منوعات

بحيرة من العصر الجليدي تعود إلى وادي الموت

حين يستيقظ الماضي من سباته: بحيرة من العصر الجليدي تعود إلى وادي الموت

مصر: إيهاب محمد زايد
وادي الموت… الاسم وحده يكفي لاستحضار صورة القسوة المطلقة: صحراء مترامية، حرارة لا ترحم، وأرض تبدو وكأنها لفظت الحياة منذ زمن بعيد. غير أن الطبيعة، حين تقرر كسر توقعاتنا، تفعل ذلك بأسلوبٍ مدهش. ففي الأسابيع الأخيرة، لم يُسجّل هذا المكان أحد أعلى درجات الحرارة، بل حطم أرقامًا قياسية في هطول الأمطار، ليوقظ ذكرى جيولوجية دفينة ظلت نائمة أكثر من عشرة آلاف عام.
بحسب هيئة المتنزهات الوطنية الأميركية (NPS) ، شهد متنزه وادي الموت الوطني أمطارًا غير مسبوقة، كانت غزيرة ومستمرة إلى حدٍّ أعاد تشكيل مشهدٍ من عصور سحيقة: عودة بحيرة مانلي، ولو على نحوٍ متواضع.
تقع هذه البحيرة في حوض “بادووتر”، أخفض نقطة في أميركا الشمالية. وفي ذروة تاريخها المتقلب، يُعتقد أن بحيرة مانلي كانت أعمق من 300 متر، تمتد على مساحات شاسعة، قبل أن تختفي مع انحسار العصر الجليدي الأخير. ومنذ ذلك الحين، لم تظهر بحيرة دائمة في هذا الموضع… حتى الآن.
صحيح أن البحيرة العائدة اليوم لا تشبه عملاق الماضي. فبحسب وصف هيئة المتنزهات، فإن منسوب المياه الحالي “لا يتجاوز ارتفاع حذائك في معظم الأماكن”. لا قوارب، ولا أمواج، ولا رحلات استكشافية. لكنها، مع ذلك، عودة رمزية قوية، تذكير حيّ بأن هذا الوادي القاحل كان يومًا عالمًا مائيًا نابضًا.
ليست هذه المرة الأولى التي تلمّح فيها بحيرة مانلي إلى وجودها. فقد تشكّلت جزئيًا في فترات سابقة عقب أمطار غزيرة، وظهرت ظهورًا خجولًا بعد إعصار هيلاري عام 2023. لكن ما يجعل الحدث الحالي استثنائيًا هو حجم الأمطار وتوقيتها.
تشير السجلات إلى أن وادي الموت شهد أكثر خريف رطوبة في تاريخه المسجّل، حيث بلغ الهطول من سبتمبر إلى نوفمبر نحو 2.41 بوصة من المطر. كما حطّم شهر نوفمبر وحده رقمًا قياسيًا جديدًا بـ1.76 بوصة. قد تبدو هذه الأرقام متواضعة مقارنة بمناطق أخرى من العالم، لكنها في أحد أكثر الأماكن جفافًا على سطح الأرض حيث لا يتجاوز المعدل السنوي عادة بوصتين تعني الكثير.
حين يتلقى المكان ما يقارب عامًا كاملًا من المطر في شهر واحد، لا بد أن تتغير ملامحه.
هذا التحول المفاجئ أثار تساؤلات حول مستقبل الزهور البرية الشهيرة في المتنزه. فالأمطار عنصر أساسي لازدهارها، لكنها ليست العامل الوحيد. وحتى الآن، تقول هيئة المتنزهات إن من المبكر الجزم بما إذا كان هذا السخاء المائي سيترجم إلى موسم أزهار استثنائي في العام المقبل.
في الوقت نفسه، تحذّر السلطات الزوار من صعوبة الوصول إلى أجزاء كبيرة من المتنزه، إذ أصبحت العديد من الطرق المعبدة وغير المعبدة غير سالكة بسبب مخلفات العواصف. وكما هو الحال دائمًا في هذا المكان المتقلّب، تبقى السلامة رهينة المتابعة الدقيقة للتحديثات الرسمية.
لم توضّح هيئة المتنزهات السبب المباشر وراء هذا النظام الجوي غير المعتاد، لكن السياق الأوسع بات معروفًا: تغير المناخ. في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة، تصبح الظواهر المتطرفة أكثر شيوعًا، أطول زمنًا، وأشدّ وقعًا. الأرقام القياسية تسقط تباعًا، لا في وادي الموت وحده، بل في أنحاء المعمورة.
ومع ذلك، فإن هذا الحدث يحمل رسالة أعمق من مجرد تحذير مناخي. إنه تذكير بأن المناظر الطبيعية التي نراها اليوم ليست ثابتة، بل نتاج تاريخ طويل من التحولات امتد ملايين السنين. حتى أكثر الأماكن جفافًا وعزلةً مرّ بمراحل من الخصوبة والماء والحياة.
فبحيرة مانلي، في أوجها قبل ما بين 128 ألفًا و186 ألف عام، كانت تمتد قرابة 160 كيلومترًا، تغذيها الأنهار والثلوج الذائبة من جبال سييرا نيفادا. واليوم، وإن عادت كظلٍّ باهت لتلك العظمة، فإن ظهورها يهمس بحقيقة لا يمكن تجاهلها:الصحراء ليست نهاية القصة… بل فصلٌ مؤقت في كتابٍ طويل كتبه الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى