جسمك مش ملكك.. كيف تسرق الشركات العالمية بصمة جيناتك وأنت تبتسم؟

بقلم: إيهاب محمد زايد
في نداء الأرض والدم والشيفرة يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في عشق ترابها:
“وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه .. نازعتني إليه في الخلد نفسي”
ويشدد الشاعر صلاح جاهين على أن السيادة ليست مجرد حدود، بل هي كرامة الإنسان في كل تفاصيله حين قال:
“أنا اللي قلبي ربيع.. وأنا اللي صمتي رعد.. أنا اللي عهدي وثيق.. وأنا اللي ماليش وعد (إلا لوطني(
وحين تغنت مصر في لحظات العبور والانتصار، رددنا خلف شادية:
“يا حبيبتي يا مصر.. يا بلادي يا أحلى البلاد يا مصر” وقولنا مع عبد الحليم حافظ في “صورة”: “صورة.. صورة.. صورة.. كلنا كده في الصورة”
لكن، هل سألنا أنفسنا اليوم: هل ما زلنا نحن من يملك “صورتنا”؟ وهل بقيت “شيفرتنا” التي تجري في عروقنا سراً مصرياً خالصاً؟
إن المعركة التي كانت تُخاض قديماً بالبارود على الحدود، انتقلت اليوم لتُخاض “تحت المجهر” وداخل “المعالج الرقمي”. إن الاستعمار الذي طرده أجدادنا من القناة ومن سيناء، يحاول اليوم العودة ليسكن في “بصمة أعيننا” و”تسلسل أحماضنا النووية”.
حين غنينا “دمي فداكِ يا مصر”، لم نكن نعلم أن “الدم” ذاته سيصبح في القرن الحادي والعشرين هو “الميدان” الذي يجب أن نُحكم عليه السيادة، حتى لا يتحول أغلى ما نملك إلى “بيانات مبيعة” في خوادم الغرباء.
بالسيادة البيومترية: حين يصبح حمضنا النووي (DNA) هو كلمة المرور المسروقة
في رحلتنا الاستراتيجية، وهي المقال الذي يربط بين تخصصي الدقيق في “علوم الخلية” وبين صرختي في وجه “الاستعمار الرقمي”. هذا المقال هو الأخطر، لأنه يتحدث عن استعمار “الداخل” لا “الخارج”.
“هل انتهى زمن (الرقم السري) ليبدأ عصر (الدم السري) ؟”
في اللحظة التي تضع فيها إصبعك لفتح هاتفك، أو تنظر إلى عدسة الكاميرا للتحقق من هويتك، أنت لا تفتح جهازاً تقنياً فحسب، بل تُسلم “مفاتيح وجودك البيولوجي” لخوادم لا تعرف أين تقع. يطرح المقال، من قلب معمل بحوث الخلية، قضية هي الأثقل في ميزان أمننا المصري و العربي والاسلامي و الإنساني الحديث: )السيادة البيومترية).
بينما ينشغل العالم بحروب الرقائق والذكاء الاصطناعي، تبرز معركة أكثر خطورة تدور داخل “أنبوبة اختبار”؛ حيث تتحول جزيئات الـ DNA من شيفرة للحياة إلى “عملة رقمية” تُتداول في بورصات البيانات العالمية. هذا المقال ليس مجرد صرخة علمية، بل هو “بروتوكول دفاعي” يكشف كيف يمكن لقطرة لعاب مرسلة لشركة أنساب أجنبية أن تتحول مستقبلاً إلى “ثغرة أمنية” تهدد سلالات بأكملها.
في هذا المقال يكسر حاجز الصمت حول “استعمار الخلايا” ويقدم لأول مرة رؤية استراتيجية تربط بين بيولوجيا الخلية والسيادة السياسية، وهو مادة حصرية تضع صحيفتكم في قلب النقاش العالمي حول أخلاقيات “إنترنت الأجساد”.
الاستعمار الذي يطرق أبواب خلايانا
في المقال السابق عقولنا الرقمية ، تحدثنا عن كيف تُسرق عقولنا عبر الشاشات، لكننا اليوم نقف أمام “غزو” من نوع أعمق وأكثر صمتاً؛ إنه غزو يسعى لامتلاك “الشيفرة الأصلية” للإنسان. إننا ننتقل من عصر “إنترنت الأشياء” إلى عصر “إنترنت الأجساد” (Internet of Bodies)، حيث لم تعد البيانات مجرد كلمات نكتبها، بل أصبحت نبضات قلوبنا، وبصمات عيوننا، وتسلسل أحماضنا النووية. إن السيادة القادمة لن تكون على “الحدود الجغرافية” فحسب، بل على “الحدود البيولوجية”؛ فمن يملك بياناتك الحيوية، يملك مفتاح السيطرة على صحتك، ومستقبلك، بل وحتى موتك.
وجبة أدبية: قصة “الرجل الذي فقد ملكية جسده”
في عام 2040، استيقظ “أدهم” ليجد أن شركة التأمين العالمية قد رفعت قسطه السنوي بنسبة 400%، وأن نظام التوظيف الذكي رفض طلبه للعمل في وظيفة أحلامه. والسبب؟ لم يكن تقصيره في العمل، بل لأن “بياناته الجينية” التي أرسلها قبل سنوات في لحظة فضول لشركة أنساب عالمية (ليعرف أصول أجداده) قد بيعت لشركات الأدوية والبيانات. لقد اكتشفت الخوارزميات أن لديه “استعداداً وراثياً” لمرض معين بعد عشرين عاماً. في تلك اللحظة، أدرك أدهم أنه لم يعد يملك “خصوصيته الحيوية”؛ فجسده الذي يسكنه أصبح “كتاباً مفتوحاً” لشركات عابرة للقارات، تُسعر حياته بناءً على جزيئات داخل خلاياه، دون أن يملك حق الاعتراض.
حين تتحول الخلية إلى “منجم بيانات”
1. “الذهب الجيني”: لماذا يسعون وراء لعابنا؟ خلف ستار “البحث عن الأصول” أو “الطب الشخصي”، تجري أكبر عملية “تعدين” للبيانات الحيوية في التاريخ. تشير الإحصائيات إلى أن سوق “الاختبارات الجينية المنزلية” سيتجاوز 10 مليارات دولار بحلول عام 2028. الكارثة أن معظم هذه البيانات تُخزن في “سحابات” تخضع لقوانين دول أخرى. وبصفتي باحثاً في علوم الخلية، أؤكد أن امتلاك القوى الكبرى لقواعد بيانات جينية لشعوبنا يعني قدرتهم على تصميم “خرائط ضعف” عرقية، واستخدامها في حروب بيولوجية أو اقتصادية موجهة بدقة متناهية.
2. إنترنت الأجساد: نبضك هو “المنتج” الجديد الساعات الذكية، والشرائح الطبية تحت الجلد، ليست مجرد أدوات للرفاهية. إنها “جواسيس بيومترية” تجمع بيانات عن مستويات الهرمونات، والتوتر، وجودة النوم. تُشير دراسة لـ (Rand Corporation) أن بحلول عام 2026، سيكون هناك أكثر من 500 مليون جهاز متصل بجسم الإنسان عالمياً. هذه البيانات تُباع لشركات الإعلان للتنبؤ بـ “الحالة المزاجية” للمستهلك، مما يجعلنا أسرى لـ “تسويق عصبي” يخاطب غرائزنا البيولوجية قبل عقولنا الواعية.
3. تخزين البيانات في الـ DNA: السيادة على الأرشيف البشري العلم يتحدث اليوم عن تخزين “بيانات الإنترنت بالكامل” داخل بضعة غرامات من الحمض النووي (DNA Data Storage). وبما أن الـ DNA هو أكثر وسائط التخزين استدامة، فإن من يسيطر على هذه التكنولوجيا سيتحكم في “ذاكرة البشرية” لملايين السنين. السؤال السيادي هنا: هل سنمتلك نحن “خزائننا الجينية” الخاصة، أم سنودع تاريخنا وأسرارنا القومية في “بنوك حيوية” خارجية تملك حق “مسح” وجودنا بضغطة زر؟
4. الخطر القادم: الأسلحة البيولوجية الرقمية عندما تندمج “السيادة الرقمية” مع “السيادة البيولوجية”، نصل إلى مفهوم “الفيروسات الرقمية-الحيوية”. إذا تسربت بيانات الخرائط الجينية لشعب ما، يمكن للخوارزميات والذكاء الاصطناعي تصميم فيروسات أو مسببات أمراض تستهدف “بصمة جينية” معينة دون غيرها. إنها ذروة “الحرب الخفية” التي لا تستهدف المدن، بل تستهدف “السلالات”.
نحو “درع حيوي-رقمي” مصري
إن الدفاع عن سيادة مصر يبدأ اليوم من حماية “البيانات الحيوية” للمواطن المصري. إننا بحاجة إلى:
• بنك جينات سيادي: يُمنع خروج أي عينة أو بيانات جينية مصرية خارج الحدود إلا بضمانات أمنية قصوى.
• قوانين “الخصوصية الحيوية”: تجريم بيع أو تداول البصمات الحيوية (الوجه، العين، الـ (DNA دون سيادة قانونية محلية.
• توعية “الجيل الرقمي”: بأن جسده ليس “مشاعاً” تكنولوجياً، وأن بصمته الحيوية هي أقدس ما يملك.
إن السيادة في القرن الحادي والعشرين هي “سيادة الخلية والشيفرة”. فإما أن نحمي أحماضنا النووية وبياناتنا الحيوية داخل “حصوننا الوطنية”، وإما أن نصبح مجرد “حقول تجارب” في مختبرات الآخرين. المستقبل يطالبنا بالاستيقاظ؛ فالعدو لا يطرق الأبواب، إنه يطرق جدران خلايانا.
“أمننا في خلايانا”.. نداء من أجل استقلال حيوي مصري
يا سيادة صاحب القرار، ويا أبناء وطني المخلصين.. نحن لا نوجه لوماً، بل نفتح أعيناً على معركة نحن جميعاً في خندقها الواحد. إن “الاستعمار البيومترية” لا ينتظر أحداً، والأرقام تخبرنا بوضوح أننا أمام فرصة ذهبية لصد الغزو قبل أن يسكن بيوتنا؛ فالعالم ينفق اليوم نحو 45 مليار دولار على تقنيات “بصمة الوجه والـ DNA”، ومن المتوقع أن تصل لـ 100 مليار بحلول 2030. وإذا علمنا أن 90% من بيانات الخرائط الجينية لشعوب منطقتنا مخزنة في خوادم خارج حدودنا، ندرك أننا أمام “انكشاف حيوي” يتطلب تحركاً فورياً، ليس من باب الخوف، بل من باب “السيادة والكرامة”.
إن مصر التي علمت العالم الطب قبل آلاف السنين، تمتلك اليوم “الكنز الأغلى”: وهو بصمة جينية لـ 110 مليون مصري، هي الأقدم والأكثر تنوعاً في التاريخ. إن حماية هذه البصمة داخل “سحابة حيوية سيادية” (Sovereign Bio-Cloud) وتحت قوانين مصرية خالصة، سيمنع نزيف بياناتنا التي تُباع وتُشترى في الخارج بأرقام فلكية. إننا لا نحتاج لاستيراد الحماية، بل نحتاج لتوطينها؛ فاستثمار 1% من ميزانية التحول الرقمي في إنشاء “حصن حيوي وطني” سيوفر على الدولة مستقبلاً مليارات الجنيهات التي قد تُنفق في علاج أمراض “مفصلة وراثياً” أو في مواجهة تهديدات بيولوجية مجهولة.
دعونا نبني “الدرع الحيوي المصري”؛ ليكون المواطن آمناً على نبض قلبه، وبصمة عينه، وشيفرة جيناته. إن المعركة اليوم هي معركة “وعي وتكنولوجيا”، ومصر بعقول أبنائها في مركز البحوث والجامعات، قادرة على أن تكون “سيداً” في عالمها الرقمي، لا “تابعاً” في خوادم الآخرين.
خلاصة القول: إن السيادة التي دافع عنها أجدادنا بالدماء، ندافع عنها نحن اليوم بـ “البيانات”. فاجعلوا خلايانا عصية على الاختراق، كما كانت أرضنا دائماً مقبرة للغزاة.
سؤال للقارئ: إذا سُرقت كلمة مرور هاتفك، يمكنك تغييرها.. ولكن إذا سُرقت “شيفرتك الجينية” و”بصمة هويتك الحيوية”، فمن ستكون أنت في نظر العالم؟



