دراسات وابحاث

اصطدام الكويكبات في نظام نجم قريب: لمحة من فوضى الكون المبكر

اصطدام الكويكبات في نظام نجم قريب: لمحة من فوضى الكون المبكر
مصر: إيهاب محمد زايد
في لحظة نادرة، رصد الفلكيون تصادمًا مباشرًا بين كويكبين حول نجم غريب يبعد عنا قليلًا، إنه نجم فومالهاوت، الفتي الكوني الذي يبلغ عمره 440 مليون سنة فقط، وما زال يكتنفه قرص من الحطام المتبقي من نشأته. على بُعد 25 سنة ضوئية فقط، يشكل هذا النجم مختبرًا طبيعيًا لدراسة العمليات التي تمهد لتكوين الكواكب، والآن كشف تلسكوب هابل عن حدث ربما يكون أحد هذه العمليات: اصطدام صخرتين، يبلغ قطر كل منهما حوالي 60 كيلومترًا. لولا تحطمهما إلى غبار، كانت هذه البذور الصغيرة قد واصلت نموها لتصبح كواكب تدور حول النجم.
يقول عالم الفلك بول كالاس من جامعة كاليفورنيا في بيركلي: “هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها نقطة ضوء تظهر من العدم في نظام كوكبي خارجي”. لم يكن هذا الحدث موجودًا في جميع صور هابل السابقة، ما يعني أننا شهدنا تصادمًا عنيفًا بين جسمين هائلين، وأدى إلى تكوين سحابة ضخمة من الحطام، لم نشهد شيئًا مشابهًا له في نظامنا الشمسي اليوم.
لم يكن فومالهاوت غريبًا على الاكتشافات الغريبة. ففي 2004، لاحظ العلماء جسما مشرقًا أشبه بالكواكب في مداره، واعتقدوا أنه كوكب غازي أُطلق عليه اسم داغون. لكن بحلول 2014، اختفى داغون تمامًا، وتبين أن تفسيره الأفضل هو أنه لم يكن كوكبًا أصلا، بل سحابة غبارية متوسعة نتجت عن تصادم كويكبين.
وفي 2023، عاد هابل ليلاحظ نجم فومالهاوت مجددًا، وظهرت بقعة ضوء جديدة تشبه داغون، وسُميت هذه البقعة الجديدة Fomalhaut cs2، بينما تم تعديل تصنيف داغون ليصبح Fomalhaut cs1. تقول الملاحظات: “تبدو cs2 تمامًا مثل كوكب خارج نظامنا يعكس ضوء نجمه”، مما يوضح كيف يمكن لسحابة غبارية كبيرة أن تتظاهر بكونها كوكبًا لعقود من الزمن، وهو درس مهم لمهام اكتشاف الكواكب الخارجية مستقبلا.
من خلال هذه الرؤية، قدر العلماء حجم الأجسام المتصادمة وعددها في قرص فومالهاوت: كل منهما بحوالي 60 كيلومترًا، ويُقدر أن هناك حوالي 300 مليون جسم مماثل يدور في النظام. هذا التصادم الثاني خلال 20 سنة – بينما كان من المفترض أن يحدث مرة كل 100,000 سنة – يفتح نافذة جديدة لفهم ديناميكيات الأقراص الكوكبية وعمليات تكوين الكواكب المبكرة.
ومع أن الكواكب نفسها لم تُرصد بعد، إلا أن ملاحظات لاحقة من JWST أظهرت عقدة غبارية في نفس الحلقة الخارجية، قد تكون نتيجة تصادم آخر. هذا النظام، كما يقول عالم الفلك مارك وايت من كامبريدج، هو مختبر طبيعي لدراسة سلوك الكويكبات عند الاصطدام، مما يكشف عن تكوينها ومادتها.
سيواصل العلماء مراقبة cs2 باستخدام هابل وJWST، لرصد أي تغيرات في شكلها أو سطوعها أو مدارها، إذ من الممكن أن تتحول مع الوقت إلى شكل بيضاوي أو شبيه بالمذنب بفعل ضغط ضوء النجم.
إنه مشهد من فوضى الكون المبكر، يلمح إلى النشاط الكوني الخفي الذي يسبق ولادة الكواكب، ويثبت أن الكون لا يتوقف عن المفاجآت، حتى في أقرب جيراننا النجميين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى