اقتصاد

ارتفاعات غير مسبوقة للدولار وتأثيرها على الأسواق الناشئة

 

بدأت قيمة الدولار في الارتفاع مقابل العملات الأخرى منذ العام الماضي، ولكنها بدأت في الارتفاع بشكل سريع وبشكل خاص خلال الفترة القليلة الماضية؛ حيث وصل الدولار الآن إلى أعلى مستوى له منذ 20 عامًا مقابل العملات العالمية الأخرى، ولكن يأتي سؤال هنا، وهو لماذا يرتفع سعر الدولار؟ يرتفع سعر الدولار في المقام الأول بسبب وجود طلب قوي عليه مثله مثل أي سلعة. وقد جاء هذا الارتفاع نتيجة عدة أسباب: أهمها قرار البنوك المركزية الأمريكية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي بالبدء في رفع أسعار الفائدة بقوة لمحاربة التضخم المرتفع في الولايات المتحدة، كذلك فقد خلقت الأزمة الروسية الأوكرانية مخاطر جيوسياسية هائلة وتقلبات ضخمة في الأسواق. علاوة على ذلك، تشير التوقعات الاقتصادية لمعظم الاقتصادات إلى تباطؤ كبير خلال الفترة القادمة. فكل هذه العوامل – من بين عوامل أخرى- دفعت المستثمرين العالميين لنقل أصولهم من أوروبا والأسواق الناشئة إلى الولايات المتحدة باعتبارها الملاذ الآمن في مواجهة حالة عدم اليقين الناتجة عن الأزمة الروسية الأوكرانية.

لذلك فالمحرك الأكبر لقوة الدولار المتزايدة حاليًا هي سياسة سعر الفائدة الجديدة للاحتياطي الفيدرالي. فبعد أن وضع البنك الفيدرالي في بداية عام 2022 سعر فائدة مستهدفًا يتراوح بين 0.0٪ و0.25٪ فقط، قام برفع أسعار الفائدة ثلاث مرات لتصل إلى 3.15% اعتبارًا من 22 سبتمبر 2022. مع توقعات بمزيد من الارتفاع في المستقبل.
فقد شهد الدولار الأمريكي ارتفاعًا كبيرًا مقابل العملات العالمية الرئيسة خلال عام 2021، حيث وصل مؤخرًا إلى مستويات لم يشهدها منذ 20 عامًا. فقد ارتفع بنسبة 15٪ مقابل الجنيه الإسترليني، و16٪ مقابل اليورو، و23٪ مقابل الين الياباني.

محاور يمكن من خلالها أن يكون لارتفاع الدولار تأثير قوي على الاقتصادات الناشئة:

كانت جميع أزمات الأسواق الناشئة الماضية تقريبًا مرتبطة بقوة الدولار. فمع ارتفاع الدولار، أصبح لزامًا على البلدان النامية تشديد السياسة النقدية لتفادي الانخفاض في عملاتها، لأن عدم القيام بذلك سيؤدي إلى تفاقم التضخم ورفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار.
فكونها تمثل أكبر اقتصاد في العالم، فقد أثرت قرارات الولايات المتحدة الأمريكية على اقتصادات الدول الأخرى، لا سيما في الدول الناشئة والنامية. لذلك، كان من الطبيعي أن يشعر الاقتصاد العالمي ككل بالقلق عندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، ووفقًا لنتائج دراسة أعدها مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو 2018 بعنوان “الآثار الخارجية غير المباشرة لارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية ” فإن كل ارتفاع بنسبة 1% في معدلات فائدة الاحتياطي الفيدرالي قد تؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات الناشئة بنسبة 0.8% على مدى ثلاث سنوات مقبلة.

فقد أدى ارتفاع قيمة الدولار إلى انخفاض مؤشر العملات الناشئة بنسبة 3.5٪ خلال عام 2022، مسجلًا أدنى مستوى خلال 18 شهرًا، على الرغم من أن ذلك يخفي خسائر كبرى بنسبة انخفاض تتراوح بين 9٪ -15٪ على عملات مثل، “الزلوتي البولندي” و”الليرة التركية”. كذلك يمكن إيضاح ذلك من خلال الشكل البياني التالي، والذي يوضح العلاقة العكسية بين كل من مؤشر الدولار الأمريكي ومؤشر الأسواق الناشئة، فكلما ارتفع مؤشر الدولار، انخفض أداء الأسواق الناشئة بشكل ملحوظ. لذلك، تشير توقعات البنك الدولي بخفض توقعات نمو الاقتصادات الناشئة بنسبة 4.6٪ فقط خلال عام 2022، مقارنة بالتوقعات السابقة البالغة 6.3٪ لنفس العام.

فقوة الدولار تُترجم إلى ضعف العملة المحلية؛ وبالتالي ارتفاع فواتير الاستيراد، والذي بدوره يؤدي إلى تسارع التضخم. فعلى الرغم من قيام العديد من البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم النامي برفع أسعار الفائدة بمئات النقاط الأساسية بشكل تراكمي بعد رفع الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة، بهدف كبح جماح التضخم، فإن التضخم قد تجاوز التوقعات، فعلى سبيل المثال تجاوز التضخم السنوي في الأرجنتين 50٪، وفي تركيا 70٪ خلال أبريل 2022، وحتى الاقتصادات الناشئة الأكثر ثراءً مثل، المجر التي شهدت أيضا ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم.

وبناء عليه، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ معدل التضخم في الأسواق الناشئة 8.7٪ خلال عام 2022، مرتفعًا بذلك بنحو 2.8% عما كان متوقعًا في يناير 2022. وتعد كل من تركيا، وتونس، ومصر، وغانا، وكينيا، من بين البلدان المعرضة للخطر بسبب أعباء ديونها بالعملة الصعبة وعجز الحساب الجاري والاعتماد الكبير على واردات الغذاء والطاقة.
 
 كيف يشكل تعزيز الدولار تحديًا للأسواق العالمية:

أولًا، يميل الدولار القوي إلى كبح نمو التجارة العالمية. حيث يعد الدولار العملة المهيمنة في إعداد الفواتير وتسوية مجموعة ضخمة من المعاملات التجارية العالمية. ونظرًا لأن القوة الشرائية للعملات غير الدولارية تنخفض عندما يرتفع الدولار، فإن ارتفاع قيمة الدولار يميل إلى جعل العالم أكثر فقرًا وأقل انخراطًا في التجارة الدولية. جدير بالذكر أن الدول النامية تميل إلى أن تكون ما يسميه الاقتصاديون بـ “الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة”، أي أنها تعتمد بشكل خاص على التجارة العالمية، لذلك فإن أي شيء يضع ضغطًا هبوطيًا على ذلك من المحتمل أن يكون غير مفيد لهم.

ثانيًا، يميل الدولار القوي إلى تآكل الجدارة الائتمانية للدول النامية التي لديها ديون مقومة بعملة الدولار الأمريكي. فارتفاع قيمة الدولار يجعل شراء العملة التي تحتاجها لخدمة ديونها أكثر تكلفة. كذلك من المحتمل أن يكون ارتفاع الدولار أكثر ضررًا للدول منخفضة الدخل، والتي عادة ما يكون لديها فقط قدرة محدودة على الاقتراض دوليًا بعملاتها الخاصة، حتى في أفضل الأوقات.

ثالثًا، من المحتمل أن يكون الدولار القوي ضارًا بالنسبة للصين، وهو ما يشكل في النهاية ضررًا للاقتصادات الناشئة؛ نظرًا لارتباطها بسلاسل التوريد الصينية والطلب على السلع الأساسية. فعلى الرغم من أنه قد يكون ظاهريًا التفكير في أن انخفاض “الرنمينبي الصيني” قد يكون وسيلة ملائمة لتعزيز الصادرات الصينية، فإن هناك عاملين يعملان في الاتجاه المعاكس. يتمثل أحدهما في أنه من خلال زيادة تكلفة السلع المستوردة، فإن ضعف الرنمينبي الصيني يشكل تحديًا بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في الصين، والتي تواجه ضغوطًا مستمرة على حجم ربحيتها. والسبب الآخر هو أن خفض الرنمينبي الصيني أمام الدولار يميل إلى تحفيز تدفقات رأس المال إلى خارج الصين، وهو أمر تفضل السلطات في بكين تجنبه في سعيها للحفاظ على توقعات إيجابية فيما يتعلق بعملتها.

ختامًا، فإن الاضطرابات العالمية الأخيرة (أزمة كوفيد-19 والأزمة الروسية- الأوكرانية) تسببت في إحداث تغييرات في هيكل الاقتصاد الدولي ككل، وقد كان ارتفاع قيمة الدولار من أبرز هذه التغيرات، ولم يكن ليحدث كل هذا القلق لو أن عملة أخرى غير الدولار الأمريكي هي التي شهدت هذا الارتفاع، ولكن نظرًا لمكانة الدولار في التجارة العالمية وما ذكر سابقا من أن الأسواق الناشئة سوف تكون أكثر الأسواق تأثرًا بالسلب جراء هذا الارتفاع، سواء من حيث ارتفاع معدلات التضخم بها، أو ارتفاع فاتورة الواردات، أو ارتفاع تكاليف الائتمان، فإن التأثير سوف يطال أيضا الدول المتقدمة ، فارتفاع الدولار يمكن أن يتسبب في حدوث مشكلات حتى بالنسبة للدول الأكثر ثراءً، حيث إنه سيساعد في تغذية معدلات التضخم من خلال زيادة تكلفة الواردات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى