العباءة الذكية: عندما تلبس البذرة ثوب التقنية لتنقذ مستقبل الغذاء
العباءة الذكية: عندما تلبس البذرة ثوب التقنية لتنقذ مستقبل الغذاء
مصر: إيهاب محمد زايد
هناك رحلة يجب أن نطلع عليها من الفأس إلى العباءة الذكية فلم تكن رحلة البشرية مع البذور مجرد فعل زراعي عابر، بل كانت قصة تطور متصلة للحضارة الإنسانية، حيث تحولت العلاقة من مجرد بحث عن القوت إلى هندسة دقيقة للبقاء.
وصولنا إلى تقنية الطلاء النانوي-الحيوي (Nanobiocoat) ليس طفرة منعزلة، بل هو ذروة منطقية لمسيرة طويلة من الحكمة والابتكار.
ففي المرحلة الأولى: العصر البدائي – البذرة والغريزة
كان الإنسان الأول يجمع البذور البرية ويلقيها في تربة رطبة، معتمداً على حصيلة الطبيعة وحدها. كانت الخسائر هائلة، ولكنها ولدت أولى ملاحظات الزراعة: أن بعض البذور تنمو أفضل من غيرها. كانت هذه المرحلة الغريزية، حيث كانت البذرة وحيدة في مواجهة العالم.
ثم أتت المرحلة الثانية: العصر الزراعي التقليدي – البذرة والحكمة
مع استقرار المجتمعات، تعلم الإنسان اختيار البذور الأجود، وتدوير المحاصيل، واستخدام السماد الطبيعي. هنا بدأ التدخل الواعي، لكنه ظل تدخلاً خارجياً. البذرة نفسها لم تتغير، لكن البيئة المحيطة تحسنت. كانت الحكمة الشعبية تقول: “البذرة الجيدة في الأرض الطيبة”. لكن هذا لم يحمِ البذرة من تقلبات المناخ والأمراض.
ثم حدثت الثورة مرحلة الثورة الخضراء: البذرة والكيمياء
في منتصف القرن العشرين، قدمت الثورة الخضراء حلولاً كيميائية جذرية: مبيدات الفطريات التي تُطلى بها البذور، والأسمدة الصناعية، والسلالات المهجنة. ارتفعت الإنتاجية بشكل مذهل، لكن الثمن كان تلوث التربة والمياه، واختلال التوازن البيئي، وظهور سلالات مقاومة من الآفات. أصبحت البذرة معتمدة كلياً على المدخلات الخارجية، وكأننا وضعناها على “جهاز التنفس الاصطناعي الكيميائي”.
و وصلنا إلي مرحلة أنين البشرية من الكمياء فمرحلة الزراعة العضوية والحيوية: البذرة والبيئة
كرد فعل، ظهرت حركة الزراعة العضوية، التي رفضت الكيماويات واعتمدت على المخصبات الحيوية (البكتيريا النافعة) والمقاومة الحيوية. كانت خطوة عظيمة نحو الاستدامة، لكنها واجهت تحدياً كبيراً: ضعف فاعلية البكتيريا النافعة بعد تطبيقها مباشرة على البذور، حيث تموت معظمها بسبب الجفاف أو المنافسة. كانت الفكرة صحيحة، لكن الأداة غير دقيقة.
وفي هذا العصرالمرحلة الحالية: عصر النانو-حيوي – البذرة والذكاء المتكامل
هنا تتدخل تكنولوجيا النانو كحلقة الوصل المفقودة. إنها لا تلغي حكمة المراحل السابقة، بل تدمجها في نظام واحد متكامل على مستوى النانومتر: من الكيمياء إلى البيولوجيا النانوية: بدلاً من رش المبيدات الكيميائية، نستخدم جسيمات فضية نانوية مُصنَّعة من مستخلصات نباتية، تكون أكثر فاعلية وأقل سمية.
و من المخصبات الحيوية إلى المخلّيات الحيوية المحمية: بدلاً من تطبيق البكتيريا النافعة بشكل عشوائي، نُجففها بحماية نانوية ونضعها في طبقة الطلاء، لتُنشَّط فقط عند وجود الرطوبة، وتعمل كـ”حلفاء أحياء” مضموني الفاعلية.
وفي الري و من الري الغزير إلى إدارة الذكية للرطوبة: بدلاً من الاعتماد على الري المكثف، تُوفر هلاميات نانوية فائقة الامتصاص رطوبة مستدامة حول البذرة.
وفي المعذيات والأسمدة من التسميد العشوائي إلى التغذية المبرمجة: بدلاً من نشر الأسمدة في التربة، تُحمل المغذيات في كبسولات نانوية تتفكك وتطلق محتواها بالتزامن مع احتياجات البادرة.
التحول النوعي: من العلاج إلى التمكين
فهذا ليس مجرد تحسين تقني، بل هو تحول في الفلسفة الزراعية: فنحن سابقاً: كنا نعالج المشاكل بعد ظهورها (مكافحة أمراض، تعويض نقص مغذيات). ثم الآن: نُمكّن البذرة من مواجهة التحديات قبل أن تبدأ، عبر تجهيزها بكل أدوات النجاح منذ لحظة زراعتها.
والقصة في الخيط الذهبي: من الفأس إلى النانو
إن خيط التطور هذا يظهر اتساق العقل البشري في سعيه للتناغم مع الطبيعة: المراقبة (البدائي)، التكييف (التقليدي)، الهيمنة (الكيميائي)، المصالحة (العضوي) وأخيرا الاندماج الذكي (النانو-حيوي)
وقد وصلنا إلى Nanobiocoat لأننا أدركنا أن الحل ليس في السيطرة على الطبيعة، ولا في الاستسلام لها، بل في فهم لغتها العميقة ثم تقديم أدوات دقيقة تمكنها من أداء معجزتها بأعلى كفاءة. إنها الذروة المنطقية لعلاقة بدأت قبل عشرة آلاف عام، حين أدرك إنسان ما أن تلك الحبة الصغيرة يمكنها أن تروي جوع القبيلة، فقرر أن يصونها، ويكرمها، ويضمن لها أفضل انطلاق نحو الحياة.
في قلب كل بذرة صغيرة، تكمن معجزة كامنة، ووعدٌ بمستقبلٍ يثمر خبزًا وزيتًا وحياة. لكن هذه الرحلة من السكون إلى الحياة هي أخطر مغامرة في الوجود النباتي. ففي المتوسط، لا تنجو منها إلا 70-80% من البذور، بينما تذوي البقية في صمت تحت التراب، ومعها تذهب أحلام المزارعين، وموارد المياه، وسبل العيش.
لكن ماذا لو استطعنا منح كل بذرة “بدلة نجات” ذكية، تحميها وتغذيها من لحظة سقوطها في التربة حتى تعلن انتصارها بشروقها نحو الشمس؟ هذا بالضبط ما تفعله ثورة الطلاء النانوي-الحيوي للبذور Nanobiocoat))
والفكرة هي محاكاة الطبيعة، بتقنيات المستقبل: لا تخترع هذه التكنولوجيا شيئًا جديدًا من العدم، بل تحاكي بذكاءٍ آليات حماية طبيعية موجودة في بذور بعض النباتات، وتُحسّنها بمقياس النانو.
ماذا تحتاج البذرة لتنجو؟
الحماية من هجمات الفطريات والبكتيريا في التربة. مع دفعة هرمونية ذكية لكسر سكونها في الوقت المناسب. وبعض من رطوبة مستدامة حتى تثبت جذورها. ويلازمها تغذية دقيقة في أيامها الأولى الحرجة. وينصرها حلفاء أحياء (بكتيريا نافعة) لتحمي محيطها وتغذيه.
فالمشكلة أن المعالجات التقليدية – مثل الطلاء بمبيد فطري – تقدم حلًا واحدًا (الحماية الجزئية) وتهمل كل الاحتياجات الأخرى. هنا يأتي دور النانو-حيوي.
ولنذهب إلي هذا التصميم الحديث : عمارة دقيقة على حافة النانو
تتكون هذه “العباءة الذكية” من طبقات متعددة الوظائف، كل منها مصمم بمقياس النانومتر (جزء من مليار من المتر): فالهيكل الواقي (السترة الخارجية): مصنوع من بوليمرات حيوية مستخرجة من قشور القشريات (الكيتوزان) والطحالب البحرية (الألجينات). يشكل هذا الهلام غلافًا مرنًا يلتصق بالبذرة، وينظم تبادل الرطوبة مع التربة، ويطلق مواد طبيعية طاردة للميكروبات.
مع الصيدلية المضمنة (ناقلات نانوية): داخل هذا الهلام، تُحَبَس هرمونات النمو (مثل الجبرلين) ومغذيات دقيقة (كالزنك والمنغنيز) داخل كبسولات نانوية من مواد قابلة للتحلل. هذه الكبسولات تُطلق حمولتها على مراحل: جرعة أولى لكسر السكون، ثم جرعات مستدامة لدعم نمو الجذور والساق.
وفرقة الاستجابة السريعة (الكائنات الدقيقة النافعة من حول الجذور نتجت من علوم التربة و الأراضي): يتم تجفيد بكتيريا مفيدة – مثل Bacillus subtilis و Pseudomonas fluorescens – ودمجها في الطلاء. عند أول ملامسة للماء، تنشط هذه البكتيريا لتحيط الجذور النامية، وتنتج مضادات حيوية طبيعية تحارب مسببات الأمراض، وتذيب المعادن في التربة لتجعلها متاحة للتغذية.
الدرع الوقائي (الجسيمات النانوية الفضية الحيوية): تُصنع جسيمات فضية نانوية باستخدام مستخلصات نباتية (كأوراق النيم)، وهي فعالة جدًا في القضاء على طيف واسع من الفطريات والبكتيريا الممرضة، بمعدل أقل من 1% من تركيز المبيدات الكيميائية التقليدية.
والأثر الناتج : أرقام واقعية من حقول التجارب
هذه ليست نظريات مخبرية، بل نتائج مبدئية واعدة من دراسات منشورة في مجلات محكمة: وصل معدل الإنبات: في دراسة على بذور الطماطم تحت إجهاد مائي، رفعت المعالجة النانوية-الحيوية معدل الإنبات من 65% إلى 94% (مجلة “Scientia Horticulturae”، 2021).
وتظهر قوة البادرة: في تجارب على القمح، زاد “مؤشر قوة البادرة” – الذي يجمع بين نسبة الإنبات وطول الجذور – بنسبة تصل إلى 37% مقارنة بالبذور غير المعالجة (مجلة “Frontiers in Plant Science”، 2022).
مع التغلب على الإجهاد: تحت ظروف الملوحة المعتدلة، سجلت بذور الفول المعالجة بنظام نانوي-حيوي انخفاضًا أقل بنسبة 50% في معدل الإنبات مقارنة بالمجموعة الضابطة (مجلة “Environmental Science: Nano”، 2020).
وهنا وصل الجانب المالي للأفراد والفلاحين في الاقتصاد في الموارد: يمكن لهذه التقنية أن تقلل كمية البذور المزروعة اللازمة لوحدة المساحة بنسبة 15-20%، لأنها تضمن إنباتًا أعلى وشتلات أكثر قوة. وهذا يوفر تكاليف التقاوي والمياه المستخدمة في الري الأولي.
لماذا تعتبر هذه نقلة حضارية؟ و الاجابة لأنها تقدم حلاً دائريًا وشاملاً:
ففي الجوانب المختلفة تتجليظلال المعرفة حيث بيئيًا: تقلل الاعتماد على الكيماويات الزراعية، وتستخدم مواد خام متجددة (نفايات بحرية ونباتية). و اقتصاديًا: تحول الخسارة في مرحلة الإنبات إلى ربح، وتزيد إنتاجية الوحدة الزراعية. و اجتماعيًا: تساهم في تحقيق الأمن الغذائي بجعل الزراعة أكثر مرونة في مواجهة التقلبات المناخية.
والجانب الأعظم تشابك العلوم والمعرفة والتكنولوجيا فعلميًا: تمثل اندماجًا راقيًا بين علم الأحياء الدقيقة، وتكنولوجيا النانو، وعلوم المواد، والزراعة الدقيقة.
إنها ليست مجرد “طلاء” للبذور، بل هي بيئة زراعية مصغرة ومحمولة، نمنحها للبذرة كهدية بقاء. نحن لا نغذي النبات بعد أن يكبر، بل نضمن له أن يولد قويًا، كي يواجه العالم وهو في أتمّ الاستعداد.
هذه العباءة الذكية ليست انتصارًا للتكنولوجيا على الطبيعة، بل هي محاولة متواضعة لفهم لغتها العميقة، ثم مساعدتها على أداء معجزتها بأقل خسائر ممكنة. لأن إنقاذ بذرة، هو في حقيقته، بداية لإنقاذ مستقبل.
المشهد العلمي والتجاري لتكنولوجيا النانو-حيوي للبذور: تحليل عربي وإفريقي ومصري
الوضع العلمي: بحث واعد بفجوة تنموية
على المستوى العربي: مراكز البحث الرائدة: تتركز الأبحاث المتقدمة في المملكة العربية السعودية (مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست”)، والإمارات (جامعة خليفة، مدينة مصدر)، وقطر (مؤسسة قطر). هذه المراكز تمتلك بنية تحتية متطورة وتنشر أبحاثاً في مجلات عالمية مرموقة.
البحث الأكاديمي المجزأ: في دول مثل الأردن، المغرب، تونس، مصر، توجد مجموعات بحثية قوية تنشر أبحاثاً جيدة، لكنها غالباً تفتقد للتكامل والتوجه نحو التطبيق التجاري. تكمن المشكلة في ضعف الربط بين الجامعات والقطاع الخاص.
الفجوة التكنولوجية: معظم الأبحاث العربية تركز على تحضير المواد النانوية وتوصيفها، بينما توجد فجوة في بحوث التطبيق الحقلي على نطاق واسع والدراسات الاقتصادية. هناك إنتاج علمي جيد من حيث الكم والنوعية، لكنه يتحول لمنتجات تجارية بنسبة ضئيلة.
و على المستوى الإفريقي: يوجد بؤر متفرقة للتميز: توجد مراكز بحثية واعدة في جنوب إفريقيا (معهد CSIR، جامعة بريتوريا)، وكينيا (معهد البحوث الزراعية والحيوانية KALRO)، ونيجيريا (معهد البحوث الزراعية IAR ). هذه المراكز تركز على تطبيقات ملائمة للظروف المحلية.
و التحدي الكبير: يعاني القطاع البحثي في معظم البلدان الإفريقية من ضعف التمويل، ونقص البنية التحتية المتطورة (مثل أجهزة التوصيف النانوي المتقدمة)، وهجرة العقول إلى الدول الغربية أو الخليج.
الفرصة الذهبية: مع وجود 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة في العالم في إفريقيا، وتأثر القارة بشدة بتغير المناخ، أصبحت تكنولوجيا مثل النانو-حيوي للبذور ضرورة استراتيجية وليست ترفاً. البرامج الدولية (مثل برامج الاتحاد الأوروبي وUSAID) ) توجه تمويلاً متزايداً لهذا المجال.
بينما الوضع التجاري والاستثماري: سوق ناشئ بفرص هائلة. وفي السوق العربي: بين احتكار الاستيراد وبدايات التصنيع المحلي:
وفي الهيمنة الخارجية: تهيمن شركات عالمية مثل باير (Bayer)، وسينجينتا (Syngenta)، وكورتيفا Corteva) )على سوق معالجات البذور في المنطقة، مستغلة غياب منتجات عربية منافسة.
علي الجانب الأخر بدايات التصنيع المحلي: في السعودية والإمارات، بدأت شركات ناشئة في مجال التقنية الحيوية الزراعية في الظهور، مدعومة برأس مال جريء واهتمام حكومي (مثل برنامج “الاستثمار في التقنية الحيوية” السعودي).
و الوضع في المغرب ومصر، توجد شركات متوسطة تعمل في مجال المخصبات الحيوية التقليدية، وتبدأ في استكشاف دمج تقنيات النانو، لكنها تواجه تحديات في رفع رأس المال والتوسع.
فتواجه عقبة التنظيم: لا توجد في معظم الدول العربية أطر تنظيمية واضحة لتسجيل وتداول المنتجات النانوية الزراعية، مما يبطئ دخولها للسوق.
وبجولة في السوق الإفريقي: حاجة ماسة وتحديات بنيوية: يوجد حجم الطلب الضخم: مع ما يقرب من 33 مليون مزارع صغير في إفريقيا جنوب الصحراء، هناك سوق شاسع لأي تقنية ترفع الإنتاجية وتوفر الموارد. التقنيات الذكية والصغيرة الحجم مناسبة جداً للمزارع الصغيرة.
عقبات التوزيع والتكلفة: فالبنية التحتية: شبكات التوزيع ضعيفة، خاصة في المناطق الريفية النائية. وبلوغ التكلفة الأولية: قد يكون سعر البذور المعالجة بتقنيات متطورة عائقاً أمام المزارع الفقير، رغم عائدها الاقتصادي على المدى المتوسط. علي الجانب الأخرالثقة: يحتاج المزارعون إلى برامج إرشاد وتجارب حقلية مرئية لبناء الثقة في التقنية الجديدة. وأخيرا نماذج الأعمال المبتكرة: تظهر شركات ناشئة تستخدم نماذج مثل “الدفع حسب النتيجة” أو التأجير لجعل التكنولوجيا في المتناول. كما تتعاون بعضها مع منظمات غير حكومية لتحقيق أثر اجتماعي.
مصر: بين الإمكانيات الهائلة ومعوقات التحول
الإمكانيات والمزايا:
القاعدة البحثية: تمتلك مصر أكبر كثافة من العلماء والمهندسين الزراعيين في المنطقة العربية وإفريقيا، عبر مراكز مثل مركز البحوث الزراعية (ARC)، والمركز القومي للبحوث (NRC)، وجامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية وجامعات خاصة وأهلية أخري.
الأرض والتجربة: 3.1 مليون هكتار من الأراضي الزراعية (طبقاً لبيانات منظمة الفاو) وموسم زراعي متعدد، يوفران مختبراً طبيعياً ضخماً للتجارب.
وفي مصرأيضا لهيب الناريمشي ملكا ومعه الضرورة الملحة: مع نقص المياه (حصة الفرد من المياه العذبة أقل من خط الفقر المائي العالمي) والملوحة المتزايدة للأراضي (تؤثر على أكثر من 30% من الأراضي الزراعية)، أصبحت التقنيات الموفرة للمياه والمقاومة للإجهاد، مثل النانو-حيوي، قضية أمن قومي.
لكن الحواجز تمنع كساء وملابس البذور من التطبيق منها هذه التحديات والمعوقات: التجزؤ المؤسسي: تعمل المراكز البحثية في صوامع منعزلة، مع ضعف التنسيق بين وزارة الزراعة، ومراكز البحوث، والجامعات، والقطاع الخاص.
وبه أيضا فجوة التمويل: البحث: التمويل الحكومي للبحث العلمي لا يزال ضعيفاً (حوالي 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي مع هيئة العلوم والتكنولوجيا STDF يرتفع الرقم بعض الشيئ، مقارنة بـ 2.5% في إسرائيل مثلاً).
ويشد جذرالتحول التجاري: شبه انعدام لرأس المال الجريء (Venture Capital) المُتخصص في التكنولوجيا الزراعية العميقة (Deep Agritech). معظم الاستثمار موجه للتطبيقات الرقمية والتسويقية.
كما إن ستارة الليل من الإطار التنظيمي البطيء: لا توجد لوائح سريعة وواضحة من الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات أو وزارة الزراعة لتسجيل منتجات نانوية زراعية جديدة، مما قد يستغرق سنوات.
وعندما يحل النهار العثماني التاريخي في ثقافة المخاطرة: غياب ثقافة دعم الشركات الناشئة التقنية في الوسط الأكاديمي والحكومي، وتركيز كثير من الباحثين على النشر العلمي فقط دون النظر للتطبيق.
وهنا نبذر الشوق ونمنع الشك من النقد إلي البناء فالمسار المقترح لمصر لقيادة المنطقة: بداية إنشاء تحالف وطني: يجمع مركز البحوث الزراعية، وأكاديمية البحث العلمي، وقطاع الأعمال العام (مثل شركة النصر للأسمدة)، ورواد أعمال التكنولوجيا الزراعية تحت مظلة مشروع وطني واحد.
مع تخصيص صندوق استثماري حكومي-خاص: مخصص لتمويل التحول من براءة الاختراع إلى النموذج الأولي، ثم إلى الإنتاج التجريبي. ويلح الفجربإصدار لائحة تنظيمية سريعة وسلسة: من خلال اللجنة الوطنية للتقانة النانوية بالتعاون مع وزارة الزراعة، لخلق مسار سريع لتسجيل المنتجات النانوية-الحيوية.
والتخطيط السريع لاستهداف الأسواق الإفريقية والعربية: عبر تقديم حلول مصرية معبأة (بذور + تكنولوجيا + إرشاد) تناسب الظروف المتشابهة في السودان، إثيوبيا، ودول الخليج.
وخلاصة الموضوع في العالم العربي وإفريقيا على أعتاب ثورة في هذا المجال. من سيقودها؟ ستكون الدولة التي تدرك أن المعركة ليست فقط في المختبر، بل في ربط البحث بالسوق، والتغلب على العقود البيروقراطية، وخلق شراكات جريئة تجمع العقل العلمي بالحس التجاري. مصر، بثقلها العلمي والزراعي، مؤهلة لأن تكون محور هذه الثورة، إذا تجاوزت فجوة التحول من “ورقة بحثية” إلى “منتج على رف المزارع”.
وفي الختام حان وقت البذرة الذهبية
في كل بذرة تكمن خريطة لمستقبل، وورقة رهان على غد أفضل. واليوم، لم تعد هذه المقولة مجازاً أدبياً، بل حقيقة علمية وتجارية قابلة للقياس والتنفيذ. لقد انتقلنا من زراعة الأرض إلى هندسة الحياة في مستهلها، ومن معالجة أعراض الضعف إلى تصميم البداية القوية.
أيها المستثمر العربي والمصري،
إنكم لا تنظرون إلى مجرد “طلاء للبذور”، بل إلى اقتصاد كامل ناشئ. أمامكم سوق عربية تستهلك ملايين الأطنان من التقاوي سنوياً، وقارة إفريقية تبحث عن حلول جذرية لأمنها الغذائي. الفرصة ليست في بيع منتج، بل في تقديم نظام إنقاذ للموسم الزراعي كله. العائد ليس فقط مادياً، بل هو رأس مال من السيادة التكنولوجية والريادة الإقليمية. استثماركم اليوم في هذه التقنية هو شراكة في كتابة فصل جديد من فصول التنمية، يكون فيه العلم هو اللغة، والاستدامة هي العملة.
أيها الباحث المصري والعربي،
إن أبحاثكم في المختبرات ليست أرقاماً على أوراق، بل هي أدوات تغيير في أرض الواقع. العالم يحتاج إلى عقولكم التي تفهم خصوصية تربتنا، ومناخنا، وتحدياتنا. لا تنتظروا من يأتي بفكرته لتنفذوها؛ فأنتم أصحاب الفكرة والقدرة. اخرجوا من برج المختبر إلى حقل المزارع، واستمعوا لشكواه، واجعلوا بحثكم إجابة عملية. تاريخنا العلمي الحافل يدعونا اليوم لإضافة إنجاز نُصدره للعالم: تقنية مصرية خالصة، تزرع الأمل في التربة الأصيلة.
وأنتِ يا مصر،
أرض العلوم والحضارات، أنتِ مؤهلة لأن تكوني عاصمة الزراعة الذكية في المنطقة. لديكِ العقول، ولديكِ الأرض، ولديكِ التحدي الذي يولد الابتكار. ليس المطلوب معجزة، بل إرادة. إرادة لربط مراكز البحث بالمصانع، والأكاديميين برواد الأعمال، والتمويل الحكومي بجرأة القطاع الخاص. لم يعد مقبولاً أن تظل أفكار أبنائك حبيسة الأدراج، بينما نستورد الحلول من وراء البحار.
البداية من البذرة. والنهاية؟ النهاية هي حقول قمح تمتد بلا نهاية في الصحراء، وواحات نخيل تتحدى الملوحة، ووجوه مزارعين تشرق بثقة أن غداً سيكون أفضل من أمس.
لنزرع اليوم بذرة التكنولوجيا، لنحصد غداً جيلاً من القادة، وواحة من الازدهار، وسيادة غذائية تكون فيها أمتنا هي المعطية لا الآخذة.
إنها أكثر من تقنية… إنها عهد جديد نكتبه بذكاء أجدادنا، وعزيمة أبنائنا، وإيمان بمستقبل نصنعه بأنفسنا.



