الفلاح وسرقة الفأس وخطبة الجمعة

كتب :الشيخ أحمد تركى
قال الفلاح : سُرقت فأسى فظننت أن جارى قد سرقها ؟
فنظرت إليه بعين الشك ، ورأيت فى مشيته مشية السارق ، وفى كلامه كلام السارق وفى سلوكه سلوك سارق !!
وأمضيت ليلتى مهموماً أفكر كيف أواجهه وأعاقبه ؟!
وفى الصباح وجدت فأسى فى دارى مخبئة تحت كومة من القش ! وقد خبأها ابنى الصغير وهو يلهو فى البيت.
حينها نظرت إلى جارى من جديد فلم أعد أرى فيه شيئاً من صفات السارق ، لا مشيته ولا كلامه ولا سلوكه !
رأيته بريئاً تماماً ،،،
قال الفلاح : أدركت حيئذ أننى أنا السارق ، سرقت من جارى أمانته
وسرقت من عمرى ليلة كاملة أسيراً للوهم وظلم لرجل بريء !
العبرة هنا : أن الإنسان الملوث فى داخله يرى الناس بهذا التلوث ولا يعترف بوجود أناس أنقياء ؟!
وأذكر موقفاً شبيهاً حدث معى ذات بوم بعد صلاة الجمعة ،،،
حيث كنت أخطب الجمعة فى بعض مساجد القاهرة العامرة وقد فتح الله لى فى الخطبة تأثيرا وإقناعاً وفتح على المصلين اقتناعاً وتأثراً ، وأشرت فى الخطبة إلى ضرورة الولاء للوطن كما الولاء لبيتك ،
وأن الدين من عندالله كماء المطر ، لا نستفيد منه إلا إذا حافظنا على الأرض وهيأناها للإنبات والزرع
والأرض إذا ضاعت ضاع الماء بلا فائدة ، كذلك الوطن ؟ إذا ضاع ضاع الإيمان ؟!
ولذلك أسس إبراهيم الخليل ومعه إسماعيل عليهما السلام. مكة البلد بعد رفع القواعد من البيت حددوا جغرافيا مكة بحجارة ضخمة تمهيداً لنزول رسالة الإسلام قبل ميلاد النبى محمد بأكثر من ألفى عام لينزل الإسلام على أرض لها شعب وجغرافيا وحدود. وأنزل الله سورة كامل تسمى بسورة البلد !!
وذكرت كيف تعامل القران الكريم مع مصر تحديداً باعتبارها دولة قديمة لها دور فى بث الايمان بين البشر وتأمين الرسالات والحضارات وممتدة إلى يوم القيامة ،، الخ.
وبينما اصطف الناس لمصافحتي والثناء على الخطبة ،،، جاءنى رجل يبتسم ابتسامة صفراء وعينه تشع باللؤم والظن بأنه كما يقولون : فهييم!
قال لى : عاوز أسالك سؤال. أكيد الحكومة هيا اللى كتبت لك الخطبة دى يا مولانا ؟ صح ؟
قلت له : الحكومة لم تكتب لى خطبة ولا تكتب خطباً لأحد بل هذا مضمون استقرأته من حقائق كتاب الله وسنة رسوله والتاريخ والعلم بملكاتى كعالم أزهرى ،،، ولو قرات خطبة جمعة مكتوبة ما اثرت فى الناس!!
التأثير يا سيدى منبعه الضمير والروح والحق وليس الكلام المقولب !!
ممكن أنصحك نصيحة ؟ قال : أتفضل.
قلت له : هل توضأت لصلاة الجمعة ؟ قال نعم.
قلت توضأت جوارحك فغسلت يديك ووجهك ومسحت راسك وغسلت قدمك ،،،
لكنك لم تتوضأ على مستوى قلبك ومشاعرك وروحك ،،،،
طهرت جسدك وقلبك متسخ بالوهم والغرور والظن السيء
وإذا كان وضوء الجوارح من شروط صحة الصلاة ،،، فإن وضوء القلب والروح شرط لصحة الوقوف على باب الله لنيل مغفرته ورضوانه ،،،
قالت السيدة نفيسة رضى الله عنها حينما علمت بوفاة سيدنا الإمام الشافعى رضى الله عنه وأرضاه ” رحم الله الشافعى ، لقد كان يحسن الوضوء ”
وخلال حديثى مع الرجل شعرت بأن كلماتى له كانت بمثابة حقن المضاد الحيوى مفيدة ومؤلمة ! وتحول فى ثوان من شخصية الولد الفهيم اللى لابد للشيخ فى الدرة وجاى يعمل عليه نمرة ؟! إلى طفل صغير كما ظهر فى لغة جسده ،،، انسحب بهدوء بعد ما تلقى درساً أظن أنه لن ينساه ،،،
وأخيراً : لقد أوصانا ربنا تبارك وتعالى بضرورة طهارة القلب من الأحقاد والكبر والغرور
فقال تعالى : ” سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11). سورة الرعد.
وكان مولانا جلال الدين الرومى يقول : توضّأ بالمحبة قبل الماء .. فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز.



