الكتب تحترق يابولجاكوف

بقلم – سلطان الحويطي
في ليلة قارصة البرودة وفي احدى أحياء موسكو أمسك الكاتب الروسي “ميخائيل بولجاكوف” بمخطوط روايته الشيطان يزور موسكو وبعد تردد القاها في المدفئة وأشاح بوجهه الى النافذة التهمت النار المخطوط وبسرعة حولتها لكومه من رماد . احترقت الكلمات وماتت الأفكار, يأس ميخائيل من نشر الرواية فما كان منه الا استنشاق رائحه ورقها المحترق , ولكنه بعد عام كتبها مجددا من ذاكرته واحتفظ بها ,. ولان ميخائيل استطاع استرجاع الكلمات المحترقه والأفكار الميته من ذاكرته قال على لسان” فولند” أحد أبطال روايته :” الكتب لاتحترق أبد”. وبعد وفاته بسبعه وعشرين عاما نشرت زوجته الرواية .
منذ سنوات بعيده تراودني فكرة إحراق مكتبتي، سأرتاح حتماً وأنا أشاهد عباب دخان تلك الكتب التي افنيت شبابي في جمعها يتصاعد من حولي يخترق عنان السماء ويتلاشى للأبد ، سأبتهج عندما تعبث الريح برماد ما تبقى من ورق سأتحرر من كل القيود وأغرد مع الطيور فوق شواشي النخيل و أصحب نسمه هواء عابرة تجوب ازقه قريتي اتحسس برفقتها جدران البيوت العتيقة وتذوب بين اصابعي حكايات اهلها وا تمازج بكل كياني مع تلك اللحظات المنسيه .
وربما بعد ذلك كله استعيد شيء من شبابي العالق بين دفات الكتب !
لا أعلم من أين جائتني تلك الرغبة الجارفة في مشاهده النار تلتهم الكتب بشراهة تتصاعد السنتها تسري في الورق وتحوله لرماد يشبه تماما وجوه الموتى ,ولكن ما أعرفه أني سأرتاح حتماً من حمل ثقيل جدا سأقفز هنا وهناك وأهبد الأرض بقدمي واستنشق رائحه الورق المحترق وأصرخ عالياً :الكتب تحترق يا “بولجاكوف” الكتب تحترق يا “بولجاكوف” الكتب تحترق يا “بولجاكوف.
أي رغبه جارفه تلك التي تجتاحني بين فتره و أخرى الى درجه انني أهم بجمع ما تحويه مكتبتي من كتب اجهزها للحرق وفي اللحظات الأخيرة أتراجع ، ويبقى السؤال مشتعل كلهب النار :لماذا أنا متأرجح بين الإنطلاق وعيش الحياة بصخبها وبين الإنكفاء على الكتب والبعد عن الحياة الساذجة؟ وهل هذه الرغبة تجتاح معظم القراء والكتاب أم أنا وحدي المبتلى بذلك ؟ .
من الأمور الغريبة التي عاصرتها ومازالت تعشعش في ذاكرتي وربما تشير لمحرك فكري يفسر غرائبية العلاقة مع الكتاب هو ذلك الإعتقاد الذي ساد في فتره مبكرة لدى كبار السن في منطقتنا والذي يقر بأن الكتب خارج المنهج الدراسي خطر داهم يجب التصدي له فالذين يقرؤن يتحولون لكائنات انطوائية وربما يصابون بأمراض نفسيه خطيره وقد يصابون بالجنون أيضا لذا حرص كبار السن حرص المحب على محاربه عاده القراءة خوفا على أبنائهم . لم يكن ذلك الاعتقاد عبثي بل كانت له ركائز متينه ولكنني عجزت عن ادراكها وادراك منبع الفكرة المرعبة . كان أحد أصدقائي في صغره مولع بالقراءة بشكل كبير يقتني الكتب ويقضي ساعات طوال في قرائتها, ولكن والداه خافا عليه الجنون فاتفق ان جمعا كتبه وقاما بإحراقها على تبه خلف منزلهما وعندما عاد صديقي لمنزله لم يدرك في بادي الأمر ان الدخان الذي رآه يتصاعد خلف البساتين ويحوم حول منزله إنما هو دخان أوراق كتبه التي التهمتها النار وعندما وصل وجد الحقيقة المرة في انتظاره وجد كتبه وقد تحولت لكومة من رماد .
ربما حال صديقي كان أفضل من حالي فقد عاش بعد تلك المحرقة حياه هادئة هانئة أما أنا فعشت حياة قلقه بين دفات الكتب في عزلة تكاد تكون تامه تولدت عنها علاقة مضطربة مع الكتاب والانسان لأبقى طوال حياتي في صراع نفسي محتدم , ولكنني رغم ذلك كنت أتمكن في بعض الأحيان من الإفلات والفوز بلحظات صفاء ذهني أتساءل خلالها عن تلك العلاقة هل هي نتاج لمجتمع مرتبك أم نتاج لحالة نفسية تلبستني وفي ظل سعيي لفك طلاسم تلك العلاقة وجدت بين طيات صفحات التاريخ ان هناك الكثير من البشر عاش ذلك الصراع بل أن البعض منهم تعرض للقتل على أيدي الكتب ! . ويخبرنا التاريخ بكثير من الكتاب والقراء الذين كانوا ضحايا للعلاقة المضطربة مع الكتاب فمنهم من أحرق كتبه ومنهم من دفنها ومنهم من غسلها بالماء ومن هؤلاء صاحب الوزيرين “ابوحيان التوحيدي ” فقد تملكه اليأس عندما لم تجد كتبه التقدير الذي تستحقه فأحرقها ليتحرر بدوره من ألم صاحبه طوال حياته , أما ريحانه الشام “أحمد بن أبي الخولي ” فرمى بكتبه في البحر ليقطع وصل ذلك الارتباط ولتغيب عن عينيه للابد ,وغيرهم الكثير ممن ذكرهم التاريخ أو ممن هبت عليهم رياح النسيان ولم تصلنا أخبارهم .
ولكن العلاقة المضطربة بين بعض القراء والكتاب ستبقى قائمه مابقي الانسان , وستبقى فكرة إحراق الكتب مغلفه بلذة الانتقام والتحرر من المتاعب تداعب عقول البعض ممن أضناهم التعب , وستحل البهجه محل الألم على محيا أحدهم وهو يشاهد الريح تعبث بما تبقى من رماد اوراق أفنى عمره يجمعها , وسيحاول البعض بجديه استعادت شبابهم العالق بين دفات الكتب وسيخرج صوت مختنق من حنجرة أحدهم وقبل أن يذوب ويتلاشى في صخب عالم مادي بحت ينطق بوجل :الكتب تحترق يا بولجاكوف الكتب تحترق يا بولجاكوف الكتب تحترق يابولجاكوف



