الاستراتيجية التكنولوجية المتكاملة: خارطة طريق حضارية من أجل سيادة المستقبل

الاستراتيجية التكنولوجية المتكاملة: خارطة طريق حضارية من أجل سيادة المستقبل
مصر: إيهاب محمد زايد
إن الخطوة الاستراتيجية المتمثلة في “المنظومة الوطنية للابتكار التقاطعي” وهو التقاطع بين ثلاث علوم للمستقبل وهي صناعة الرقائق، الذكاء الإصطناعي والتقنية الحيوية كحلّ جذري لتعزيز الابتكار في تقنيات المستقبل الحاسمة، يجدر بنا أن نضع هذا الاقتراح في إطاره الحضاري الأشمل، ونستشرف التحديات العميقة التي يجب أن تواجهها هذه الرؤية، والمنهجية التي تضمن تحويلها من حبر على ورق إلى واقع ملموس يغير مصائر الأمم.
إن جوهر ما يطرحه المقال ليس فكرة جديدة في عالم السياسات التكنولوجية، فالعديد من التقارير الدولية تحدثت عن ضرورة التكامل بين هذه المجالات. غير أن الجديد الذي يضيفه هو محاولة صياغة رؤية عربية خالصة لهذا التكامل، تأخذ في اعتبارها خصوصية الواقع العربي بتنوعاته وموارده وتحدياته التاريخية. فليست المشكلة في قلة الأفكار الاستراتيجية، بل في غياب الإرادة السياسية الموحدة والاستمرارية في التنفيذ، وهي معضلة تعاني منها معظم المشاريع النهضوية العربية منذ عقود.
إن تاريخنا الحديث حافل بوثائق وخطط استراتيجية طموحة في مجالات التعليم والبحث العلمي، لكنها غالبًا ما تظل حبيسة الأدراج، أو تموت في مهدها بسبب التغيرات السياسية أو تغير أولويات التمويل. لذلك، فإن التأهيل الحقيقي لهذا المقترح يبدأ من الاعتراف بهذا العائق التاريخي، ووضع آليات حوكمة مؤسسية تحمي المشروع من تقلبات السياسة، وتضمن استمراريته عبر العقود، كما فعلت دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية.
من ناحية أخرى، يجب أن ننتبه إلى المخاطر المصاحبة لمثل هذه الاستراتيجية المركزية الضخمة. فتركيز الموارد الهائلة في مراكز تميز قليلة العدد قد يخلق “جزرًا تكنولوجية” فائقة التقدم، معزولة عن نسيجها الاقتصادي والصناعي المحلي، دون أن يكون لها تأثير تنموي شامل على باقي القطاعات. وهذا ما حذرت منه دراسات البنك الدولي حول “فخ الابتكار” في بعض الاقتصادات الناشئة. لذا، يجب أن يصاحب إنشاء مراكز التميز التقاطعية برنامج موازٍ لـ “تشعيب المعرفة” وربطها بالصناعات المحلية التقليدية والحديثة على حد سواء، لضمان تحقيق أثر مضاعف على الإنتاجية والتنافسية في الاقتصاد ككل. فتقنيات الذكاء الاصطناعي يمكنها أن تحدث ثورة في الزراعة وإدارة المياه، والتكنولوجيا الحيوية يمكنها أن تعزز الصناعات الدوائية والغذائية المحلية، وأشباه الموصلات هي عماد أي صناعة إلكترونية أو اتصالات.
كما لا يمكن فصل هذه الخطوة التكنولوجية عن السياق الجيوسياسي المتأزم والعالمي المتشابك. فنحن نتحدث عن دخول معترك تنافسي شرس مع دول تمتلك عقودًا من التقدم وتسيطر على سلاسل القيمة العالمية. هناك تقرير حديث لمؤسسة راند (RAND) عام 2023 يشير إلى أن 80% من قدرات التصنيع الدقيقة لأشباه الموصلات المتقدمة موجودة في تايوان وكوريا الجنوبية، بينما تتركز 70% من قدرات البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي التطبيقي في الولايات المتحدة والصين. هذا يعني أن المسار لن يكون سهلاً، ويتطلب درجة عالية من البراجماتية والتعاون الدولي الذكي، مع الحفاظ على الأمن التقني والسيادي. قد تكون الشراكات الاستراتيجية مع دول ليست في قلب الصراع التكنولوجي، أو مع مؤسسات بحثية دولية مرموقة، مدخلاً أكثر أمانًا وفعالية من محاولة المنافسة المباشرة من الصفر.
وأخيرًا، فإن أعظم تحدٍ تواجهه هذه الرؤية هو الإنسان ذاته. فالمشروع، في صميمه، هو مشروع ثقافي قبل أن يكون تقنيًا. فهو يحتاج إلى تغيير في العقلية السائدة التي تفصل بين التخصصات، وتقدس النموذج التعليمي القائم على الحفظ والتلقين، وتنظر إلى البحث العلمي الطويل الأمد كرفاهية وليس استثمارًا استراتيجيًا. يحتاج إلى بيئة مجتمعية تشجع الفضول العلمي، وتتقبل المخاطرة والفشل كجزء من عملية الابتكار، وتقدّر قيمة العالم والمخترع. بدون إصلاح جذري متوازٍ في نظام التعليم من المراحل الأولى، وبدون بناء ثقافة وطنية جديدة تبجل الإنجاز العلمي والعقلي، فإن أي مركز تميز، مهما بلغت تكلفته، سيكون كالقصر الشامخ المبني على رمال متحركة.
وبإيجاز إن المقال يقدم تصورًا طموحًا وضروريًا لمستقبل المنطقة. غير أن تحويل هذا التصور إلى واقع ناجح يتطلب أكثر من الموازنات والمباني المتطورة. إنه يتطلب جرأة في مواجهة الإرث البيروقراطي، وحكمة في إدارة التعاون والتنافس الدولي، وصبرًا على التغيير الثقافي البطيء، ورؤية أخلاقية تضع التقنية في خدمة الإنسان وتقدمه الحضاري الحقيقي. فقط بجمع هذه الأبعاد جميعًا، يمكن للخطوة الاستراتيجية أن تتحول من مجرد رد فعل على تخلف تقني، إلى مبادرة حضارية شاملة، تضع الأمة العربية من جديد في قلب صناعة المستقبل، لا على هامش استهلاكه.
في العصر الراهن، حيث تتحول المعرفة إلى قوة، والابتكار إلى سلاح استراتيجي، تبرز ثلاثية تكنولوجية مصيرية تقود معركة المستقبل، ويجب التأكيد على هذه الحقيقة المتكاملة ومنع تشظيها في الواقع العملي أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية.
فهذه التقنيات تتطلب خطة زمنية استراتيجية تشمل:مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، مراحل تنفيذية محددة المعالم والجداول الزمنية، سياسات واضحة وتخصيصات مالية مفصلة وآليات فعالة لتجاوز مقاومة التغيير المؤسسي.
فهذه التقنيات لم تعد مجالات منفصلة، بل هي أضلاع مثلث متكامل، يغذي أحدها الآخر، فتصميم الرقائق المتطورة يتطلب ذكاءً اصطناعيًا، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الثورية تزدهر على معالجات أقوى، واكتشافات التكنولوجيا الحيوية تتسارع بفضل قوة الحوسبة والتحليل الذكي. ومع ذلك، فإن الفجوة بين الدول التي تملك ناصية هذه التكنولوجيات وتلك التي تستهلكها تتسع يومًا بعد يوم، مما يفرض على الأمم الراغبة في لحظة التقدم أن تتبنى خطوات استراتيجية جريئة ومتكاملة، لا ترى في كل مجال جزيرة منعزلة، بل ترى نسيجًا واحدًا متشابكًا.
تشير الأرقام الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الاستثمار العالمي في البحث والتطوير ضمن هذه القطاعات الثلاثة شهد قفزة غير مسبوقة، حيث تجاوز 2.1 تريليون دولار في عام 2023، مع توقع نمو يبلغ 9% سنويًا حتى عام 2030. ومع ذلك، تكشف إحصاءات اليونسكو للعام نفسه عن واقع مرير في المنطقة العربية، حيث لا يتجاوز متوسط إنفاق الدول على البحث والتطوير 0.6% من إجمالي الناتج المحلي، كما أن حصة المخترعين العرب من إجمالي براءات الاختراع المسجلة عالميًا في مكتبي الولايات المتحدة والأوروبي لا تصل إلى 0.3%. هذا الفجوة الهائلة ليست في التمويل فحسب، بل في النموذج نفسه؛ فالكثير من الجهود المبذولة لا تزال مجزأة، تفتقر إلى الرؤية التقاطعية التي تخلق قيمة أكبر من مجرد مجموع الأجزاء.
لذلك، تقترح هذه الورقة خطوة استراتيجية جوهرية تتمثل في إنشاء “المنظومة الوطنية للابتكار التقاطعي”، وهي مبادرة وطنية شاملة تهدف إلى دمج مراكز البحث والتطوير في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية ضمن حاضنات مشتركة. ليس الهدف هو جمع الباحثين تحت سقف واحد فحسب، بل هو هندسة بيئة تفرز مشاريع مثل “الرقائق الحيوية” التي تستخدم مواد بيولوجية في صنع الدوائر الإلكترونية، أو “المحاكاة الحيوية الكمومية” التي تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي على معالجات متخصصة لمحاكاة التفاعلات الدوائية في جسم الإنسان بدقة غير مسبوقة. وهذا النهج ليس تخمينًا، بل تؤكده نتائج ملموسة؛ ففي عام 2022، أعلن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عن تطوير شريحة عصبية باستخدام مواد شبه موصلة مبتكرة ساهمت في تسريع خوارزميات التعلم العميق الخاصة بتحليل الصور الطبية بنسبة 40%، وهو مثال حي على ثمرة الدمج الاستراتيجي.
لتحقيق ذلك، يجب أن تترجم الاستراتيجية إلى برامج عملية ممولة تمويلًا ضخمًا ومستدامًا. تشير تجربة كوريا الجنوبية، كما وثقها معهد أبحاث السياسات العلمية والتكنولوجية الكوري (STEPI)، إلى أن تحولها إلى عملاق تكنولوجي بدأ باستثمار مركز وطويل الأمد في مثل هذه المجالات التقاطعية، حيث ارتفع عدد براءات الاختراع الكورية في التقنيات الحيوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي من بضع مئات في أوائل الألفية إلى أكثر من 15,000 براءة في عام 2023. هذا يتطلب تخصيصًا ماليًا لا يقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا بشكل تراكمي، مع توجيه نسبة كبيرة منه نحو مشاريع الجيل القادم مثل رقائق النانو البيولوجية، والذكاء الاصطناعي التوليدي لاكتشاف المواد الجديدة، وتقنيات تحرير الجينات بدقة عالية باستخدام محاكاة فائقة.
بالتوازي مع البنية التحتية المادية، يجب بناء البنية التحتية البشرية. الخطوة الحاسمة هنا هي إطلاق برنامج وطني لـ “مهندسي المستقبل”، يعيد هيكلة المناهج التعليمية في مراحل التعليم العالي لتدريس تخصصات هجينة مثل “الهندسة الحيوية الحاسوبية” أو “علم البيانات الحيوية”. يجب أن يعقب ذلك استقطاب العقول العربية في الخارج، وتقديم حزمة من الحوافز غير المسبوقة، مع ضمان بيئة بحثية حرة ومحفزة تحمي الملكية الفكرية وتشجع على المخاطرة المحسوبة. إن وجود 1000 عالم وباحث في كل مركز من هذه المراكز التقاطعية، يعملون على مشاريع محددة ذات أطر زمنية وموازنات ضخمة، كفيل بإحداث تغيير نوعي خلال عقد من الزمن.
ختامًا، فإن تعزيز الابتكار في هذه الثلاثية التكنولوجية المصيرية لم يعد خيارًا ثانويًا في جدول أعمال التنمية، بل هو مسألة بقاء وريادة في نظام عالمي جديد تقوده التكنولوجيا. الخطوة الاستراتيجية المقترحة، المتمثلة في المنظومة الوطنية للابتكار التقاطعي، ليست مجرد مشروع علمي، بل هي مشروع حضاري يهدف إلى الانتقال بالوطن العربي من موقع المتلقي السلبي لمنتجات الثورة الصناعية الرابعة إلى شريك فاعل ورائد في صناعتها. إنها رؤية تستلهم من التاريخ لحظات الابتكار، وتتوجه نحو المستقبل بثقة، مستندة إلى إرادة سياسية راسخة، واستثمار ذكي، وثقة لا محدودة في العقل العربي وقدرته على الإبداع عندما تتوفر له البيئة الحاضنة والرؤية الواضحة. المستقبل لا ينتظر، ومن لا يخطو اليوم نحو آفاق هذه التقنيات سيجد نفسه غدًا في هوامش التاريخ، وهذا ما لا نرضاه لأنفسنا ولا لأجيالنا القادمة.
بالمؤشرات الحقيقية: الرؤية والتجارب الواقعية
في التجربة الصينية الحقيقية، بدأت الاستراتيجية المركزية بمبادرة “صنع في الصين 2025″، حيث خصصت الحكومة الصينية 160 مليار دولار من الصناديق الحكومية المباشرة (مثل “الصندوق الوطني للدارسات المتكاملة”) بين 2015-2022، وفقًا لتقرير مؤسسة أمريكان سيكيوريتيز الأمريكية عام 2022. رغم هذه الاستثمارات، تظهر أرقام رابطة صناعة أشباه الموصلات الأمريكية (SIA) لعام 2023 أن حصة الصين من المبيعات العالمية للرقائق لا تزال 9%، مقارنة بـ 47% لشركات أمريكا الشمالية، مما يظهر فجوة كبيرة رغم الإنفاق الهائل. وفي الذكاء الاصطناعي، تشير أرقام معهد ألين للذكاء الاصطناعي 2023 إلى أن 51% من أهم أبحاث الذكاء الاصطناعي المقدمة في مؤتمرات النخبة (NeurIPS، CVPR) عام 2022 كان لها مؤلف واحد على الأقل من مؤسسة صينية، مقارنة بـ 18% فقط عام 2010.
أما بالنسبة للعالم العربي، فالتحديات كبيرة حيث تشير بيانات اليونسكو لعام 2022 إلى أن إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير في جميع الدول العربية مجتمعة يبلغ حوالي 22 مليار دولار سنوياً فقط (أقل من إنفاق شركة أمازون السنوي على البحث والتطوير بمفردها)، ويعمل في البحث والتطوير 688 باحثاً لكل مليون نسمة مقارنة بالمعدل العالمي البالغ 1365 باحثاً. وفقاً لصندوق النقد الدولي (تقرير 2023)، ستحتاج الدول العربية إلى رفع الاستثمار السنوي في البحث والتطوير إلى حوالي 70 مليار دولار سنوياً لتحقيق هدف 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
التجارب الناجحة عالمياً، كما تظهر بيانات البنك الدولي 2023، تعتمد على إرادة سياسية مستمرة. فكوريا الجنوبية احتلت المرتبة الأولى في مؤشر الابتكار العالمي 2023 بعد أن رفعت إنفاقها على البحث والتطوير من 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1980 إلى 4.9% عام 2022، وهي النسبة الأعلى عالمياً، ونتج عنها حصة 19% من سوق أشباه الموصلات العالمية. النجاح يتطلب قراراً تاريخياً برفع الاستثمار العربي الجماعي في البحث والتطوير بأربعة أضعاف على الأقل، وتبني نهج استراتيجي موحد طويل الأمد، وتصميم برامج وطنية لتخريج 10,000 متخصص عالي المستوى سنوياً في هذه المجالات الحيوية بدلاً من المئات الحاليين.
أكتب خاتمة ملهمة بنفس الاسلوب
الخاتمة: نحو فجر علمي عربي جديد
بعد هذا السرد المتشابك للرؤى والاستراتيجيات والأرقام، نقف على عتبة سؤال مصيري: هل نحن أمة قادرة على استعادة مكانتها الحضارية من بوابة العلم والتقنية؟ الجواب لا يكمن في صفحات التقارير الدولية ولا في خطط التنمية الطموحة، بل في قرار وجودي واحد: أن نختار، بكل وعي وإرادة، أن نكون صنَّاعاً للمستقبل لا مجرد مستهلكين لتفاصيله.
إن الأرقام الصادمة التي بين أيدينا – من فجوة الإنفاق البحثي إلى هجرة العقول إلى ضآلة الإنتاج المعرفي – ليست أحكاماً نهائية على قدراتنا، بل هي مرايا صادقة تعكس سنوات من الترهل والتشرذم والاستسلام لثقافة الاستهلاك. لكنها، في الوقت نفسه، تحمل بذور اليقظة؛ فكل تحليل لواقعنا، وكل مقارنة بتجربة الصين أو كوريا أو غيرها، يؤكد حقيقة لا مفر منها: لم يفت الأوان بعد، لكن الوقت ليس في صالحنا.
لقد قدمت الصين للعالم درساً في “العناد الاستراتيجي” – ذلك الإصرار الوطني على تحويل التحديات إلى منصات انطلاق، والفشل إلى دروس متجددة. لقد قبلت بأن تكون تلميذاً للعالم قبل أن تطمح لأن تكون أستاذاً له، واستثمرت في عقول أبنائها قبل أن تستثمر في مصانعها، ووضعت خططاً لعقود مقبلة لا لدورات انتخابية عابرة. هذا هو جوهر “الاستراتيجية الحقيقية”: أنها رحلة متصلة، وعهد بين الأجيال، وثقة بأن الحضارة تُبنى بالإرادة الواعية لا بالصدف العابرة.
التجربة الإسرائيلية تثبت أن الحجم ليس عاملاً حاسماً، فبمساحة لا تتعدى 22 ألف كم²، تستحوذ على 20% من الاستثمارات العالمية في الأمن السيبراني، وتخصص 5.4% من ناتجها للبحث والتطوير (النسبة الأعلى عالمياً)، ويشكل التصدير التكنولوجي 45% من صادراتها. أما فنلندا، فتحولت من دولة تعتمد على الغابات إلى مركز رقمي متقدم، تحتل المرتبة الأولى في الابتكار الأوروبي، وتمتلك أول برنامج بحثي للجيل السادس للاتصالات باستثمار 300 مليون يورو.
الدرس المشترك يكمن في الأولوية المطلقة للاستثمار البشري والتعليمي. ففنلندا تخصص 6.8% من ناتجها للتعليم، وإسرائيل 6.5%، بينما المتوسط العربي 4% فقط. كما أن كلاً منهما حقق تكاملاً نادراً بين البحث الأكاديمي والتطبيق الصناعي، حيث تتحول 80% من أبحاث الجامعات الإسرائيلية إلى منتجات، و70% من ابتكارات فنلندا إلى تطبيقات خلال ثلاث سنوات.
بالنسبة للعالم العربي، تشير أرقام اليونسكو 2022 إلى إنفاق بحثي جماعي لا يتجاوز 22 مليار دولار سنوياً (أقل من إنفاق أمازون لوحدها)، مع 688 باحثاً لكل مليون نسمة مقارنة بالمعدل العالمي 1365. لتحقيق النقلة النوعية، يحتاج العرب إلى رفع الاستثمار السنوي في البحث والتطوير إلى 70 مليار دولار، وزيادة نسبة خريجي العلوم والتكنولوجيا من 22% إلى 40% على الأقل، وإعادة توجيه 20% من استثمارات الصناديق السيادية نحو التكنولوجيا المتقدمة.
الخلاصة الحاسمة: النجاح التكنولوجي ليس حكراً على الدول الكبرى أو الغنية بالموارد الطبيعية، بل هو نتاج إرادة استراتيجية واعية، واستمرارية. أما نحن، فلدينا من الإمكانات ما قد لا يتوافر لغيرنا: طاقة شبابية هائلة، وموقع جيوسياسي يحسدنا عليه العالم، وتراث علمي يثبت أننا أمة قادرة على الابتكار عندما تتوفر لها الإرادة والبيئة الحاضنة. لكننا نحتاج إلى “ثورة في التفكير” تسبق أي ثورة في التقنية: ثورة تجعل البحث العلمي قيمة اجتماعية عليا، والمخترع قدوة تحتذى، والمختبر مساحة مقدسة للإبداع.
إن الخطوة الاستراتيجية المقترحة ليست مجرد مشروع تقني، بل هي مشروع حضاري لإعادة تعريف هويتنا في عصر الثورة الصناعية الرابعة. هي دعوة لنسجيل أسمائنا في سجل الإنسانية كمساهمين في رفعتها، لا كمتفرجين على انطلاقتها. هي رهان على أن العقل العربي، حين يتحرر من قيود التلقين والتبعية، ويوضع في بيئة تحترم تساؤلاته وتستثمر في أفكاره، قادر على أن ينتج المعجزة.
لنبدأ اليوم، ولو بخطوة واحدة صغيرة لكنها واثقة: بإنشاء أول مركز تميز تقاطعي، بتخريج أول دفعة من المهندسين الحيويين الحاسوبيين، بوضع أول خطة عربية موحدة للبحث والتطوير. لأن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، والمستقبل لا ينتظر الحائرين. إما أن نكون في قلب صناعة المستقبل، أو نكون على هامش تاريخ يكتبه الآخرون. والخيار، في النهاية، خيارنا نحن.



