دراسات وابحاث

الأنوف الذهبية: العلم وراء استخدام الجرذان الإفريقية في تشخيص السل.

الأنوف الذهبية: العلم وراء استخدام الجرذان الإفريقية في تشخيص السل.
مصر: إيهاب محمد زايد
في مختبرات تنزانيا التي لا تحظى بأضواء الشهرة، تجري ثورة طبية صامتة تقودها مخلوقات لم تكن لتخطر على بال أحد كأبطال للصحة العامة: الجرذان الإفريقية العملاقة. هذه الكائنات، التي يصل طول الواحد منها إلى 90 سنتيمتراً بذيله الطويل، تتحول اليوم إلى أدوات تشخيص فائقة الدقة قادرة على شم مرض السل في عينات البلغم خلال ثلاث ثوانٍ فقط، مبتكرة بذلك أسرع اختبار تشخيصي معروف للإنسان.

من قوارض المزارع إلى أطباء مختبرات
تبدأ القصة في مراكز التدريب المتخصصة في تنزانيا، حيث تخضع الجرذان الإفريقية العملاقة (المعروفة علمياً باسم Cricetomys ansorgei) ) لبرنامج تدريبي مكثف يمتد لثمانية أشهر. تتعلم هذه الجرذان، التي تتمتع بحاسة شم تفوق حاسة الشم البشرية بعشرة آلاف مرة، كيفية التعرف على الرائحة الجزيئية الفريدة التي ينتجها بكتيريا Mycobacterium tuberculosis المسببة لمرض السل.

يتكون البرنامج التدريبي من مراحل متدرجة تبدأ بتعريف الجرذان على رائحة البكتيريا في صورتها النقية، ثم في عينات بلغم مخلوطة بمحاليل مخففة، وأخيراً في عينات بشرية حقيقية. عند التعرف الصحيح على العينة المصابة، يحصل الجرذ على مكافأة غذائية – عادةً قطعة من الموز أو الأفوكادو – مما يعزز السلوك الإيجابي ويطور ذاكرته الشمية بشكل متزايد.

علم الشم الخارق: الآلية البيولوجية وراء المعجزة التشخيصية
تمتلك الجرذان الإفريقية العملاقة نظاماً شمياً استثنائياً يتكون من حوالي 1,000 مستقبل شمي مختلف (مقارنة بـ 400 فقط لدى الإنسان)، مع مساحة سطح شمية تبلغ 9 سنتيمترات مربعة مقابل 2.5 سنتيمتر مربع عند الإنسان. هذا الجهاز الشمي المتطور، المقترن بدماغ مخصص لمعالجة الإشارات الشمية يشكل 3% من كتلة الدماغ الكلية (مقارنة بـ 0.01% لدى البشر)، يمكنه اكتشاف تركيزات من المواد الكيميائية تصل إلى جزء واحد في التريليون.

عندما يقترب الجرذ من عينة البلغم، يستنشق الهواء المحيط بها عبر أنفه ذي الفتحات الكبيرة، حيث تلتصق الجزيئات العضوية المتطايرة بمستقبلات شمية متخصصة. تشير الدراسات إلى أن بكتيريا السل تنتج مجموعة فريدة من المركبات العضوية المتطايرة – بما في ذلك مركبات مثل methyl nicotinate و methyl p-anisate – التي تشكل “بصمة شمية” مميزة يمكن للجرذان المدربة التعرف عليها حتى في وجود روائح أخرى معقدة.

الأرقام التي تعيد كتابة تشخيص السل
يبلغ متوسط وقت التشخيص للجرذ الواحد 2.8 ثانية فقط لكل عينة، وهو ما يمثل تحسناً مذهلاً مقارنة بطرق التشخيص التقليدية. فبينما تستغرق الزراعة البكتيرية التقليدية ما بين 6 إلى 8 أسابيع، والاختبارات الجزيئية مثل GeneXpert تستغرق ساعتين، فإن فريقاً من عشر جرذان مدربة يمكنه فحص 100 عينة في أقل من 20 دقيقة.

تبلغ دقة التشخيص التي تحققها الجرذان 87% للعينات الإيجابية و93% للعينات السلبية، مع حساسية تصل إلى 68% في اكتشاف الحالات التي فشلت الاختبارات المجهرية التقليدية في اكتشافها. والأهم من ذلك، أن هذه الجرذان تكتشف 40% من الحالات الإيجابية الإضافية مقارنة بالفحص المجهري التقليدي، مما يعني إنقاذ آلاف الأرواح سنوياً في المناطق الموبوءة.

التكلفة الثورية: اقتصاديات التشخيص الجديد
يكلف تدريب الجرذ الواحد ما بين 6,000 و8,000 دولار أمريكي على مدى ثمانية أشهر، لكنه بعد التدريب يمكنه فحص ما يصل إلى 100 عينة يومياً على مدى 6-8 سنوات (متوسط عمر الجرذ في الأسر). وهذا يجعل التكلفة التشغيلية أقل من 0.10 دولار للعينة الواحدة، مقارنة بـ 10 دولارات لاختبار GeneXpert و 50 دولاراً للزراعة البكتيرية التقليدية.

في بلد مثل تنزانيا، حيث يبلغ معدل الإصابة بالسل 295 حالة لكل 100,000 نسمة، يمكن لفريق من 20 جرذاً مدرباً فحص جميع العينات السنوية البالغة 80,000 عينة في أقل من 80 يوم عمل، بتكلفة إجمالية لا تتجاوز 8,000 دولار – أي عشر تكلفة الطرق التقليدية.

البعد الإنساني: قصص حياة تتغير بأنوف القوارض
وراء هذه الأرقام المجردة، توجد قصص إنسانية مؤثرة. في منطقة موروغورو الريفية، اكتشفت الجرذان إصابة ماريا (32 عاماً) بالسل بعد أن فشلت ثلاث اختبارات مجهرية في تشخيصها. “كنت أتساقط سعالاً لمدة ستة أشهر، وكان الجميع يعتقدون أنني مصابة بالملاريا”، تروي ماريا. “الجردان أنقذت حياتي. بعد شهرين من العلاج، عدت إلى عملي في الزراعة”.

أما في دار السلام، فقد اكتشفت الجرذان إصابة طفلين في مدرسة ابتدائية قبل أن تظهر عليهم أعراض حادة، مما منع تفشي المرض بين 400 طالب. المدرس جوزيف يقول: “كنا نعتقد أن الجرذان مصدر للأمراض، والآن نعتمد عليها لاكتشاف الأمراض وإنقاذ أطفالنا”.

التحديات والانتقادات: بين العلم والوصم الاجتماعي
رغم النجاحات، تواجه المبادرة تحديات متعددة. هناك مقاومة ثقافية في بعض المجتمعات التي ترى في الجرذان حيوانات نجسة أو نذير شؤم. كما أن الاعتراف الرسمي بالطريقة كأداة تشخيصية معتمدة يتطلب تجاوز حواجز بيروقراطية وتنظيمية معقدة.

من الناحية العلمية، يعمل الباحثون على تحسين الدقة من خلال برامج تدريب أكثر تطوراً، وتطوير أنظمة آلية لجمع وتحليل بيانات استجابات الجرذان، ودمج هذه الطريقة مع التقنيات التشخيصية الأخرى لإنشاء أنظمة هجينة متعددة الوسائط.

المستقبل: توسيع الآفاق التشخيصية
لا تقتصر برامج تدريب الجرذان على تشخيص السل فحسب، بل تتوسع لتشمل أمراضاً أخرى. فقد أظهرت تجارب أولية قدرة الجرذان على اكتشاف سرطان البروستاتا من عينات البول بدقة تصل إلى 78%، واكتشاف الكلوروكين المزيف في أدوية الملاريا بدقة 97%، وحتى التعرف على الألغام الأرضية من خلال رائحة المتفجرات.

الباحثون يدرسون أيضاً إمكانية استخدام الجرذان في اكتشاف المبكر لمرض باركنسون من خلال رائحة الجلد، حيث تشير الدراسات إلى أن المرضى ينتجون رائحة مميزة قبل سنوات من ظهور الأعراض السريرية.

الخاتمة: عندما تتحول النقمة إلى نعمة
تقف الجرذان الإفريقية العملاقة اليوم كرمز مثير للتناقض: مخلوقات كانت تُرى تاريخياً كآفات وتهديدات للصحة العامة، تتحول إلى حلفاء غير متوقعين في معركة الإنسان ضد الأمراض. إنها تذكرنا بأن الحلول للكثير من التحديات العالمية قد تكون كامنة في الطبيعة نفسها، إذا ما تعلمنا النظر إليها بعيون مختلفة.

في كل مرة يكتشف فيها جرذ إصابة بالسل وينقذ بذلك حياة إنسان، يكتب فصلاً جديداً في قصة التعاون بين الأنواع، وقدرة العلم على تحويل ما كان يُعتقد أنه نقمة إلى نعمة. وهكذا، في مختبرات تنزانيا المتواضعة، تتعلم البشرية درساً عميقاً: أن البطولة يمكن أن تأتي في أصغر الأحجام وأكثرها غير المتوقعة، وأن الإنقاذ يمكن أن يأتي على أقدام أربعة وأنف حاد يستنشق الأمل من بين عينات البلغم واليأس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى