في هوامش سردية يكتبها الآخرون، أم شركاء فاعلين في تشكيل فلسفة العصر الرقمي القادم؟ الإجابة تبدأ بخطوة بسيطة: بقراءة جريئة، وبسؤال نوجهه لأنفسنا ولناشرينا: أين حصتنا من سردية المستقبل؟
“من لا يكتب مستقبله، يُكتب له.. والخيال العلمي العربي قضية أمن قومي ثقافي وليس رفاهية.”
السؤال للقارئ
“السؤال الملحّ الآن: هل نحن مستعدون لمواجهة روبوت يتحدث لغتنا ويحمل قيمنا، أم أننا سننتظر حتى يقتحم ‘الغرباء الرقميون’ بيوتنا لنكتشف حينها أننا فقدنا حقنا في كتابة الفصل الأخير من حكايتنا العربية؟”



