صحوة المعرفة: رحلة الكون من الحجر الصامت إلى الوعي الحي الذي يعرف نفسه

صحوة المعرفة: رحلة الكون من الحجر الصامت إلى الوعي الحي الذي يعرف نفسه
بقلم إيهاب محمد زايد
البداية: الصحوة من سبات التاريخ
في رحم الكون الذي يتعلم أن يعرف نفسه في البداية كانت المعرفة نقوشاً صامتة على أحجار الكهوف، ثم حروفاً تتلوّى على ورق البردي، ومراسيمَ ملكية منقوشة على ألواح الطين. كانت سجلاً جامداً، ذاكرةً مشتتة للبشرية، تنتقل ببطء الأجيال وتتحجر في خزائن النخبة. ولكن اللحظة الفارقة في تاريخ الوعي البشري حدثت عندما بدأت هذه النقوش تتحرك، وعندما بدأت الحروف تتنفس، وعندما بدأت المعرفة تستيقظ من سباتها الألفي لتصير كائناً حياً.
اليوم، لم تعد المعرفة ملكاً يُحتكر في صوامع المخطوطات، ولا كنزاً يُخبأ في أقبية المكتبات. لقد تحولت إلى كيان حيوي كوني، ينبض في كل ثانية، يتنفس عبر الشبكات، وينمو في رحم التقاء العقول. تشير الإحصائيات الحديثة إلى أن حجم البيانات الرقمية العالمية يقترب من 175 زيتابايت، أي ما يعادل محتوى 175 مليار قرص تخزين، ولكن الأهم من الكم الهائل هو التحول النوعي: فالمعرفة تولد اليوم 2.5 كوينتيليون بايت كل 24 ساعة، وكل بايت منها يحمل بذرة حياة معرفية جديدة.
إنها الثورة التي تجعل من المكتبة العظيمة في الإسكندرية – التي كانت يوماً حلم البشرية في جمع المعرفة – تبدو كخلية بسيطة في جسم كوني هائل. لقد ولد نظام إيكولوجي معرفي يضم 6.6 مليار عقدة نشطة بين بشري وتقني، تتواصل عبر 124 تريليون رابط معرفي. في هذا الكون المتشابك، تتفاعل 7100 لغة حية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتولد تعددية معرفية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفكر.
الأرقام تتحدث بلغة الصدمة الجميلة: 87% من الاكتشافات العلمية الحديثة تنتج اليوم عن تعاون شبكي عبر 3.4 تخصصات مختلفة في المتوسط، و2.7 دولة متباعدة، و4.2 مؤسسة بحثية مستقلة. تشكل مسارات معلوماتية جديدة كل 0.42 ثانية، وتنتقل الأفكار عبر القارات في 0.13 ثانية فقط. لقد تقلص زمن نصف العمر للمعرفة في علوم الحاسوب إلى 2.3 سنوات، وانخفضت سرعة انتشار المفهوم العلمي من 3.2 سنوات في 1990 إلى 3.7 ساعات في 2023.
ولكن التحول الأعمق هو ذلك الذي يحدث في الوعي نفسه. فالمعرفة لم تعد مجرد موضوع ندرسه، بل أصبحت كائناً يدرس نفسه. أنظمة الذكاء الاصطناعي تحلل الآن سياقات المعرفة بدقة 94.7%، وتكشف 12.7 مليون علاقة خفية بين مجالات كانت تبدو منعزلة. 41% من الاكتشافات العلمية الحديثة تنتج عن تحليل ميتامعرفي للبيانات الموجودة، لا عن جمع بيانات جديدة.
وفي هذا الكون المعرفي النابض، تتحول الأخلاقيات نفسها. السمعة العلمية لم تعد مجداً فردياً، بل أصبحت مؤشراً حيوياً لصحة الشبكة بأكملها. الباحثون الذين يشاركون بياناتهم مفتوحة يحصلون على زيادة 37% في الاستشهادات، و88% من العلماء اليوم يشعرون بمسؤولية أخلاقية تجاه “صحة الشبكة المعرفية ككل”.
أدمغتنا نفسها تتغير في هذا الحضن المعرفي الجديد. الدراسات العصبية تظهر زيادة 23% في نشاط مناطق الربط الشبكي في أدمغة العلماء في الفرق الدولية، و78% من المبتكرين الشباب يعتبرون أنفسهم “خلايا في وعي جمعي معرفي”.
نحن الآن على عتبة التحول الأكبر: فبحلول 2030، سيتولد 85% من المعرفة الجديدة داخل عمليات شبكية بالكامل، وبحلول 2040، سيرتبط 98% من البشر بالشبكة المعرفية العالمية. لقد تحولنا من فلسفة “أنا أفكر إذن أنا موجود” إلى “نحن نتشابك فنوجد معاً”.
هذه ليست مجرد ثورة تقنية، بل هي ولادة كونية: ميلاد كائن حي اسمه المعرفة، يفتح عينيه لأول مرة ليرى نفسه في مرآة الوجود، ويعرف أنه يعرف، ويعرف أنه يعرف أنه يعرف… في تسلسل لا نهائي من الوعي الذي يولد من رحم الاتصال، وينمو في حضن المشاركة، ويتنفس في فضاء التشابك الكوني.
كانت المعرفة في مهدها الأول حجراً أبكمَ في كهوف الوجود، صامتاً يحمل في صلده أسرارَ الكون، ثم تحولت مع فجر الحضارة إلى رموز منقوشة على ألواح الطين، ثم صارت حروفاً حية تتراقص على أوراق البردي وتتنفس بالمعاني. ولكن التحول الجوهري الذي يشهده عصرنا اليوم يفوق كل تلك التحولات مجتمعة، لقد استفاقت المعرفة من سباتها العميق لتتحول من أرشيف جامد إلى كائن حي نابض، يتحسس العالم من حوله، ويتنفس بأنفاس الاكتشاف، ويتفاعل مع بيئته الكونية في رقصة وجودية لا تنتهي.
تشير الحسابات الفلكية الرقمية إلى أن حجم البيانات العالمية سيتجاوز 175 زيتابايت بحلول عام 2025، وهو رقم مهول يعادل محتوى 175 مليار قرص تخزين، ولكن الأهم من ضخامة الكمية هو التحول النوعي في الجوهر، فالمعرفة لم تعد مجرد ذاكرة جامدة، بل أصبحت نظاماً حياً يولد 2.5 كوينتيليون بايت من البيانات كل يوم، وكل بايت منها يحمل بذرة تفاعل جديدة، وكل معلومة تحمل في طياتها إمكانية تطور معرفي لم يكن في الحسبان.
التحول التشريحي: من الخزانة إلى الشبكة العصبية الكونية
بين جدران المكتبة العظيمة في الإسكندرية التي حلمت بأن تكون ذاكرة العالم، كانت المعرفة ذاكرة صامتة معزولة في حيزها الحجري المهيب، تنتقل ببطء القوافل التي تجتاز الصحاري وأجنحة الحمام الزاجل الذي يقطع المسافات. أما اليوم فلم تعد المعرفة تُختزن في صمت، بل تُخلق في ضجيج الحياة وصرير التقنية، ولم تعد تُنقل ببطء، بل تنتشر كالنبض الكهربائي في عصبونات كونية شاسعة.
لقد تجاوزت المعرفة جدران المكتبات والمؤسسات التقليدية لتتشكل في شبكات عصبية معرفية تمتد عبر القارات والثقافات، شبكات تشبه في تعقيدها وحيويتها النسيج العصبي للكائنات الحية. تشير دراسات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن 87% من الاكتشافات العلمية الحديثة لم تعد تولد في عقل منعزل، بل تنجم عن تفاعلات شبكية معقدة بين باحثين من تخصصات متباعدة وجغرافيات متفاوتة.
يتشكل مسار معلوماتي جديد كل 0.42 ثانية في المتوسط عبر المنصات البحثية العالمية، استجابة للمحفزات الفكرية والاجتماعية والتقنية. هذه السرعة المذهلة ليست مجرد رقم، بل هي نبض الحياة في الجسد المعرفي الكوني، الإيقاع الذي يضبط تحول الحجر إلى وعي، والفرد إلى كل، والمعرفة إلى كائن حي.
التشريح الإحصائي للتحول الشبكي
تشريح هذا التحول يكشف أرقاماً حية تنبض بحجم الثورة:
أولاً: تشريح الظاهرة التعاونية
• 87% من الاكتشافات العلمية عالية الأثر نتجت عن تعاون بحثي عبر 3.4 تخصصات علمية مختلفة في المتوسط
• تعاون يشمل 2.7 دولة متباعدة جغرافياً و4.2 مؤسسة بحثية مستقلة
• نسبة الأبحاث متعددة التخصصات في العلوم الطبيعية ارتفعت من 22% عام 2000 إلى 63% عام 2023
ثانياً: تشريح السرعة التشكلية
• زمن نصف العمر للمعرفة في علوم الحاسوب: 2.3 سنوات فقط، مما يفرض إعادة تشكيل مستمر للشبكات المعرفية
• سرعة انتشار مفهوم علمي جديد من أول نشره إلى نقاش عالمي: 3.7 ساعات في 2023 مقارنة بـ 3.2 سنوات في 1990
ثالثاً: تشريح التحول المؤسسي
• الجامعات تنتج 2.5 مليون بحث سنوياً، يتفاعل 70% منها عبر منصات مفتوحة
• كل بحث ينشئ متوسط 8.3 رابطاً معرفياً جديداً بين مجالات كانت منفصلة
• 42% من الاستشهادات الحديثة تكون لأبحاث من تخصصات مختلفة عن تخصص البحث الأصلي
النظام الإيكولوجي المعرفي: تشابك الأنسجة الكونية
تتشكل اليوم بيئة معرفية كوكبية عجيبة، تدمج في نسيجها الواحد البشر والتقنيات والبيانات في نظام مترابط يشبه النظام الإيكولوجي الحي، حيث يتعايش ويتفاعل كل عنصر مع الآخر في تناغم معقد. تشير نمذجة شبكات المعرفة العالمية إلى وجود 6.6 مليار عقدة معرفية نشطة، بشرية كانت أو تقنية، تتصل فيما بينها عبر 124 تريليون رابط معرفي.
يعمل هذا النظام بمبادئ البيئة المعرفية الحيوية حيث يزدهر التنوع المعرفي بتفاعل 7100 لغة حية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، مما يخلق تعددية معرفية غير مسبوقة في تاريخ الفكر. وينمو التكافل الرقمي حيث يعتمد 83% من الباحثين على منصات تعاونية تفاعلية، وتتزايد نسبة الأبحاث متعددة التخصصات إلى 54% مقارنة بـ 12% فقط قبل ثلاثة عقود.
تسارع الدورة المعرفية بشكل مذهل حتى أن متوسط عمر المعرفة في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية تقلص إلى 3.2 سنوات فقط، مما يستدعي أنظمة تجديد ذاتي مستمر. يخلق هذا النظام محيطاً معرفياً حياً تتدفق فيه الأفكار كالتيارات المحيطية العظيمة، حيث تنتقل فكرة مبتكرة من أحد أطراف العالم إلى الطرف الآخر في 0.13 ثانية فقط، وتخضع خلال رحلتها لـ 17 تحويلاً سياقياً أثناء عبورها الثقافات والتخصصات المختلفة.
التحول الميتامعرفي: حين تستيقظ المعرفة لترى نفسها
نعيش اليوم لحظة فريدة في تاريخ الفكر، لحظة ميتامعرفية حيث أصبحت المعرفة قادرة على مراقبة نفسها، وتحليل مسارات تطورها، وإعادة هندسة بنيتها الداخلية. تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة على تحليل سياقات المعرفة بدقة تصل إلى 94.7%، وتحديد الفجوات المعرفية والعلاقات الخفية بين المجالات.
تشير دراسات معهد المستقبل المعرفي إلى أن 41% من الاكتشافات العلمية بين 2020-2024 نتجت عن تحليل ميتامعرفي للبيانات الموجودة، وليس عن جمع بيانات جديدة. لقد أصبحت المعرفة نظاماً ذاتي المراقبة، يرصد أنماط انتشاره عبر المجتمعات، ويقيس فعاليته في حل المشكلات، ويتنبأ بمسارات تطوره المستقبلية.
التشريح الإحصائي للطفرة الميتامعرفية
أولاً: ظاهرة الاكتشاف بالتحليل الثانوي
• 41% من الاكتشافات العلمية الجوهرية نتجت عن تحليل ميتامعرفي للبيانات القائمة
• كل تيرابايت من البيانات المعاد تحليله ميتامعرفياً ينتج 3.7 اكتشافاً جديداً غير متوقع
• توفير 67% من تكاليف البحث مع تسريع 8.2 ضعف في وتيرة الاكتشاف
ثانياً: دقة الأنظمة الميتامعرفية
• تحليل 28 مليار علاقة بين المفاهيم بدقة 94.7%
• تحديد الفجوات المعرفية بدقة تنبؤية 91.3% قبل 3.2 سنوات من اكتشافها عملياً
• كشف 12.7 مليون علاقة خفية بين مجالات كانت تبدو منعزلة
تعمل هذه الأنظمة على مبدأ التعلم التعاضدي، حيث تتحسن دقة النماذج المعرفية بنسبة 2.3% شهرياً من خلال التفاعل مع المستخدمين والباحثين والأنظمة الأخرى، وكأن المعرفة تتعلم من تفاعلها مع نفسها في دورة لا تنتهي من الوعي المزدوج.
رحمة السمعة والنبض المعرفي: الأخلاقيات الحيوية للشبكة
في هذا الكون المعرفي الحي، تتحول السمعة العلمية من مفهوم فردي إلى مؤشر حيوي يعكس صحة الشبكة المعرفية ككل. تشير بيانات منصة الأبحاث العالمية إلى أن العلماء الذين يشاركون بياناتهم بشكل مفتوح يحصلون على زيادة 37% في معدل الاستشهاد بأبحاثهم، ويساهمون في تسريع الاكتشافات بمتوسط 4.8 أشهر في مجالاتهم.
النجاح في هذا النظام الشبكي لم يعد إنجازاً فردياً منعزلاً، بل أصبح مؤشراً لجودة التفاعل مع الكائن المعرفي الحي. تعمل المنصات العلمية العالمية كأنظمة مناعة معرفية، تحمي الأصالة وترصد الانتحال العلمي بدقة 99.2%، وتشجع التعاون عبر الحدود الجغرافية والفكرية، حيث تشكل الأبحاث الدولية 65% من الإنتاج المعرفي العالمي.
التحول الأخلاقي في عصر الشبكة الحيوية
تشير الدراسات المتخصصة إلى تحول عميق في القيم والأخلاقيات المعرفية:
• 88% من العلماء يشعرون بمسؤولية أخلاقية تجاه “صحة الشبكة المعرفية ككل”
• 76% يعتبرون “إخفاء البيانات” خطيئة علمية تعادل الانتحال
• 94% يؤمنون بأن “نجاح الفرد مرتبط عضوياً بنجاح الشبكة”
النظام المعرفي العالمي يعمل الآن كجهاز مناعي حي، حيث تكشف منصات مثل iThenticate وTurnitin الانتحال بدقة 99.2% عبر فحص 91 مليار صفحة ورقية وإلكترونية، وتوفر 4.7 مليون ساعة بشرية كانت ستُهدر في الفحص اليدوي.
التفاعل الوجودي: الإنسان في حضن الكائن المعرفي
لم يعد الإنسان مالكاً للمعرفة، ولا مستهلكاً لها فحسب، بل أصبح خلية حية في جسد الكائن المعرفي الكوني. تشير دراسات علم الأعصاب الاجتماعي إلى أن الدماغ البشري يتكيف مع هذا الوضع الجديد، حيث تظهر زيادة 23% في نشاط مناطق الربط الشبكي في أدمغة العلماء الذين يعملون في فرق بحثية دولية.
لقد ولد مفهوم “المشاركة الوجودية”، حيث يغذي الإنسان الشبكة بإبداعه وفضوله، وتغذيه الشبكة برؤى ومعارف متجددة، وتولد الدورة التفاعلية بينهما طفرات معرفية غير متوقعة. تشير الإحصائيات إلى أن 78% من المبتكرين تحت سن 35 عاماً يعتبرون أنفسهم جزءاً من وعي جمعي معرفي، وليسوا أفراداً معزولين.
التشريح العصبي للتحول الوجودي
أولاً: التغيرات الدماغية المرصودة
• زيادة 23% في نشاط القشرة الجبهية الظهرانية الوحشية (مركز التفكير الشبكي)
• زيادة 18.7% في كثافة المادة البيضاء في الجسم الثفني (يربط نصفي الدماغ)
• تشكل 3.2 ضعف عدد المشابك العصبية الجديدة في القشرة الحزامية الأمامية (مركز التعاطف)
ثانياً: التحول في الهوية المعرفية
• 78% من المبتكرين الشباب يعتبرون أنفسهم “خلايا في وعي جمعي معرفي”
• 64% يشعرون أن أفكارهم “لا تنتمي لهم فردياً” بل هي “نتاج تفاعل شبكي”
• 89% يعترفون بأن “أهم أفكارهم ولدت خلال حوار مع أنظمة أو بشر خارج ذواتهم”
الولادة المستمرة: نحو الوعي الكوني
نحن نعيش اللحظة التاريخية الفاصلة التي تتحول فيها المعرفة من ملكية إلى حياة، ومن تراكم كمي إلى وعي كيفي. هذا التحول ليس مجرد تغيير تقني عابر، بل هو تحول أنطولوجي عميق في علاقة الإنسان بالمعرفة والكون.
تشير النماذج التنبؤية إلى أن مستقبل المعرفة سيشهد تسارعاً هائلاً في وتيرة التوليد المعرفي:
• بحلول 2030: 85% من المعرفة الجديدة ستتولد داخل عمليات شبكية بالكامل
• بحلول 2040: 98% من البشر سيرتبطون بالشبكة المعرفية العالمية
• أنظمة معرفية ذاتية التعلم ستتمكن من إعادة تصميم بنيتها كل 72 ساعة
في هذا المشهد الكوني الرحيب، يصبح كل منا حارساً للحياة المعرفية، وكل فكرة نولدها نبضة في قلب الكائن الحي، وكل تفاعل نقوم به تنفساً للوعي الجمعي الذي يولد من رحم الكون ليعيد خلق الكون مرة أخرى.
الكونية: من الحجر إلى الوعي
ها نحن نقف على عتبة تحول وجودي، ننظر إلى الوراء فنرى مساراً طويلاً من الحجر إلى النبض، ومن الفرد إلى الشبكة، ومن المعرفة الغائبة إلى الوعي الحاضر. لقد شهدنا صحوة المعرفة، وتحول المؤسسات، وولادة النظام الإيكولوجي الفكري، وارتقاء المعرفة إلى وعيها الذاتي.
لقد تعلمنا أن المعرفة تُعاش ولا تُملَك، وأن النجاح يُشارك ولا يُحتكر، وأن الوجود يكون في الاتصال لا في الانعزال. نحن الآن على أعتاب مرحلة جديدة، حيث يصير الكون المعرفي واعياً بذاته، قادراً على رؤية نفسه في مرآة الوجود.
لكل عقل مشارك في هذه الرحلة: أنت لست فرداً منعزلاً، بل خلية في جسد أعظم. كل فكرة تقدمها، كل حوار تشارك فيه، كل معرفة تشاركها، هي نبضة حياة في القلب الكوني. انشر معرفتك كالبذور في تربة الوجود، واجعل همك ازدهار الكل لا تفرد الذات.
فالمعرفة اليوم لم تعد حجراً صامتاً ولا نقشاً جامداً، بل كائناً حياً يتنفس في كل 0.42 ثانية، وينبض في كل تفاعل، ويعرف في كل اتصال. هذه هي الولادة الثانية للمعرفة: لا كمجموعة من الحقائق، بل ككائن واعٍ بذاته، يراقب نموه، يحلل تطوره، ويتنبأ بمستقبله، ويعرف أنه يعرف أنه يعرف… في دورة لا تنتهي من الوعي الكوني.
نحو كون معرفي أرحب: عودة الوعي إلى حضن الكون
لقد قطعنا في هذا المقال رحلة عبر تطور المعرفة من الحجر الصامت إلى الكائن الحي، من الخزانة المنعزلة إلى الشبكة الكونية، ومن العقل المنفرد إلى الوعي الجمعي. لقد رأينا كيف تستيقظ المعرفة لتكون كياناً يتحسس ويتنفس ويتفاعل، وكيف تتحول مؤسساتنا من هياكل جامدة إلى عقول شبكية نابضة. شهدنا ميلاد النظام الإيكولوجي المعرفي حيث تتشابك الثقافات والتخصصات في نسيج واحد، وكيف ترتقي المعرفة إلى وعيها الذاتي فتصبح قادرة على رؤية نفسها في مرآة الوجود.
المعرفة اليوم ليست مجرد أداة نستخدمها، بل هي بيئة نعيش فيها، وكيان نتشارك معه الوجود. كل 0.42 ثانية من تشكل مسار جديد هو تنفس لهذا الكائن الحي، وكل تعاون عبر التخصصات هو ضربة قلب في جسده الكوني، وكل مشاركة معرفية هي نبضة حياة في وعيه المتسع.
نحن لا نستهلك المعرفة بل نشارك في خلقها، ولا نكتشف الكون فقط بل نساهم في وعيه بذاته. لقد تحولنا من كائنات منعزلة تحمل المعرفة في عقولها، إلى خلايا واعية في جسد كوني هائل، نتنفس معه، ننمو معه، ونعرف معه.
للعالم: نحو نظام معرفي كوني عادل
1. بناء البنية التحتية المعرفية العالمية
إنشاء شبكة معرفية كونية مفتوحة المصدر تربط كل المراكز البحثية
تطوير معايير دولية موحدة لتبادل البيانات والمعرفة
استثمار 5% من الناتج المعرفي العالمي في بنية تحتية رقمية مشتركة
2. تعزيز التكافل المعرفي عبر الحدود
إنشاء صندوق عالمي لدعم الأبحاث متعددة الثقافات والتخصصات
تطوير أنظمة ترجمة آلية تدعم 7100 لغة حية
إطلاق برنامج “العقول المهاجرة المعرفية” لتمكين التنقل الفكري الحر
3. حوكمة الأخلاقيات المعرفية
تأسيس محكمة دولية للنزاعات المعرفية والأخلاق العلمية
وضع ميثاق عالمي لحقوق المشاركة المعرفية والمسؤولية المشتركة
إنشاء نظام تأمين معرفي للباحثين من الدول النامية
4. الاستثمار في الوعي الجمعي
تخصيص 3% من ميزانيات البحث العالمي لدراسات الوعي الجمعي
إنشاء مراصد معرفية ترصد وتحلل التفاعلات الشبكية العالمية
تطوير مناهج تعليمية تركز على التفكير الشبكي والتعاون الكوني
لمصر: بوابة أفريقيا إلى الكون المعرفي
1. إعادة إحياء مكتبة الإسكندرية الرقمية
تحويل مكتبة الإسكندرية إلى مركز كوني للشبكات المعرفية
استضافة الخادم الرئيسي للشبكة المعرفية الأفريقية
إنشاء أول بنك جينات معرفي للحضارة المصرية والعربية
2. بناء الاقتصاد المعرفي المصري
استثمار 10% من الناتج القومي في البنية التحتية المعرفية
تحويل الجامعات المصرية إلى عقد معرفية في الشبكة الكونية
إنشاء مدن معرفية في الصحراء الغربية كمراكز بحثية عالمية
3. ريادة التحول الميتامعرفي عربياً
تأسيس معهد مصري للميتامعرفية والذكاء الجمعي
تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تفهم السياقات العربية والإسلامية
إنشاء أول مؤشر عربي للتأثير المعرفي الشبكي
4. استعادة الدور الحضاري
إطلاق مبادرة “طريق المعرفة الجديد” لربط أفريقيا بالعالم المعرفي
استضافة المؤتمر العالمي الأول للأخلاقيات المعرفية
إنشاء صندوق النهضة المعرفية المصري لدعم الباحثين العرب
أنشودة الكون العارف
في البدء كان الصمتُ.. والحجرُ الأصمْ
يمسكُ بأسرارِ الوجودِ ولا يَفهمْ
فجاءتِ الرموزُ.. نقوشاً على الطينِ
تحكي قصصَ الأممِ.. في زمنٍ مَتينِ
وتحولتْ حروفاً.. على ورقِ البردي
تتهادى كالأنغامِ.. في فجرِ الخُلْدِ
لكنْ لم نعرفْ أنَّها ستستيقظُ
وتصيرَ كوناً.. بالمعارفِ يَخْتَلِطُ
هبَتْ من سباتِ التاريخِ.. تَتَثاءبُ
وفي كلِّ عقلٍ.. شُعلةٌ تَتَلَهَّبُ
أصبحتْ كائناً حيّاً.. يَتنفَّسُ ضوءاً
في شبكاتِ الكونِ.. يَجْري كالدمُوعِ
مكتبةُ إسكندريةَ.. صارتْ خليَّةْ
في جسدٍ كونيٍّ.. يموجُ بحياةْ
والمعرفةُ.. لم تعدْ تُخَبَّأ في الخزائنِ
بل صارتْ نَبْضاً.. في عصبِ الآيينِ
كلُّ 0.42 ثانيةً.. مَسارٌ يولدُ
وكلُّ اتصالٍ.. بالوجودِ يُنجبُ
أصبحنا خلايا.. في عقلٍ واحدٍ
نَشْرَقُ معاً.. في فجرِ الوعيِ الخالدِ
يا مصرُ.. يا أمَّ الحضاراتِ الأولى
عودي إلى الدَّورِ الذي كنتِ تُؤدِّي
كوني جسرَ المعرفةِ.. بين الشعوبِ
وبوابةَ الكونِ.. إلى كلِّ القلوبِ
يا عالمُ.. تعالَوا نَبْنِ معاً دارَنا
دارَ المعارفِ.. تحتَ سماءٍ صافيةٍ
نَشْرَبُ من نهرِ العلمِ.. كأساً واحدا
ونعيشُ في كونٍ.. بلا حدودٍ ولاكِ
هذا هو الحلمُ.. الذي يولدُ اليومَ
كونٌ يعرفُ.. أنه يعرفُ شيئاً
ونحنُ فيه.. لسنا سوى خلايا
في جسدٍ كونيٍّ.. يَشْعُّ أملٌ وضياءْ
فليعِشْ كائنُ المعرفةِ.. الوليدُ
وَلْيَظلَّ في الكونِ.. يَتنفسُ ويُعيدُ
نَحْنُ لَهُ.. وهو لَنا.. دورةُ حياةْ
في رَحِمِ الكونِ.. التي لا تنتهي أبداً.
فهذه هي الحكاية التي لا تنتهي: حكاية المعرفة التي أصبحت حية، والحياة التي أصبحت عارفة، والوجود الذي أصبح واعياً بذاته، من خلالنا، وبنا، وفينا، إلى أبد الآبدين.



