السيادة البيولوجية: السد العالي الجديد لحماية جينات مصر من الاستعمار الناعم

السيادة البيولوجية: السد العالي الجديد لحماية جينات مصر من الاستعمار الناعم
بقلم: إيهاب محمد زايد
“إن كل بذرة نبات مصري هي (تمثال صغير) يحمل شفرة وراثية عمرها 7000 عام، لكن الفرق أن التمثال يوضع في متحف، بينما البذرة تُسرق لتُباع لنا لاحقاً كدواء لا نملك ثمنه.”
الخروج الكبير.. عندما تُسرق مصر في “أنبوبة اختبارفهل تخيلت يوماً أن مستقبل أطفالنا الصحي والغذائي قد يكون مخبأً الآن في حقيبة سفر عابرة للقارات، أو مشفراً في قرص صلب داخل مختبر خلف المحيطات؟ بينما تلتفت العيون لحراسة الحدود والأسوار، هناك “نزيف صامت” لثرواتنا لا يحتاج لآليات ثقيلة لتهريبه، بل يكفيه مجهر، وأنبوبة اختبار، وثغرة في قانون يظن أن “البذرة” مجرد نبات، وأن “الخلية” مجرد تفصيلة بيئية.
إننا لا نتحدث هنا عن تجارة عابرة، بل نتحدث عن “استعمار جيني” ناعم، حيث تُسلب الأرض أسرارها البيولوجية التي صقلتها يد الزمان عبر آلاف السنين، لتعود إلينا غداً في صورة أدوية ولقاحات ومنتجات “مُحتكرة” ندفع ثمنها من دمائنا، رغم أن “المادة الخام” كانت يوماً ملكاً لنا.
لقد آن الأوان لنعترف أن “السيادة” في القرن الحادي والعشرين لم تعد جغرافية فقط، بل أصبحت “سيادة ميكروبية وجينية”. فمن يمتلك شفرة الحياة في تربتنا ونباتنا،و حيوانتنا يمتلك مفاتيح الدواء والغذاء في مستقبلنا. هذا المقال ليس مجرد صرخة تحذير، بل هو “خارطة طريق” لإغلاق أبواب النهب العلمي، وفرض حماية سيادية على كنوز مصر الحيوية، معاملةً إياها كوثائق عسكرية لا تقبل التفريط.
اربطوا أحزمة الوعي.. فنحن على وشك كشف أبعاد أكبر عملية “قرصنة صامتة” تتعرض لها مواردنا، وكيف يمكننا تحويل القانون إلى درع يحمي جيناتنا كما يحمي آثارنا.
ففي الوقت الذي تسهر فيه الدولة على حماية حدودها الجغرافية وأمنها المائي، تبرز في الأفق جبهة جديدة للأمن القومي، جبهة لا تُرى بالعين المجردة لكنها تحمل مستقبل الأجيال في طياتها. إنها “الموارد الحيوية”؛ تلك الثروة الجينية الكامنة في نباتاتنا الطبية، سلالاتنا الحيوانية، وكائناتنا الدقيقة المتفردة التي نمت على أرض مصر عبر آلاف السنين وهي الجينوم المصري الكبير وليس جينوم المصريين فقط.
الذهب الأخضر المستباح: هل تخرج “جينات مصر” من ثقوب القانون؟
بينما ينشغل العالم بالصراع على الذهب والنفط، تدور في الخفاء حربٌ أكثر ضراوة على “الأصول البيولوجية”. هذه الأصول ليست مجرد نباتات أو كائنات دقيقة، بل هي “بنوك معلومات جينية” تمثل العمود الفقري لاقتصاد المستقبل. لكن الصدمة تكمن في أن هذه الكنوز تتدفق عبر الحدود يومياً في صمت، دون أن تدخل خزانة الدولة مليمًا واحدًا.
لغة الأرقام: توضح فاتورة النهب العالمي
تشير تقارير منظمة “إعلان بيرن” والمنظمات المعنية بالتنوع البيولوجي إلى أرقام تعكس حجم الجريمة:
• سوق بمليارات الدولارات: تبلغ قيمة الصناعات العالمية القائمة على الموارد الجينية (الأدوية، التجميل، الزراعة) أكثر من 1.1 تريليون دولار سنوياً.
• القرصنة بالأرقام: تُشير التقديرات إلى أن % 85 من براءات الاختراع الدولية المودعة في مجالات التقنية الحيوية تعتمد على موارد جينية جُمعت من دول نامية، وغالباً دون “موافقة مسبقة عن علم” أو “تقاسم عادل للمنافع”.
• الفجوة القانونية: تخسر الدول الغنية بالتنوع البيولوجي ما يقدر بـ 5 إلى 10 مليارات دولار سنوياً نتيجة لغياب التشريعات الرادعة للقرصنة الحيوية.
أمثلة من واقع “النزيف الجيني”:
لكي ندرك أن الأمر ليس مجرد نظرية، دعونا ننظر في هذه النماذج العالمية والمحلية:
1. بكتيريا “وادي الملوك”: تم عزل أنواع فريدة من الكائنات الدقيقة من تربة مناطق أثرية في مصر، واستخدمت في أبحاث دولية لإنتاج مضادات حيوية وإنزيمات صناعية متطورة، سُجلت براءات اختراعها بأسماء مختبرات أجنبية دون أي عائد لمصر وقد خرجت بحوث مشتركة علي القمح الأثري بالمقابر و الكتان وأي أثر عضوي مصري أصبح ملهم للعالم.
2. حالة “شجيرة الروزا” (Rosy Periwinkle): حالة كلاسيكية عالمية حيث استغلت شركات كبرى نبتة من مدغشقر لإنتاج علاج لسرطان الدم “اللوكيميا”، وحققت أرباحاً بمئات الملايين، بينما لم تحصل الدولة المصدر للمورد إلا على فتات، لغياب الحماية القانونية السيادية وقتها.
3. سلالات النحل المصري: يعتبر “النحل المصري” (Apis mellifera lamarckii) كنزاً جينياً نادراً لمقاومته للأمراض، وقد جرت محاولات عديدة لتهريب ملكات وجينات وتطوير سلالات مهجنة في الخارج تُباع بأسعار خيالية، بينما تظل السلالة الأصلية في موطنها تعاني من الإهمال.
لماذا الآن؟
إن المادة الجينية اليوم هي “النفط الجديد”. إن لم نقم بتسييج مواردنا بإطار قانوني يربطها بالأمن القومي وجرائم تهريب الآثار، فإننا نترك “مفتاح خزانة المستقبل” في يد من يملك الجرأة على التهريب والقرصنة. نحن لا نحمي مجرد “عينة”، نحن نحمي “حق الملكية الفكرية للحضارة المصرية” على كل خلية حية نبتت في ترابها.
القرصنة الحيوية.. اللص الصامت
بينما نهتم بحماية قطعة أثرية من التهريب، تتعرض مصر لما يُعرف بـ “القرصنة الحيوية” (Biopiracy). وهي عملية استغلال الموارد الجينية أو المعارف التقليدية المرتبطة بها، وتسجيل براءات اختراع دولية عليها دون وجه حق. إن تهريب “عينة نباتية” أو “تسلسل جيني” لميكروب مصري أصيل قد يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يُهدر مليارات الدولارات من حقوق الدولة في الصناعات الدوائية والتقنيات الحيوية المستقبلية.
المادة الجينية المصرية.. سرٌ عسكري لا يقل أهمية
إن مقترحنا الذي نضعه اليوم أمام النخبة العلمية والتشريعية، وعلى رأسها القامات الوطنية العلمية الكبيرة، يرتكز على مبدأ ثوري: معاملة المواد الحيوية المصرية معاملة الأرقام أو الوثائق السرية.
لماذا؟ لأن المورد الحيوي ليس مجرد “نبات” أو “بذرة”، بل هو شفرة استراتيجية تدخل في:
1. الأمن الصحي: صناعة اللقاحات والأدوية النوعية.
2. الأمن الغذائي: تطوير سلالات مقاومة للتغير المناخي والجفاف.
3. الأبحاث السيادية: حماية المجتمع من أي مخاطر قد تمس الأمن الصحي القومي.
ثلاثية السيادة: الآثار، الموارد، والأمن القومي
آن الأوان لإصدار قانون موحد يربط بين حماية الموارد الحيوية وتجريم القرصنة الجينية، ودمج هذه الجرائم ضمن إطار “سرقة الآثار”. فكلاهما يشتركان في كونهما ثروة قومية غير قابلة للتجديد، وكلاهما مستهدف من شبكات دولية منظمة تمس الهوية والسيادة.
إن هذا الإطار التشريعي المقترح سيعمل على:
• سد الثغرات: منع التلاعب بالقوانين المتفرقة وتشديد العقوبات.
• السجل القومي: إنشاء بنك جيني رقمي وسجل رسمي يثبت ملكية الدولة لمواردها أمام المحافل الدولية.
• الموافقات السيادية: إخضاع أي تعاون بحثي دولي لرقابة مشددة تضمن عدم تسرب الأسرار البيولوجية تحت ستار “البحث العلمي”.
حلم الريادة البيولوجية
إن اتخاذ هذه الخطوة سيجعل مصر في مقدمة الدول التي تحمي “سيادتها البيولوجية”، تماماً كما نحمي تاريخنا العريق. إننا لا نحمي مجرد “عينات”، بل نحمي “الحق في المستقبل”، ونغلق الباب أمام من يحاول استباحة كنوزنا الجينية المصرية التي صمدت لآلاف السنين.
لقد حان الوقت ليعرف العالم أن “الجين المصري” محاط بسياج من القانون والوعي، كما هي أهراماتنا ومعابدنا.
من الواقع: كيف تُسرق كنوزنا في “حقائب السفر”؟
لكي ندرك خطورة الموقف، دعونا نتأمل قصة “نبات الهجليج” (Balanites aegyptiaca) أو ما يُعرف بـ “تمر الصحراء”، وهو نبات أصيل في البيئة المصرية والصحراوية.
لسنوات طويلة، استُخدم هذا النبات في الطب الشعبي المصري لعلاج السكري والأمراض الجلدية. دخلت شركات أدوية ومراكز أبحاث دولية تحت ستار “الدراسات البيئية”، وحصلت على عينات من بذور وأوراق هذا النبات. ما حدث بعد ذلك كان صادماً:
• تسجيل براءات اختراع: قامت شركات أجنبية باستخلاص مواد فعالة (مثل السابونين) وتسجيل براءات اختراع دولية لإنتاج أدوية مضادة للأورام وعلاجات للسكري.
• النتيجة: أصبحت مصر، صاحبة المورد الأصلي والمعرفة التقليدية، “زبوناً” يشتري الدواء بأسعار باهظة، بينما تذهب أرباح “الجينات المصرية” إلى خزائن خارجية، والسبب؟ غياب قانون يحمي السيادة البيولوجية.
الدروس المستفادة: لماذا نحتاج “قانوننا” المقترح؟
هذه الحالة ليست وحيدة؛ فهناك عشرات الكائنات الدقيقة في التربة المصرية التي تُنتج مضادات حيوية نادرة، وسلالات من القمح المصري القديم التي تملك شفرات جينية لمقاومة الجفاف، يتم تهريبها في “أنابيب اختبار” صغيرة لا يتجاوز حجمها أصبع اليد.
إن ربط هذه الجرائم بجرائم “تهريب الآثار، الإحصائيات المصرية و الأسرار العسكرية” – كما جاء في المقترح – هو الرد المنطقي الوحيد، لأن:
1. السرقة واحدة: سارق “التمثال” يسلبنا تاريخنا، وسارق “الجين” يسلبنا مستقبلنا الاقتصادي والصحي.
2. المعرفة التقليدية: القرصنة الحيوية لا تسرق المادة فقط، بل تسرق “عقل الفلاح والبدوي المصري” الذي اكتشف فوائد هذه الموارد عبر آلاف السنين.
النداء الأخير: سيادة لا تقبل التجزئة
إننا إذ نضع هذا المقترح بين يدي القامات الوطنية وأبناء مصر، فإننا نستهدف تحويل “المادة الجينية” من مجرد عينات بحثية مشاع، إلى “أصول سيادية” تخضع لإجراءات أمنية وقانونية مشددة.
إن حماية “الجينوم المصري” ( الكائنات الدقيقة و النباتي والحيواني والبشري) هو الخط الدفاعي الأول في حروب القرن الحادي والعشرين البيولوجية والاقتصادية. فمن يمتلك الشفرة، يمتلك القرار.
الخيار الأخير: جدار “السيادة البيولوجية” أو ضياع الإرث
إن ما استعرضناه ليس ترفاً فكرياً، بل هو معركة “وجود” في عصر لا يرحم الضعفاء تشريعياً. ولعل التاريخ القريب يحمل لنا دروساً قاسية بمداد من الملح؛ ففي أعقاب حرب عام 1967، لم يكن الطموح منصباً على الأرض فحسب، بل امتد لنهب “الشيفرة الوراثية” للبيئة المصرية.
نزيف “الذهب الأخضر” والسطو التاريخي:
• سرقة النخيل السيناوي: في فترة الاحتلال، جرى نقل آلاف الشتلات من نخيل “الحياني” و”بنت عيش” من سيناء إلى المستعمرات في الأراضي المحتلة، ليس كنباتات للزينة، بل لاستزراعها وتطوير سلالات مهجنة تعتمد على “الجين المصري” المقاوم للملوحة والجفاف، لتدخل بها الأسواق العالمية كمنافس لمنتجنا الأصلي.
• نزيف النباتات الطبية: تعرضت محمية “سانت كاترين” ومناطق سيناء لنزيف حاد في النباتات العطرية والطبية الفريدة مثل “الزعتر السيناوي” و”الحبق”، حيث تشير بعض التقارير البحثية إلى أن شركات دولية قامت بمسح شامل للفلورا المصرية في تلك الفترات، وسحبت عينات جينية لإنتاج مستخلصات طبية تُباع اليوم بمليارات الدولارات، بينما ناضلت مصر لاستعادة “الأرض” وبقي “الجين” أسيراً في مختبرات الخارج.
• الأرقام تتحدث: تُقدر خسائر الدول النامية نتيجة قرصنة النباتات الطبية بنحو 4.5 مليار دولار سنوياً. وفي مصر، يمثل قطاع النباتات الطبية والعطرية ثروة مهدرة، حيث نصدرها كمواد خام بأسعار زهيدة، بينما تُعيدها لنا براءات الاختراع الدولية كأدوية بزيادة سعرية تصل إلى 1000%.
السيادة الوطنية وجدار الحماية:
إن الحل لم يعد في “الرقابة التقليدية”، بل في بناء “جدار حيوي قانوني” يفرض سيادة الدولة المطلقة عبر:
1. القانون الموحد: الذي يربط بين “المورد الحيوي” و”الأثر التاريخي”و الإحصاء مع الأسرار العسكرية الوطني، فالبذرة التي نبتت في عهد رمسيس الثاني هي أثرٌ حيّ لا يقل قيمة عن تمثاله.
2. مشروع “الجينوم المصري, وليس الجينوم المرجعي فقط الذي يجب أن يتحول من مشروع بحثي إلى “سجل سيادي” يثبت بصمة مصر الجينية دولياً، مما يمنع أي جهة من تسجيل براءة اختراع لأي تسلسل جيني مصري المنشأ.
3. الإحصائيات الوطنية: إنشاء قاعدة بيانات استخباراتية بيولوجية ترصد تحركات الموارد، وتعتبر تهريب “نقطة دم” أو “لقاح نباتي” أو كائن دقيق أو عضو بالمملكة الحيوانية المصرية خيانةً عظمى تمس الأمن القومي.
إننا بامتلاكنا لهذا القانون، لا نحمي فقط أشجارنا وميكروباتنا، بل نبني “سدًا عالياً” جديداً، يحفظ لمصر حقها في أن تكون “قوة بيولوجية” عظمى، ويضمن أن ثمار أرضنا لن تُجنى إلا بأيدينا ولصالح أجيالنا القادمة.
خلاصة المقال: حماية المورد الحيوي هي حماية للسيادة. وبترابط وزارات التعليم العالي، البيئة، الزراعة، الداخلية والدفاع، يمكننا تحويل هذه الرؤية إلى حائط صد قانوني يحفظ لمصر حقوقها في عالم “الذهب الأخضر”.



