رياضةمقالات

من كيان رياضي إلى تكتل اقتصادي: لماذا يحتاج الأهلي للتحول إلى شركة مساهمة؟

من كيان رياضي إلى تكتل اقتصادي: لماذا يحتاج الأهلي للتحول إلى شركة مساهمة؟
إيهاب محمد زايد
في البدء كان السؤال: لماذا لا يصبح الأهلي مجموعة شركات؟
في 24 أبريل 1907، تأسس النادي الأهلي ليكون “نادياً للوطنية” كما أطلق عليه مؤسسوه، فلم يكن مجرد ملعب لكرة القدم، بل مشروعاً وطنياً بامتياز. بعد 118 عاماً من التأسيس، وبعد أن حصد النادي 44 لقباً في الدوري المصري، و39 كأساً لمصر، و12 لقباً في دوري أبطال أفريقيا، وأكثر من 26 بطولة قارية، أصبح الأهلي النادي الأكثر تتويجاً في أفريقيا، والنادي الأعلى قيمة سوقية في القارة، حيث بلغت قيمته السوقية الموسم الماضي نحو 30 مليون يورو، وفقاً لبيانات موقع ترانسفير ماركت المتخصص. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: لماذا يظل الأهلي مجرد “نادٍ رياضي” رغم كل هذا الزخم؟ لماذا لا يتحول إلى مجموعة شركات مساهمة، على غرار ما فعلته أندية أوروبا الكبرى مثل ريال مدريد الذي تجاوزت إيراداته المليار يورو في موسم واحد، وبرشلونة الذي حقق إيرادات تجاوزت 800 مليون يورو، ومانشستر يونايتد الذي تقدر قيمته السوقية في بورصة نيويورك بأكثر من 3 مليارات دولار؟

في يونيو 2023، أعلنت المملكة العربية السعودية خصخصة أربعة أندية كبرى (الهلال، النصر، الاتحاد، الأهلي)، ونقل 75% من ملكيتها إلى صندوق الاستثمارات العامة، في خطوة غيرت وجه الكرة السعودية وجذبت نجوم العالم بعقود تجاوزت المليار دولار. وفي عام 2026، تتجه السعودية إلى خطوة أبعد، حيث من المتوقع نقل ملكية أندية النصر والهلال والاتحاد إلى شركات مختلفة مثل “رياض إير” و”شركة جدة المركزية للتطوير”، بينما يظل الأهلي السعودي تحت سيطرة الصندوق. هذه التحولات ليست مجرد أخبار رياضية عابرة، بل هي إعلان عن دخول الرياضة عصر الاقتصاد الحقيقي. فلماذا لا يكون الأهلي المصري رائداً في هذا المجال؟ لماذا لا تتحول شعبية الأهلي الجارفة، التي يقدّر جمهورها بنحو 50 مليون مشجع داخل مصر وخارجها، إلى رأسمال اقتصادي يُدرّ مليارات الجنيهات؟

الحقيقة أن الأهلي بدأ بالفعل خطواته الأولى في هذا الاتجاه. ففي عام 2020، وفي إطار رؤية النادي 2050، أقر مجلس إدارة الأهلي برئاسة الكابتن محمود الخطيب إنشاء ثلاث شركات: شركة الأهلي لكرة القدم، وشركة الأهلي للمنشآت والاستادات، وشركة الأهلي للخدمات السياحية. وفي مارس 2026، عقد الخطيب اجتماعاً مطولاً مع مجلس إدارة شركة الأهلي للخدمات الرياضية، التي حققت أرباحاً استثنائية هذا العام، لتوسيع نطاق أنشطتها داخل مصر وخارجها، والتعاون مع مؤسسات أخرى في المجال الرياضي. وفي سبتمبر 2025، أعلن الأهلي تحقيق فائض في الميزانية بلغ 45 مليون جنيه، بفضل مشاركته في كأس العالم للأندية التي أدرّت على النادي نحو 11 مليون دولار، وتجديد عقد الرعاية مع أديداس الذي قُدّرت قيمته بـ 11 مليون دولار أخرى، ليصل إجمالي ميزانية النادي إلى 8.488 مليار جنيه (ما يعادل 176 مليون دولار). لكن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تمثل سوى جزء صغير من القيمة الحقيقية لعلامة “الأهلي” التجارية التي تنتظر من يستثمرها.

شركة التسويق الرياضي: تحويل الشعبية الجارفة إلى رأسمال يدر الذهب
تخيل أن الأهلي أنشأ شركة متخصصة في التسويق الرياضي، تمتلك الحقوق الحصرية للتسويق لجميع فرق النادي في الألعاب المختلفة: كرة القدم، كرة اليد، كرة السلة، الكرة الطائرة، السباحة، الملاكمة، التايكوندو، الجودو، الكاراتيه، الرماية، وغيرها. هذه الشركة يمكنها أن تحول ما يمتلكه الأهلي من أصول غير ملموسة إلى إيرادات حقيقية. فعلى مستوى تسويق حقوق البث التلفزيوني، مباريات الأهلي في الدوري المصري ودوري أبطال أفريقيا وكأس مصر تجذب ملايين المشاهدين، وبيع حقوق البث لهذه المباريات لشبكات التلفزيون العربية والعالمية يمكن أن يدرّ إيرادات تفوق ما تحصل عليه الأندية الأوروبية الصغرى. وعلى مستوى تسويق حقوق الرعاية، الأهلي يمتلك قاعدة جماهيرية تقدر بعشرات الملايين، وشركة أديداس دفعت 11 مليون دولار فقط لتجديد عقد الرعاية، لكن القيمة الحقيقية لهذه الرعاية أكبر بكثير. شركة متخصصة يمكنها التفاوض مع شركات عالمية أخرى في مجالات الطيران والاتصالات والسيارات والبنوك والمشروبات للحصول على عقود رعاية متعددة، تنافس ما تحصل عليه أندية مثل ريال مدريد الذي يتجاوز عقده مع أديداس 120 مليون يورو سنوياً، أو برشلونة الذي يحصل من سبوتيفاي على 70 مليون يورو.

أما على مستوى تسويق حقوق الأسماء، فتسمية ملعب الأهلي الجديد أو المدينة الرياضية باسم علامة تجارية عالمية يمكن أن يدرّ مئات الملايين. تجربة استاد “الاتحاد” في إنجلترا الذي أعيدت تسميته إلى “الاتحاد أرينا” بموجب عقد مع شركة طيران الإمارات قيمته 400 مليون جنيه إسترليني، هي نموذج يمكن تطبيقه في مصر. كما أن الأهلي يمتلك ملايين المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، وشركة متخصصة يمكنها استثمار هذه المنصات من خلال الإعلانات المستهدفة، والاشتراكات المدفوعة للمحتوى الحصري، وبيع المنتجات الرقمية. العائد المتوقع من شركة التسويق الرياضي وحدها يمكن أن يضاعف إيرادات النادي الحالية عدة مرات، ويحوّله من نادٍ يعتمد على تذاكر المباريات وعضوية الأعضاء إلى علامة تجارية عالمية تتنافس مع كبرى الأندية الأوروبية.

شركة إنتاج الأدوات الرياضية: من مستورد للقمصان إلى مصنع يكسو الملايين
اليوم، يرتدي لاعبو الأهلي قمصان أديداس التي تستورد من الخارج، ويرتدي الجمهور المصري قمصاناً مقلدة تصنع في الصين وتركيا وفيتنام، بينما الصين تنتج 65% من الملابس الرياضية في العالم. ملايين القمصان تُباع كل عام، والعائد المادي لا يذهب إلى خزينة النادي ولا إلى الاقتصاد المصري، بل إلى شركات أجنبية ومصانع خارجية. تخيل أن الأهلي أنشأ شركة لإنتاج الأدوات الرياضية، تكون امتداداً لعلامة “أهلي” التجارية، وتنتج الملابس الرياضية بمختلف أنواعها: قمصان الفرق، التيشيرتات، الجواكت، البناطيل الرياضية، الطواقي، الشورتات، وكلها منتجات تحمل شعار الأهلي، تصنع في مصر، بأيدي مصرية، من خامات مصرية. كما تنتج الشركة المعدات الرياضية مثل الكرات، الأحذية، الحقائب، الزجاجات، المناشف، وكل ما يحتاجه الرياضي يمكن أن يحمل علامة “أهلي” التجارية، بالإضافة إلى المنتجات التذكارية مثل الأعلام، الأوشحة، الكؤوس، الميداليات، الدمى، الملصقات، التي تباع في متاجر النادي وعبر الإنترنت وتُصدّر إلى الجماهير الأهلاوية في كل أنحاء العالم.

هذه الشركة لن تخدم الأهلي فقط. يمكنها أن تصبح مورّداً معتمداً للأندية الأخرى في مصر والوطن العربي، بل ومنافساً إقليمياً للعلامات التجارية الكبرى. العائد الاقتصادي هنا مضاعف: أرباح الشركة تعود على النادي، والضرائب تعود على الخزانة المصرية، وفرص العمل تعود على الشباب المصري، والقيمة المضافة تعود على الاقتصاد الوطني. في عام 2024، بلغ حجم سوق الملابس الرياضية العالمي نحو 230 مليار دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 350 مليار دولار بحلول عام 2030. مصر تمتلك في الأهلي علامة تجارية قادرة على اقتناص جزء من هذا الكعكة الضخم، إذا ما استثمرت بشكل صحيح.

شركة صناعة البطل الأوليمبي: من مجرد مشجع إلى منصة لاكتشاف المواهب
في أولمبياد باريس 2024، حصدت مصر 3 ميداليات فقط (ذهبية وفضيتان)، وجاء ترتيبها في المرتبة 48 عالمياً، بينما حصدت الولايات المتحدة 126 ميدالية، والصين 91، وفرنسا 64. الفجوة ليست في عدد السكان، بل في البنية التحتية للرياضة التنافسية. الأهلي يمتلك حالياً فرقاً في كرة اليد، والسلة، والطائرة، والسباحة، والملاكمة، والتايكوندو، والجودو، والكاراتيه، والرماية، وغيرها، لكن هذه الفرق تفتقر إلى الرعاية الاحترافية، والتدريب العلمي، والبرامج المتكاملة لإعداد الأبطال.

تخيل أن الأهلي أنشأ شركة متخصصة في صناعة البطل الأوليمبي، تعمل على ثلاثة محاور متكاملة. المحور الأول: اكتشاف المواهب عبر أكاديميات في كل محافظة، تبحث عن الأطفال الموهوبين في الألعاب المختلفة، وتخضعهم لاختبارات علمية لقياس قدراتهم البدنية والنفسية. المحور الثاني: التدريب العلمي باستخدام أحدث أساليب التدريب، وتحليل الأداء، والطب الرياضي، والتغذية المتخصصة، وعلم النفس الرياضي. شركة يمكنها التعاقد مع مدربين عالميين، وإنشاء معامل لتحليل الحركة، ومراكز للتأهيل البدني. المحور الثالث: المنافسة الدولية عبر المشاركة في البطولات العالمية، وبناء علاقات مع الأندية الأوروبية والوكالات الرياضية لتسويق اللاعبين، وتحويل الأهلي إلى محطة عبور للمواهب المصرية نحو الاحتراف العالمي.

هذه الشركة لن تصنع أبطالاً للأهلي فقط، بل لمصر كلها. اللاعب الذي يكتشف في محافظة المنيا، ويتدرب في أكاديمية الأهلي، ثم يحترف في ناد أوروبي، هو إنجاز للأهلي وللمصرية كلها. والميدالية التي يحققها في الأوليمبياد تحت علم مصر هي ثمرة استثمار بدأ منذ سنوات. العائد هنا ليس اقتصادياً فقط، بل وطنياً. كل ميدالية أوليمبية تعزز مكانة مصر العالمية، وتلهم جيلاً كاملاً من الشباب لممارسة الرياضة، وتخلق قدوات يحتذى بها. في أولمبياد باريس 2024، حصلت دولة مثل البحرين على ميداليتين ذهبيتين في ألعاب القوى بفضل برامج استيراد المواهب وتطويرها. فماذا لو كان لدينا نحن المواهب الأصلية؟

شركة الفروع الرياضية بالمحافظات: من قاهرة الأهلي إلى ربوع مصر الـ27
الأهلي اليوم له فروع في القاهرة، والإسكندرية، ومدينة نصر، والشيخ زايد، والتجمع الخامس. لكن هذه الفروع تخدم فقط سكان المدن الكبرى. ماذا عن محافظات الصعيد مثل المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان؟ ماذا عن الوجه البحري مثل كفر الشيخ والغربية والدقهلية والشرقية؟ ماذا عن مدن القناة مثل بورسعيد والإسماعيلية والسويس؟ وماذا عن سيناء؟ في مايو 2024، وقّعت جامعة المنوفية اتفاقية تعاون مع الأهلي لإنشاء فرع لأكاديمية النادي داخل الحرم الجامعي، لتدريب الطلاب وأهالي المحافظة على أساسيات كرة القدم. هذه الخطوة نموذج رائع، لكنها لا تزال محدودة ولا ترقى إلى حجم الطموح.

تخيل أن الأهلي أنشأ شركة متخصصة في الفروع الرياضية بالمحافظات، تهدف إلى إنشاء فروع للنادي في كل محافظة من محافظات مصر الـ27. كل فرع من هذه الفروع سيكون مدينة رياضية متكاملة تضم ملاعب متعددة الأغراض لكرة القدم، كرة السلة، كرة اليد، الكرة الطائرة، التنس، وغيرها، وهذه الملاعب تُستخدم للتدريب والمسابقات المحلية. كما تضم صالات رياضية مغطاة لرفع الأثقال، الملاكمة، التايكوندو، الجودو، الكاراتيه، الجمباز، وغيرها، وهذه الصالات مجهزة بأحدث الأجهزة والمدربين المتخصصين. وتضم أيضاً حمامات سباحة لتعليم السباحة وتدريب الفرق والمسابقات، وأكاديميات تدريب للأطفال والناشئين تهدف إلى اكتشاف المواهب وتنميتها في السنوات المبكرة، ومراكز طبية للكشف الدوري على اللاعبين، وتقديم خدمات العلاج الطبيعي والتأهيل.

هذه الفروع لن تكون مراكز رياضية فقط، بل مراكز مجتمعية متكاملة تخدم أبناء المحافظة في مختلف الأعمار. الطفل الذي يلعب كرة القدم في فرع الأهلي بالمنيا، والشاب الذي يمارس السباحة في فرع الأهلي بأسوان، والفتاة التي تتعلم التايكوندو في فرع الأهلي بدمياط، كلهم يحصلون على فرصة لم تكن متاحة لهم من قبل. العائد الاجتماعي هنا يفوق العائد الاقتصادي. هذه الفروع تساهم في نشر الرياضة بين الشباب، ومكافحة البطالة من خلال توفير فرص عمل للمدربين والإداريين، وخلق بيئة رياضية تنافسية في كل محافظة، واكتشاف مواهب كانت ستدفن في قرى ومدن لا تجد من يراها.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية: من تكلفة إلى استثمار قومي
العائد المتوقع من تحويل الأهلي إلى مجموعة شركات مساهمة يتجاوز بكثير التكاليف الإدارية والتشغيلية. الآثار الاقتصادية تمتد في خطوط متوازية تعود بالنفع على النادي أولاً، ثم على الرياضة المصرية، ثم على الاقتصاد الوطني بأكمله.

على مستوى النادي، ستؤدي زيادة الإيرادات من مصادر متعددة مثل التسويق والرعاية وحقوق البث والمنتجات والخدمات إلى تقليل الاعتماد على تذاكر المباريات والعضوية، وتجعل النادي أكثر استقراراً مالياً. الأرباح المتوقعة يمكن إعادة استثمارها في تطوير الفرق، وتحسين البنية التحتية، واستقطاب نجوم عالميين، وبناء جيل جديد من الأبطال. تخيل أن الأهلي يستطيع شراء لاعب من الطراز العالمي بقيمة 50 مليون يورو، أو بناء استاد جديد بتقنيات الجيل الخامس، أو استضافة بطولات عالمية تدرّ عليه مئات الملايين.

على مستوى الرياضة المصرية، تحول الأهلي إلى شركة مساهمة يخلق نموذجاً يمكن للأندية الأخرى تقليده. الزمالك، بيراميدز، سيراميكا كليوباترا، فيوتشر، الاتحاد السكندري، المصري البورسعيدي، كلها أندية يمكن أن تستفيد من هذه التجربة. كلما زادت إيرادات الأندية، زادت قدرتها على تطوير فرقها، وارتفع مستوى المنافسة في الدوري المصري، وازدادت جاذبية الكرة المصرية للجماهير والرعاة. كما أن تطوير البنية التحتية الرياضية في كل محافظة سينعكس إيجاباً على المنتخبات الوطنية في جميع الألعاب، وستتحول مصر من دولة تشارك في الأوليمبياد للمشاركة فقط إلى دولة تنافس على المراكز المتقدمة.

على مستوى الاقتصاد الوطني، شركات الأهلي الأربع ستوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في مجالات التسويق، الإنتاج، التدريب، الإدارة، الخدمات. كما ستدرّ ضرائب على الأرباح تُقدر بمئات الملايين سنوياً، وتُسهم في الناتج المحلي الإجمالي، وتُحسن ميزان المدفوعات من خلال تصدير المنتجات الرياضية وجذب السياحة الرياضية. تخيل أن مصانع الأهلي تنتج قمصاناً وتصدّرها إلى 20 دولة عربية وإفريقية. تخيل أن السياحة الرياضية تجذب الآلاف من مشجعي الأندية الأوروبية والعربية لحضور مباريات الأهلي في القاهرة. تخيل أن صفقات انتقال لاعبي الأهلي إلى أوروبا تدرّ على النادي مئات الملايين، كما حدث مع انتقال محمد صلاح من بازل إلى تشيلسي ثم إلى روما ثم إلى ليفربول حيث بلغت قيمة انتقالاته أكثر من 100 مليون يورو.

على مستوى العلامة التجارية لمصر، الأهلي هو السفير الرياضي الأبرز لمصر في العالم. كلما زادت قيمته التجارية، زادت مكانة مصر كوجهة للرياضة والاستثمار الرياضي. فوز الأهلي بدوري أبطال أفريقيا يصل إلى ملايين المشاهدين في 54 دولة إفريقية. مشاركته في كأس العالم للأندية تعرضه لمشاهدين في 200 دولة. هذه المنصة الإعلامية الهائلة يمكن استغلالها للترويج لمصر كوجهة سياحية واستثمارية، إذا ما تم إدارتها بشكل احترافي.

التحديات والفرص: من رؤية إلى واقع
لكن الطريق إلى تحويل الأهلي إلى مجموعة شركات مساهمة ليس مفروشاً بالورود. هناك تحديات حقيقية تحتاج إلى معالجة جريئة. التحدي الأول هو قانوني، فالقوانين المصرية الحالية تنظم عمل الأندية الرياضية ككيانات غير هادفة للربح، وتحويل النادي إلى شركة مساهمة يحتاج إلى تشريع خاص أو تعديل تشريعي يسمح بذلك، مع الحفاظ على الهوية الجماهيرية للنادي وضمان عدم خصخصته بالكامل. التحدي الثاني هو إداري، فالنادي الأهلي يدار حالياً بمجلس منتخب من الأعضاء، والتحول إلى شركة مساهمة يعني تغييراً جذرياً في هيكل الإدارة والرقابة، وهذا يحتاج إلى توافق جماهيري واسع. التحدي الثالث هو مالي، فالتحول إلى شركة مساهمة يتطلب استثمارات أولية ضخمة لإنشاء البنية التحتية للشركات الأربع، وتطوير الفروع في المحافظات، وإنشاء مصانع الإنتاج، وهذا يحتاج إلى شركاء استراتيجيين وتمويل طويل الأجل. التحدي الرابع هو ثقافي، فالجمهور الأهلاوي العريض قد يتحفظ على فكرة تحويل النادي إلى “شركة” خوفاً من فقدان الهوية الشعبية، وهذا يحتاج إلى حملة توعوية واسعة تشرح فوائد التحول الاقتصادي.

لكن هذه التحديات قابلة للحل. في أوروبا، تحولت أندية مثل مانشستر يونايتد وأرسنال وتشيلسي إلى شركات مساهمة مع احتفاظها بقاعدة جماهيرية ضخمة. في السعودية، تمت الخصخصة الجزئية دون المساس بالهوية الوطنية للأندية. في مصر، يمكن سن تشريع خاص بالنادي الأهلي يسمح بتحويله إلى شركة مساهمة مع بقاء 51% من الأسهم للأعضاء، وبيع 49% للمستثمرين، كما هو الحال في نموذج برشلونة الذي لا يزال مملوكاً للأعضاء مع شركات تابعة ربحية.

كما أن هناك فرصاً هائلة يمكن اغتنامها. الفرصة الأولى: وجود رؤية سياسية واضحة ممثلة في رؤية مصر 2030 التي تدعم التحول الرقمي والاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار، والرياضة جزء أساسي من هذه الرؤية. الفرصة الثانية: وجود شريك استراتيجي قوي مثل وزارة الشباب والرياضة، التي يمكنها دعم هذا التحول وتوفير التسهيلات اللازمة. الفرصة الثالثة: وجود بنك الاستثمار القومي وصناديق الاستثمار المختلفة التي يمكنها ضخ رؤوس الأموال المطلوبة. الفرصة الرابعة: وجود جيل جديد من الجماهير الأهلاوية المتعلمة والمؤمنة بأهمية التحول الاقتصادي للنادي، والراغبة في رؤية الأهلي ينافس ريال مدريد وبرشلونة ليس في الملعب فقط، بل في الإيرادات والتسويق والعلامة التجارية.

سؤال للقارئ: ماذا لو كان الأهلي مجموعة شركات مساهمة؟
بينما تقرأ عن هذه الرؤية المتكاملة، عن 118 عاماً من العطاء والتتويج، عن 44 لقباً في الدوري المصري، عن 12 لقباً أفريقياً، عن 8.5 مليار جنيه ميزانية النادي، عن 11 مليون دولار من كأس العالم للأندية، عن 11 مليون دولار من أديداس، عن 30 مليون يورو قيمة سوقية للفريق الأول، عن 50 مليون مشجع في مصر والعالم، عن تجربة السعودية في خصخصة الأندية بنسبة 75%، عن ريال مدريد الذي تجاوز إيراداته المليار يورو، عن الصين التي تنتج 65% من الملابس الرياضية في العالم، عن أولمبياد باريس 2024 حيث حصدت مصر 3 ميداليات فقط، يبقى السؤال مفتوحاً وبقوة:

هل تعتقد أن الأهلي مستعد ليكون رائداً في تحويل الرياضة إلى اقتصاد في مصر؟ وهل النظام القانوني والإداري الحالي يسمح بتحويل النادي إلى شركة مساهمة مع الحفاظ على هويته الوطنية وجماهيريته العريضة؟ وهل نملك الإرادة السياسية والشعبية لدعم هذا التحول، الذي سيُخرج الرياضة المصرية من دائرة التبرعات والرعاية التقليدية إلى دائرة الاستثمار والتنمية المستدامة، ويحوّل الأهلي من نادٍ رياضي إلى علامة تجارية عالمية، ويخلق آلاف فرص العمل، ويصنع أبطالاً أوليمبيين يفخر بهم العالم العربي كله؟

اللحظة حاسمة، والرياضة لا تنتظر، والمنافسة العالمية على الجماهير والإيرادات تزداد حدة يوماً بعد يوم. السعودية استثمرت المليارات واستقطبت نجوم العالم. الإمارات أنشأت أفضل أكاديميات كرة القدم في المنطقة. قطر استضافت كأس العالم وبنيت استادات من الجيل الخامس. فهل نتحرك قبل أن تفوتنا الفرصة، ويظل الأهلي أسير نموذجه التقليدي الذي لا يستغل سوى جزء صغير من قيمته الحقيقية، وتسبقنا دول المنطقة إلى احتلال المراكز المتقدمة في اقتصاد الرياضة، ونبقى نحن في المراكز الخلفية؟

الخلاصة: الأهلي ليس مجرد نادٍ، بل اقتصاد وطني بانتظار التفعيل
الرياضة اليوم لم تعد مجرد ترفيه أو هواية أو بطولات تذاع على شاشات التلفزيون. أصبحت صناعة بمليارات الدولارات، تتنافس عليها الدول الكبرى وتستثمر فيها الحكومات والصناديق السيادية. صفقة انتقال نيمار إلى الهلال بلغت 90 مليون يورو، وعقد رونالدو مع النصر تجاوز 200 مليون يورو سنوياً، وقيمة سوق الانتقالات العالمية تجاوزت 10 مليارات دولار في عام 2024 وحده. مصر تمتلك في الأهلي علامة تجارية تاريخية، وقاعدة جماهيرية هائلة، وإرثاً رياضياً فريداً، تصلح لأن تكون رائدة في هذه الصناعة الواعدة.

الأهلي ليس مجرد نادٍ رياضي. هو تاريخ يمتد لـ118 عاماً، هو هوية لـ50 مليون مشجع، هو حلم ملايين المصريين الذين يرون فيه رمزاً للوطنية والانتماء والبطولة. تحويله إلى مجموعة شركات مساهمة ليس تفريطاً في هذا التاريخ، ولا تهديداً لهذه الهوية، بل استثمار فيهما وتطوير لهما. الشركات الأربع المقترحة – شركة التسويق الرياضي، وشركة إنتاج الأدوات الرياضية، وشركة صناعة البطل الأوليمبي، وشركة الفروع الرياضية بالمحافظات – ليست مجرد كيانات ربحية، بل هي أدوات لتطوير الرياضة المصرية كلها، من القاهرة إلى أسوان، ومن الإسكندرية إلى حلايب وشلاتين.

البنية التحتية موجودة في فرق الأهلي الـ23 في مختلف الألعاب. الخبرات الإدارية متوفرة في مجلس إدارة النادي وقياداته التاريخية. الجماهيرية الهائلة والولاء الأسطوري في صالح المشروع. التجارب العالمية الناجحة في أوروبا والسعودية والإمارات تقدم نماذج يمكن الاقتداء بها. ما ينقص هو القرار الشجاع، والرؤية الاستراتيجية الطويلة المدى، والإرادة السياسية القوية لتحويل الأهلي من كيان رياضي تقليدي إلى تكتل اقتصادي رياضي يخدم الرياضة والاقتصاد معاً.

في النهاية، كما قال أحد خبراء اقتصاد الرياضة: “النادي الذي لا يتحول إلى شركة يظل رهينة التبرعات والرعاية المتقطعة، أما النادي الذي يتحول إلى شركة فيصبح صانعاً لموارده، ومخططاً لمستقبله، ومستثمراً في جماهيريته”. والسؤال المتبقي بحدة: متى يتحرر الأهلي من هذه الرهينة، ويتحول من نادٍ ينتظر الدعم إلى مجموعة شركات تصنع القيمة، ويصبح نموذجاً يحتذى به في تحويل الشغف الجماهيري إلى قيمة اقتصادية حقيقية، وينطلق ليكون أول مرحلة من اقتصاديات الرياضة في مصر؟

المصادر والمراجع
Wikipedia, Al-Ahly SC, بيانات الموسم 2023-2024

OneFootball, World Cup Millions Boost Al Ahly’s Finances, 12 سبتمبر 2025

Africa Soccer Zone (Facebook), Al Ahly budget 3.087 billion EGP, 24 يناير 2026

Ysscores.com, Al-Khatib’s Meeting with the Services Company, 31 مارس 2026

الموقع الرسمي للنادي الأهلي، رؤية الأهلي 2050 وإنشاء ثلاث شركات, 16 سبتمبر 2020

Goal.com, Saudi clubs privatization PIF, 30 يونيو 2025

جامعة المنوفية، بروتوكول تعاون مع الأهلي لإنشاء فرع للأكاديمية, 29 مايو 2024

IRM India, Al-Ahly’s Climate-Smart Stadium, 10 أغسطس 2025

Transfermarkt, Al-Ahly SC squad value, بيانات الموسم 2025/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى